التزاماً بـ"توجيهات عليا"... خطبة الحرم المكي تتجاهل القدس وتمدح "ولي الأمر"

09 ديسمبر 2017
الصورة
خطبة الحرم المكي تجاهلت "ثالث الحرمين" (بندر الدندني/فرانس برس)
بعد البيان الباهت الذي أصدرته المؤسسة الدينية في السعودية، ممثّلة بهيئة كبار العلماء، والذي بدا وكأنّه تبرئة لذمّة العائلة الحاكمة في السعودية من التزاماتها الجوهريّة تجاه قضيّة القدس اليوم، سار خطيب الحرم المكي الشريف على المنوال ذاته، متجاهلًا على منبر خطبة الجمعة القضيّة التي صدحت بها معظم المنابر في العالمين العربي والإسلامي بالأمس. انصرف خطيب الحرم، الذي يؤمّه ملايين المسلمين عبر العالم، عن القضية المركزيّة التي تمثّل اليوم الهمّ الجمعي لهؤلاء، لصالح مواضيع مثل صلة الرحم وبر الوالدين، دون أن يكون للقدس في خطبته نصيب، إلا في سياق مديح الحاكم. 

لم تحضر القدس في الخطبة ذات الثلاثين دقيقة سوى في كلام مقتضب، حمل في مطلعه حديثًا عن "الوفاء للوطن"، في رسالة مبطنة تبدو ذات دلالة لجهة ما تتعرّض له المملكة من انتقادات حيال القضية من جهة؛ ولجهة الالتزام بما يصدر عن "وليّ الأمر" من توجيهات في هذا السياق من جهة أخرى.

ومن هنا، استطرد الخطيب ليطالب بعدها بـ"طاعة ولاة الأمر" و"الوفاء ببيعتهم" و"التعاون معهم"، وأن ذلك يعد في صميم الدين. ثم عرّج إلى الدعاء لـ"خادم الحرمين" وملوك المملكة السابقين، وكيل المديح لهم، واسترسل في إبراز دورهم ودور المملكة التاريخي في مساندة القدس والوقوف بجانبها وعدم تقصيرهم حيالها، ممعنًا في الماضي، ومتجاهلًا واقع المدينة الآني المرير.

بيد أن الخطبة خلت من رسالة مؤازرة حقيقية للقدس، أو انتقاد لخطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاعتراف بها عاصمة للكيان المحتل، أو إبراز مخطط تهويدها، ما فُسر بأنه مواكبة للدولة في تنصّلها من قضيّة فلسطين، بل ولعب أدوار ضدّها وراء الستار، في سياق ما يسمّى بـ"صفقة القرن". بذلك، تكون هذه الخطبة قد تنافت، للمرة الأولى تاريخيًا، مع الخطب السابقة، والتي تضمّنت دفاعًا عن الأقصى في مثل هذا المقام، والدعاء للمقاومة، والتأييد الصريح للانتفاضات السابقة، وإن كان منسوب ذلك شحيحًا بعض الشيء.

لم تتضمّن خطب اليوم، كسابق عهدها، أي دعوة للتكاتف بين الدول العربية، أو إلى مقاطعة الدول المعترفة بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي المحتل. ولعلّ ما يمكن استخلاصه من هذه المقارنة، في الواقع، هو أن الخطباء كرسوا، بأوامر "عليا" على الأغلب، مفهومًا جديدًا يتمثل بعدم التطرق لما يحدق بالأمة وما يحيق بها من تهديدات، وحصر خطبهم في نطاق ضيق لا يخرج عن أمور دينية بحتة.

عطفًا على ذلك، فقد علم "العربي الجديد" أن توجيهات من جهات عليا قد صدرت بعدم الحديث عن القدس، دفاعًا عنها، بالنظر إلى ما قد يحقّقه ذلك من "تغذية للنفوس" تجاه القضية، وإلى تداعياته التي قد تسهم في تأجيج الرأي العام، على نقيض ما ترومه الحكومة من سياسة الانكفاء التي تتخذها إزاء القدس. وفي حقيقة الأمر، فإن الوقوف على الحياد بهذه الصورة لدولة في مكانة وحجم المملكة، عربيًا وإسلاميًا، لا يفسّر إلّا بتأييدها الخفي لما يقوم به ترامب وإسرائيل، ترسيخًا لسياسة التبعية التي تظنّ أنّها السبيل لها لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها.

وأشارت مصادر إلى أن وزارة الشوون الإسلامية قد أصدرت تعميمًا لجميع الجوامع بذكر مناقب السعودية تاريخيًا تجاه القدس، ودور ملوكها في نصرتها، وعدم التهاون مع الخطباء في حال تجاهلهم تلك الأوامر.