مخيمات لبنان... القدس هي البوصلة التي توصل إلى فلسطين

10 ديسمبر 2017
الصورة
تظاهرة فلسطينية بلبنان رفضاً لقرار ترامب (أنور عمرو/فرانس برس)

لم ينس الفلسطينيون في لبنان بلادهم يوماً. العودة إليها هو الأمل الذي يعيشون لأجله. قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لن ينتزع منهم مدينتهم وعاصمتها، فهي بوصلتهم إلى كل تراب الوطن.

بعد نكبة عام 1948، وتهجير أبناء الشعب الفلسطيني من وطنهم قسراً، اتجهوا إلى مخيمات اللجوء في بلدان عدة، منها لبنان، حيث عاشوا في 16 مخيماً تنتشر من الجنوب إلى الشمال. وخلال الحرب الأهلية، دمّرت ثلاثة مخيمات، هي النبطية وجسر الباشا وتل الزعتر، ورحّل سكان مخيم غورو في بعلبك إلى مخيم الرشيدية، ليبقى 12 مخيماً يسكنها نحو 220 ألف نسمة، إضافة إلى نحو 200 ألف آخرين يقيمون خارج المخيمات الفلسطينية.

ورغم مرور نحو 70 عاماً على النكبة، ما زال أبناء المخيمات متمسكين بحق العودة إلى وطنهم الأم فلسطين، ومتمسكين بالقدس عاصمة أبدية لدولة فلسطين. وجاء القرار الأميركي على لسان الرئيس دونالد ترامب بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، واعتبارها عاصمة لدولة الاحتلال، ليخيّب آمال الشعب الفلسطيني في الحفاظ على القدس عاصمة لدولته. وشهدت مخيّمات اللجوء تحركات شعبية وتظاهرات رافضة لهذا القرار، وشارك الصغير قبل الكبير في هذه التحركات الغاضبة، للمطالبة بإلغاء قرار ترامب حول القدس. هؤلاء يحلمون بزيارة القدس. ويؤكد عدد كبير من الفلسطينيين في الشتات أن القدس ستبقى فلسطينية إلى الأبد. "العربي الجديد" واكبت التحرّكات في المخيمات الفلسطينية، والتي يبدو أنها مستمرة بأشكال عدّة، والهدف واحد، وهو رفض القرار الأميركي.

غالية على قلوبنا

لفّت الكوفية الفلسطينية حول عنقها وحملت علم فلسطين لتنطلق مع أبناء مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين (جنوب لبنان) في مسيرة غضب لقرار ترامب. هناء نابلسي (45 عاماً) تتحدّر من مدينة نابلس، إلا أن جدها كان في مدينة عكا في عام 1948، وهاجر إلى لبنان بعد النكبة. تُعيل عائلتها المكونة من ثلاثة أبناء بعد استشهاد زوجها في إحدى المعارك في مواجهة العدو الصهيوني. تقول لـ "العربي الجديد": "القدس هي البوصلة التي ستوصلنا إلى كل فلسطين، وهدفنا هو تحرير فلسطين والعودة إليها". تلفت إلى أن "القرار الأميركي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل يعني أنهم سحبوها غصباً عنّا، وانتزعوا قلوبنا وأرواحنا، لأن القدس غالية على قلوبنا".

تضيف: "حين أزور الحدود اللبنانية الفلسطينية قرب بلدة مارون الراس، وأتنشق هواء فلسطين، وأشاهد تراب بلدي ولو من بعيد، أبكي بحسرة، وأتمنى لو أنني أستطيع تقبيل ترابها. رغم أنّنا ولدنا في الشتات وفي مخيمات اللجوء، إلا أن فلسطين والقدس هما الأمل الذي نحيا من أجله". ترى أنّ "قرار ترامب كارثة على الشعب الفلسطيني، لأنه سينتزع صفة المدينة الفلسطينية عنها، وقد يُطرد الفلسطينيون منها أو تدمّر منازلهم. لكن نأمل أن نعود إلى فلسطين، وتكون القدس عاصمة دولتنا. وهذا القرار يسرق منّا أملنا وحلمنا الذي نربّي أبناءنا عليه، ولا نستطيع أن نحتمل أن يسرق أحد منّا هذا الحلم".

قرار ترامب مرفوض (عبد الحليم الشهابي) 


أما عبد الحليم الشهابي (56 عاماً)، وهو مصوّر فوتوغرافي من قرية لوبية قضاء مدينة طبرية، ومقيم في مخيم عين الحلوة، فيقول إن "ما حدث بمثابة انتزاع للقلب والروح والعلاقة مع الأرض والتاريخ. وهذا يعني أن تكون شيئاً وتصير لا شيء. ولأنّني فلسطيني، أعتبر نفسي جزءاً من القدس وهذه الأرض المقدّسة. أنا جزء من أجداد عاشوا وفرحوا وحزنوا وماتوا فيها، والمعادلة هي القدس نحن ونحن القدس، ولا يستطيع أحد أن يفرّق بين طرفي هذه المعادلة".

لم ولن ننسى

في مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين في العاصمة اللبنانية بيروت، كانت امرأة في العقد الخامس من عمرها تهتف للقدس خلال إحدى المسيرات التي جابت شوارع وأزقة المخيم. هي تمام عبد اللطيف، ربة عائلة مؤلفة من خمسة أبناء. تقول لـ "العربي الجديد": "أنا من قرية كويكات قضاء عكا، وأعمل في مركز الجليل ومجدّو الذي يهتم بالحفاظ على التراث الفلسطيني ويعلم الجيل الجديد كل ما يتعلق بوطنه فلسطين. والأهم أن الوطن يعيش فيهم، وليسوا كبقية أطفال العالم يعيشون في وطنهم".

تضيف عبد اللطيف: "نحن في مخيم برج البراجنة. ورغم أننا نعيش أوضاعاً صعبة، إلا أننا لم ولن ننسى وطننا فلسطين المغتصب من قبل الصهاينة. مهما طال الزمن، لا بد من العودة إلى الوطن، وسنبقى متمسكين بقضيتنا العادلة مهما تآمرت علينا الأنظمة. لذلك، نعتبر قرار ترامب حبراً على ورق، لأن القدس خط أحمر، ولا نأبه لأي قرار أو بيان، لأننا أصحاب الأرض وأصحاب القدس التي هي عاصمة فلسطين الأبدية. هذا ما يقوله جميع الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات". وتلفت إلى أن الكيل طفح، ونتمنى فتح الحدود العربية الفلسطينية، وسيرون أن أهل المخيمات برجالهم ونسائهم وشبابهم وشيوخهم وأطفالهم سيهبّون لنجدة الأقصى من براثن الصهاينة.

يريد العودة (العربي الجديد) 


تؤكّد عبد اللطيف أنه "يجب إلغاء معاهدات السلام المزعومة مع الكيان الصهيوني، وعلينا كفلسطينيين ألا نعترف بما يسمى إسرائيل، وإلغاء اتفاقية أوسلو، ووقف المفاوضات سواء أكانت فوق الطاولة أو تحتها، ودعوة الشعوب العربية إلى الضغط على حكامها لإعلان القدس عاصمة الدولة الفلسطينية رداً على قرار ترامب، لأن الشعوب العربية لن ترضى بالقدس عاصمة الكيان الصهيوني. وإذا ثارت الشعوب العربية ضد قرار ترامب، فلن يكون لهذا القرار أي معنى".



لا وعد بلفور ولا وعد ترامب

لم يكن مخيم البدّاوي في شمال لبنان بعيداً عن التحركات والتظاهرات الغاضبة رفضاً لانتزاع مدينة القدس. هذا ما تقوله عواطف زيد من قرية الظاهرية قضاء مدينة صفد. زيد، وهي أم لأربعة أولاد، توضح أنها تعيش في المخيّم منذ ولدت. تقول: "عرفت فلسطين من كلام أجدادي، كبرت وأنا أرى التظاهرات التي كانت تنطلق في المخيم، وتطالب بحق الفلسطينيين وحلم العودة والصلاة في مدينة القدس عاصمة فلسطين". وتؤكّد أنّ قرار اعتراف أميركا بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني هدفه إنهاء القضية الفلسطينية، والقول إن الصهاينة هم السكن الأصليون لمدينة القدس "لكن بالطبع، فإن إصرار الشعب الفلسطيني على إثبات حقه في القدس وكل الأراضي الفلسطينية سيجعل هذا القرار مجرد حبر على ورق.

تردّ على الذين يتهمون الشعب الفلسطيني بأنه يعبّر عن غضبه بالتظاهرات والصور على وسائل التواصل الاجتماعي وكتابة خطابات رنانة وعدم جدواها لتحرير فلسطين "لكن لولا هذه الوسائل المتاحة، والتي من خلالها نذكر فلسطين ونذكّر العالم بها، لانتهت القضية منذ زمن. إصرار الشعب الفلسطيني على النضال بكل الوسائل جعلها في دائرة الضوء".

تضيف زيد: "مصرّون حتى آخر نقطة دم تجري في عروقنا على أن القدس وفلسطين لنا من النهر إلى البحر، وسنرجع يوماً إلى وطننا مهما طال الزمن، وستبقى مدينة القدس المنارة التي نهتدي بها في طريق النضال من أجل العودة الحتمية، ولا يهمنا لا وعد بلفور ولا وعد ترامب، لأن وعد الله هو الحق".

أما مخيم شاتيلا القريب من بيروت، فقد سار أهله في مسيرات عفوية وأحرقوا الأعلام الإسرائيلية والأميركية تعبيراً عن غضبهم. يقول صبحي عفيفي الذي يعيش في مخيم شاتيلا، ويتحدّر من قرية الياجور قضاء حيفا، إن "قرار ترامب أحمق، ويشبه وعد بلفور بعد مائة عام، أي وعد من لا يملك لمن لا يستحق، والقدس في نظري ونظر أبناء الشعب الفلسطيني كافة عاصمة أبدية لدولة فلسطين".

يؤكد عفيفي أن "هذا القرار بحماقته جاء في وقت صارت فيه القضية الفلسطينية ثانوية في العديد من الدول العربية. لكن هذا القرار رغم خطورته، فقد أعاد رص الصفوف الفلسطينية وتوحيد الصف الفلسطيني بمكوناته كافة خلف القضية الأم وهي فلسطين. واليوم يشهد العالم مسيرات وتظاهرات تندد بالقرار في دول عربية وآسيوية وأوروبية، إضافة إلى مخيمات الشتات، ما أعاد للقضية الفلسطينية بريقها لتتصدر نشرات الأخبار والاهتمام العربي والدولي". يضيف: "سارت الرياح بما لا تشتهي سفن ترامب الذي لم يكن يتوقع مثل هذه الحالة الجماهيريّة. نحن كشباب فلسطينيين نؤكد ضرورة مواجهة هذا القرار من خلال توحيد الجهود، وإنهاء الانقسام بين أطياف الشعب الفلسطيني المختلفة، والتمسك بمطلبنا بأن القدس الموحدة هي عاصمة دولة فلسطين".

إلى ذلك، تسأل الكاتبة والروائية الفلسطينية وداد طه، وهي ابنة قرية ميعار قضاء مدينة عكا: "هل كان ترامب ليجرؤ على إعلان كهذا لو كان واقع ساسة العرب مختلفاً؟ إعلانه تتويج لمائة عام من تخاذل السياسيين العرب وعدم اتخاذهم موقفا واحدا مشرفا ومحقا بحق فلسطين، وهو نتيجة تتماشى مع طبيعته الاستفزازية المتعالية وطبيعة سياسة بلاده حيال قضايا تمس مصيرنا ووجودنا كعرب ومسلمين وفلسطينيين. أعني لم يكن جديداً علينا تجريدنا من حقنا وسلبنا أرضنا وتخاذل القادة عن إعلان مواقف صلبة تنذر عدونا وتردعه". تتابع: "رغم ذلك، فإعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل غباء، وهو كمن كذب كذبة وصدقها. بالنسبة إلينا، نحن الفلسطينيين، هناك فلسطين وعاصمتها القدس. كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين وستبقى أبداً فلسطين وعاصمتها القدس. لينقل ترامب سفارة بلاده، وإن نقلها فذلك لن يغير في حقيقة التاريخ شيئاً. إصراره على هذه الخطوة اعتراف ضمني بأحقيتنا. لولا ذلك، لما احتاج الكيان الغاصب إلى إذن أو تصريح من شرطي العالم، أي أميركا، كي يقنع نفسه بأنه دولة ولها عاصمة".