القدس.. ثم ماذا؟

10 ديسمبر 2017
ستكون حفلة بكاء كبيرة، وسنندبُ حظَّنا كما نفعل كلّ مرّة تداس فيه هويتنا، وتنتهك فيه قداسة أمتنا، والتي هي بالضّرورة قداستنا، وسيخرج الإعلاميون على القنوات يندّدون ويصرخون، وسيشاركهم المحللون السياسيون صراخهم، وسيطلع المشايخ على المنابر، وقد اختاروا كلّ منمّق من الكلم، وكل مؤثّر من اللغة والأمثال والآيات والأحاديث كي يبكونا ويحزنونا، نحن الذين لم نتقن إلاَّ البكاء والحزن. ونحن سنخرجُ إلى الشَّوارع، غاضبين مشعلين النّار في العلمين، الأميركي والإسرائيلي، وسنرفع علم فلسطين عاليًا، وسأكون على الرغم من انتقادي حاضرًا كعادتي في هذا كله، لأنَّها فلسطين، وما أدراكَ ما فلسطين؟ ثمَّ ماذا؟
أيّها الإعلاميّ والمحلل السياسي والخبير العسكريّ، نعلم أنّ ما جرى تواطؤ وصفقات مع حكام لنا يخدمون العدو نهارا جهارا، ومنها ما كانَ ليلا والجميع نيام، أو يمارسون ما تفرضه الظلمة من أمور عدَّة، وليس منذ قرار ترامب الذي ضرب عرض الحائط كل القوانين والاتفاقيات الدولية، وأعلنها مدويّة لا مبالية بنا جميعا فقط، بأن القدس وببساطة عاصمة رسميَّة لإسرائيل، ستصرخ، وستقيم الدنيا بتحليلات نعرفها من قبل، هي نفسها، والتي نسمعها في كل يومٍ، أو بالأحرى في كلّ مناسبةٍ تخص القضيَّة الشريفة، القضيَّة التي تؤرق كل حرّ وكلّ إنسان. نعم أنا معك، أنصت إليك، أغضب معك وأوافقك التحليل لكن أخبرني، بعد ذلك.
ثمّ ماذا؟
أيّها الشيخ الجليل، أنت، نعم أنت، أنت الذي تطلع علينا في كلّ جمعة منبر رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، ولم يستجب الله لدعائك بعد، وأنت تدعوه: اللهم دمرهم تدميرا، ألا ترى أنَّنا وحدنا من نُدمّر، وأن القدس قد أعلنت عاصمة رسمية لإسرائيل، وعلى الرغم من أنوفنا جميعا، نعم أقصدنا نحن الذين طالما أمَّنا دعاءك، نحن أنباء العزيزين والأكرمين، وربّما ذرفنا بعض دمع الحسرة، وزفرنا بعض الآهات، هل تعلم أنَّها ورسميا صارت عاصمةً لإسرائيل؟
أنا متأكد أنَّك ستعيد الخطاب نفسه، ستذكرنا بالأيام الخوالي، أيام عمر رضي الله عنه، وصلاح الدين الأيوبي، وكيف حافظوا على الأمانة، وحرّروا بيت المقدس، وكيف اليوم نحن لم نفعل ما فعلوا، أعرف كل ما ستخبرنا به، وأعرف أنّك تدعو في الصلاة، وتدعوه جلّ في علاه، على الرغم من أنّنا لم نتخذ سببا واحدا كي يستجيب لنا، ولم نضحّ بما يجب كي يفعل ذلكَ. لكن بربّك، أرجوكَ أخبرني بعد هذا: ماذا سيكونُ؟
أيَّها الإخوة الأعزاء، أدركُ جيّدَا حجم الغضب الذي ينهش عقولكم وقلوبكم. ولهذا، ستنظمون مسيرة ترفعون فيها الأعلام، أعلام القدس، وتحرقون أعلام العدو الصهيونيّ، وتقولونها عاليا، إنَّ القدس عاصمة لفلسطينَ، وإنَّكم تضربون بقرار ترامب الأرض، وتدوسون عليه، كما تفعلون مع العلم الأزرق بنعالكم التي تطأون بها الأرض، وربّما تمزّقت من طول المشي والتنديد. أعلم جيدا أنكم تقلبون صور حساباتكم على "فيسبوك"، تجملونها بعلم العزيزة فلسطينَ، وربما تجمعون لايكات كثيرة على فعلكم النبيل هذا، أنتم الذين ما ملكتم إلا قلوبكم، لتحاولوا التعبير بها، والغضب بها والثورة بها. لكن بربكم أخبروني، ثمَّ ماذا بعدَ هذا، أريدُ إجابة أتفاءل بها على الأقل، أعيش على أملها، وأحاول ألا أحزن الدّهر كلّهُ، وربما مت كمدا.
ثمَّ ماذا؟
وأنت الذي تقرأ هذا النَّص الآن، أعرف جيدا أنك تسيحُ غضبا، تحمرّ عيناكَ وتنتفخ أوداجك، وأنت تشعل سيجارتكَ، تقحمها فمك وتضغط على الحروف بلوحة المفاتيح، تحاول قول شيء، هل عندك ما تقول فعلاً، أم أنّك لم تجد نفسك بعد، وسط هذا الكمّ الهائل من الخيبة والتعاسة والألم، فهل تعلم أنّها ورسميا، وعلى الرغم من أنفك، أنت الذي منذ مائة عام على وعد بلفور المشؤوم تكتب وتقرأ، هل تعلم أنها صارت عاصمةً رسمية لإسرائيل، أرجوك بعد أن تنهي ما كتبته أن تخبرني ماذا بعد هذا؟
ثمّ ماذا؟
FF16ED2A-5902-4E1D-B5E1-C2F0741FE2B2
جهاد زهري (الجزائر)