سورية: تظاهرات دعم القدس تحضر في مناطق المعارضة حصراً

10 ديسمبر 2017
الصورة
من تظاهرات المعارضة يوم الجمعة (عامر السيد علي)


في وقتٍ شهد فيه كثيرٌ من الدول العربية والإسلامية المستقرة في "يوم جمعة الغضب للقدس المحتلة"، تظاهرات ووقفاتٍ احتجاجية ضد اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالمدينة عاصمة لإسرائيل، سُجّل في مناطق سورية عدة خروج تظاهرات وتنظيم وقفات احتجاجية على قرار واشنطن، لكن في أقل المناطق أمناً، وأكثرها تعباً من القصف وسوء الوضع المعيشي والحصار والجوع. غير أن اللافت هو غياب الحراك الجماهيري ضمن مناطق سيطرة النظام، الذي صدّر منذ عقود صورة تزعمه "محور المقاومة العربية للكيان الصهيوني"، على الرغم من رفضه رسمياً قرار ترامب.

في مناطق بعيدة نحو 15 كيلومتراً فقط عن قرية الزرزور (ناحية التمانعة - جنوب محافظة إدلب) التي قُتل فيها خمسة مدنيين بغارةٍ للطيران الحربي يوم الجمعة الماضي، خرجت تظاهرات، ونُظّمت وقفات احتجاجية، رفعت لافتات تُعبّر عن رفضها قرار ترامب، مؤكدة أن "القدس عربية.. وعاصمة لفلسطين". ونُظمت التظاهرات والوقفات الاحتجاجية في بلداتٍ وقرى عدة بمحافظة إدلب شمال غربي سورية، أكبرها في بلدة حيش، البعيدة نحو 13 كيلومتراً عن قرية الزرزور. وفي قرية عطاء، ضمن مخيمات أطمة شمالي إدلب، التي تؤوي آلاف النازحين والمشردين من بلداتهم وقراهم بالشمال السوري، نتيجة قصف طيران النظام وروسيا، نُظمت تظاهرة ووقفة احتجاجية، رفعت لافتاتٍ رافضة للقرار الأميركي. كذلك عبّر بعضها عن غضب سكان المخيم، ممن "ادّعى نصرة القدس، وجاء لمحاربتهم في سورية"، مثل "أين أنت من القدس يا فيلق القدس؟". كذلك خرجت تظاهرات أخرى في بلدة دركوش، وقبل ذلك في مدينة معرة النعمان، تضامناً مع القدس والقضية الفلسطينية.

ولم تقتصر فعاليات مماثلة في مناطق المعارضة السورية على محافظة إدلب فحسب، فغير بعيدٍ عنها شهدت قرية الهوتة بريف حلب الغربي تظاهرة احتجاجية على القرار الأميركي، عبّر مئات المشاركين فيها عن تضامنهم مع المقدسيين وعموم الفلسطينيين في حراكهم ضد سلطات الاحتلال الإسرائيلي. كذلك وصلت التظاهرات إلى مناطق سيطرة المعارضة في ريف حماة الشمالي، وحمل المتظاهرون في مدينة مورك لافتاتٍ، تضامناً مع القدس، مثل "سلامٌ للقدس لمدينةٍ خلقت للسلام، ولم تر يوماً سلام"، و"لا يشتري القدس من باع العراق وسورية".

وفيما خرج مئاتُ السوريين بمناطق جنوب دمشق، في يلدا وببيلا تحديداً، في تظاهراتٍ مماثلة، فقد سُجل يوم الجمعة تنظيم وقفات احتجاجية في نقاط بالغوطة الشرقية المحاصرة أبرزها زملكا، وذلك غير بعيدٍ عن نقاطٍ يقصفها النظام السوري بالتزامن بالمدفعية؛ في وقتٍ كان ناشطون معارضون للنظام السوري في حي جوبر الواقع وسط جبهةٍ مشتعلة قد نظموا أيضاً وقفة احتجاجية، رفعوا فيها لافتاتٍ مثل "ترامب يسرق أموال العرب ويبيع مقدساتهم"، و"لا أمل في الحكام، لكن الأمل بانتفاضة عربية".



وفي محافظة درعا جنوبي سورية، نظم "مجلس حوران الثوري" مظاهرةً احتجاجية، عبر المشاركون فيها عن تضامنهم مع سكان الغوطة الشرقية المحاصرة، ومع مدينة القدس، وهتفوا "يا غوطة حوران معاكي للموت" و"يا قدس حوران معاكي للموت".

معظم التظاهرات التي سجّلت في مناطق المعارضة السورية، في إدلب وحلب وحماة وجنوب دمشق والغوطة الشرقية ودرعا وغيرها، كانت مُنظمة مُسبقاً من قبل ناشطين محليين، اتضح أنهم أعدوا لها، من خلال تخطيط اللافتات التي رُفعت فيها، ومن تنظيم الكلمات التي ألقيت في بعض التظاهرات، أو الأنشطة المرافقة لها، وهو ما عكس صورة أن ناشطي وسكان هذه المناطق التي بمعظمها غير آمنةٍ من القصف والغارات، أو تعاني الحصار منذ سنوات، أو أنها على أفضل تقدير تعيش ظروفاً اقتصادية متردية، وعلى الرغم من كل هذه الظروف نظموا تظاهراتٍ تضامنية مع القدس، كتعبير عن أن القضية الفلسطينية لم تغب عن وجدانهم على الرغم من كل ما يعانوه. واللافت في يوم الجمعة في سورية، وفيما كانت عواصم ومدن عربية وغربية تشهد تظاهراتٍ احتجاجية على القرار الأميركي، وتضامناً مع القضية الفلسطينية، هو أن التظاهرات اقتصرت على مناطق سيطرة المعارضة، وغابت في مناطق خاضعة لسيطرة "حزب الاتحاد الديمقراطي" الكردي"، وكذلك في مناطق سيطرة النظام.

وباستثناءاتٍ لا تذكر، فقد غابت قضية القدس والقضية الفلسطينية عموماً، يوم أمس الجمعة، في دمشق واللاذقية وطرطوس، ومدن حمص وحماة وحلب وغيرها. ولعل أبرز الاستثناءات هي الكلمات التي ألقيت من قبل شخصياتٍ فلسطينية، عبرت عن رفضها قرار واشنطن الأخير حول القدس، وذلك داخل صالة الجلاء الرياضية بمنطقة المزة في دمشق.



ولكن الكلمات التي عبرت عن رفضها اعتبار القدس عاصمة للاحتلال الاسرائيلي، لم تأتِ ضمن فعاليةٍ نُظمت خصيصاً للتعبير عن السخط من القرار الأميركي؛ إذ جاءت في مهرجان مبرمج مسبقاً، للاحتفال بـ"العيد الذهبي لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".

وأثار عدم تنظيم سلطات النظام السوري، الذي اتخذ من القضية الفلسطينية حاملاً لقيمه السياسية المبدئية منذ عقود، تساؤلاتٍ كثيرة، إذ، على الرغم من رفض دمشق رسمياً القرار الأميركي الجديد حول القدس، وتخصيص وسائل إعلامها الرسمية وقتاً ومساحة لتغطية التظاهرات التي شهدتها مدنٌ كثيرة حول العالم رفضاً للقرار، فإن قيادات النظام لم تُنظم الجمعة، بالتزامن مع حملة الغضب الشعبية الواسعة من القرار الأميركي، أي فعالياتٍ أو أنشطة احتجاجية.

وبعيداً عن التفسيرات المؤامراتية، لغياب الشارع في مناطق سيطرة النظام عن قضية القدس، وهو شارعٌ بطبيعة الحال مُتحكمٌ فيه بشكل مطلق من قبل سلطات أمن دمشق، وفيما لا يمكن الجزم بالسبب تماماً حتى الآن، فقد ذهبت بعض التفسيرات إلى أن تكون العوامل التنظيمية سبباً لذلك، أو أنه يجرى تنظيم وقفاتٍ احتجاجية قد تشهدها الأيام المقبلة في غير يوم عطلة؛ إذ من المعلوم أن النظام يدفع موظفي الدولة وطلاب المدارس والجامعات عادة إلى الخروج في مسيراتٍ تخدم أهدافه السياسية.

ويتفق مع هذا الرأي إلى حد ما الباحث السوري سقراط العلو، الذي يرى أن "النظام قد يكون حالياً بمرحلة الترتيب لتنظيم تظاهرات، وربما التعليمات والعوامل البيروقراطية هي سبب غياب الاحتجاجات في الشارع على القرار الأميركي في مناطق سيطرة النظام. ولا أجزم بذلك"، مضيفاً في حديثٍ لـ"العربي الجديد" أن "من المعروف أنه لا يمكن لأي نشاط عفوي أن يُنظم في مناطق سيطرة النظام، وربما يتم تنظيم وقفات احتجاجية مع بدء الدوام في دوائر الدولة والمدارس والجامعات اليوم الأحد".

لكن العلو توقف بدوره عند "غياب شارع من يسمي نفسه محور المقاومة والممانعة عن التظاهر احتجاجاً، فقد غاب الشارع الذي يتحكم فيه النظام السوري"، مؤكداً أن "التظاهرات الشعبية لجمهور الثورة السورية، التي خرجت في مناطق سيطرة المعارضة، عرّت تماماً دعاية محور النظام بأن الربيع العربي مؤامرة لحرف نظر الجماهير عن القضية الفلسطينية".