قراءة أوروبية في قرار ترامب حول القدس: كسر "المحرمات" واستفز جميع المسلمين

08 ديسمبر 2017
الصورة
يحاول ترامب أن يكون ما لم يكنه الرؤساء السابقون(Getty)
أجج الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بؤرة جديدة من النار الملتهبة في شرق أوسط مضطرب أساسًا، باعترافه أخيرًا بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهذا ما اعتبره الكثير من الخبراء في الشؤون الاستراتيجية الأوروبية نقطة تحول في سياسة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط. ويعلل هؤلاء ذلك بأن وضع القدس من أصعب المسائل التي تقف في طريق التوصل إلى تسوية سلمية بين الإسرائيليين والعرب، إلى جانب مسألة حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى بيوتهم، مع الوضع السياسي المعقد أساسًا منذ عقود من الزمن.


إلى ذلك، يؤكد الخبراء أن ترامب، وبقراره هذا، أراد خلق حقائق جديدة لصالح إسرائيل، مع مخطط نقله للسفارة الأميركية إلى القدس. وهذا إن دل على شيء؛ فليس على الغباء السياسي وحسب، بل على نتائج عكسية ستلحق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، إذ يهدد، بشكل كبير، استراتيجيته الخاصة بالشرق الأوسط التي ترتكز، وقبل كل شيء، على احتواء نفوذ إيران، وفي سبيلها تعمل واشنطن، وراء الكواليس، لإقامة محور للتعاون السياسي والاستخباراتي مع عدد من دول المنطقة لموازنة التحالف الروسي الإيراني، وهو ما من شأنه أن يقوّض تلك الجهود؛ لأنه لن تكون هناك دولة عربية تستطيع أن تبرر لشعبها خسارة القدس كمركز للعالم الإسلامي، ولا يمكن لأي مسؤول أن يتخلى عن المطالبة بالقدس عاصمة لفلسطين أو أن يعارض موجات الاحتجاج.

وفي السياق نفسه، يلفت خبراء أمنيون أوروبيون إلى أن ما قام به ترامب كان بمثابة إطلاق فتيل لقنبلة شديدة الانفجار، والآن بات من الواضح أن عملية التفاوض بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي غير ممكنة في المدى المنظور. وعلى أية حال، فإن الحكمة والحذر ليستا جزءًا من الخصائص المعروفة في الرئيس الأميركي؛ فالتهوّر، جنبًا إلى جنب مع العجرفة، لا ينبغي لهما إلا أن يأتيا دائمًا بنتائج مدمرة. كل ما فعله المتهور ترامب هو تنازل لكثير من الناخبين اليهود في أميركا، والقرار لن يعزز سوى التطرف، علمًا بأن الاعتراف الذي قطعه ترامب ما زال موضع تشكيك من قبل محامين دوليين.

ويركز المحللون على ما جاء على لسان الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، الذي اعتبر أن تصرف ترامب سيؤدي إلى تغيير جوهري في السياسة الأميركية، والتي استمرت لعقود في منطقة الشرق الأوسط، متوقفين عند تجاهل ترامب لكل الدعوات والنصائح المطالبة بتجميد خطوته تلك. إلا أن الأخير يريد أن يكون فقط الرئيس الذي لم يكنه الآخرون، لذلك فهو لم يتريث حتى في هذا الإعلان السياسي، والأهم أنه كان يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية دبلوماسية شاملة منسقة مع الشركاء الإقليميين؛ وهذا ما عبّر عنه صراحة رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي.

إلى ذلك، قال الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط، مايكل لوديرز، في حديث لمجموعة "فونكه" الإعلامية الألمانية، إن القرار لن يؤدي إلا إلى زيادة أعمال العنف، وهو خاطىء تمامًا مثل التوجه أو على الأقل التفكير بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وإن كلا الإجراءين لن يساعد على تهدئة الصراعات المتصاعدة في المنطقة؛ بل سيواصل صب الزيت على النار، والقرار "كسر المحرمات وهو عمل استفزازي لجميع المسلمين".

وعن تفسيره للأسباب التي دفعت ترامب لاتخاذ قرار كهذا، رأى الخبير ذاته أن ترامب اتّخذه، لا محالة، تحت الضغط الداخلي الأميركي، مذكّرًا في هذا السياق أن "من خاض الحملات الانتخابية لترامب هو الملياردير اليهودي شيلدون إيدلسون، ودعمه بأكثر من 100 مليون دولار، وهمه استرضاء أمثال هؤلاء". وتابع أن "الرئيس الأميركي سلّم السياسة الخارجية خلال الأشهر الماضية إلى صهره جاريد كوشنير، وهذا الأمر مثير للاهتمام، فقد وضع الأخير فريقًا من أربعة أشخاص، من بينهم ثلاثة من اليهود الأرثوذكس، والسفير الأميركي لدى إسرائيل، دافيد فريدمان، وهو صديق مقرب من حركة المستوطنين، وبهذا القرار أصبحت عملية السلام أكثر من مجرد مهزلة، واستبعدت واشنطن دورها كوسيط في الصراع في الشرق الأوسط".

وأوضح قائلًا: "لنكن واقعيين، فإن المستوطنات الإسرائيلية الضخمة خلقت حقائق تجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية، والفلسطيني أمام واقع الفتات الذي يحاول المجتمع الدولي تقديمه له، وهذا بالطبع سيرتب عواقب وخيمة على الاتحاد الأوروبي، الرافض لهذا القرار، وهو ما عبّرت عنه ألمانيا، أمس الخميس، على لسان المستشارة أنغيلا ميركل".

وطالب لودرز الاتحاد بالاستعجال لفرض حلول بديلة، في ظل الوضع المتأزم أساسًا في المنطقة برمتها. ووصف القرار بـ"القاتل" للمنطقة، وحتى للإسرائليين أنفسهم.