مفارقة... ترامب يحقق المصالحة الفلسطينية

11 ديسمبر 2017
الصورة
لعل من بين النتائج الجانبية الإيجابية القليلة، الناجمة عن قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها، ترفّع الفلسطينيين عن خلافاتهم المستعصية حول مسائل صغيرة ومتفرّقة، بما في ذلك المصالحة، وتوحدهم حول قضيةٍ مركزية كبرى، أرجح وزناً من كل ما شتّت شملهم من مسائل إشكالية في السنوات العشر الماضية، وأضر بقضيتهم الوطنية ضرراً جسيماً، وهي معركة الدفاع عن عروبة بيت المقدس، وعن هوية المدينة الفلسطينية الأولى، المقدّر لها أن تكون عاصمة الدولة المستقلة لما تبقّى من فلسطين التاريخية.
بين ما يمكن رؤيته رؤية العين المجرّدة من هذه النتائج الجانبية المتفرّقة، غياب الرايات الفصائلية متعدّدة الألوان عن المظاهرات والمسيرات والتحركات الرافضة قرار ترامب، لصالح راية وطنية جامعة، هي الراية الفلسطينية، وكذلك توقف لغة الاتهامات والملامة المتبادلة، وشيوع مظاهر المقاومة الشعبية، وانتشار روح التحدّي المشترك بين مختلف القطاعات الأهلية والرسمية، إزاء الخطر الداهم على القدس في هذه المرحلة، ناهيك عن التداعي للاصطفاف الواسع وراء هدف الرد على مؤامرة تهويد القدس، وتحويلها عاصمةً أبدية إسرائيلية موحدة.
غير أن أهم هذه النتائج على الإطلاق، حتى لا نقول المفارقات الفارقة، تمثل في تكوين قوة دفعٍ مفاجئة، لا يمكن كبحها، وقفت على الفور خلف الجهود المبذولة منذ أشهر لتحقيق المصالحة بين حركتي فتح وحماس، وتذليل العقبات التي حالت دون إتمامها أكثر من مرة، الأمر الذي بدا معه القرار الأميركي الشائن كأنه خشبة خلاص تعلق بها الغرقى في اللحظة الأخيرة، بعد طول انتظار، أو قل المنصة التي انتقل هؤلاء وأولئك، من على متنها الضيق، إلى مركب الوحدة الوطنية الواسع، طوعاً وكراهية، في مشهدٍ كان يمكن شكر ترامب عليه، لولا أن الموقف لا يحتمل الدعابة.
صحيح أن اجتماعات القاهرة حققت بعض التقدم على طريق إنهاء الانقسام المرير، وفتحت باباً أوسع من أي باب تم فتحه في السابق، وأن جدولاً زمنياً متفقاً عليه قد حدّد مواقيت متدرّجة 
للانتقال من خطوةٍ إلى أخرى لإتمام هذه العملية، إلا أنه كلما كان يتم تحقيق خطوة معتبرة، كانت تحدث خلافاتٌ مفاجئة، ويجري تبادلٌ للاتهامات السقيمة، الأمر الذي كان يبدّد جرعة التفاؤل المحدودة، ويحول دون استمرار المضي على الطريق الإجباري لكلا طرفي الانقسام، اللذين كابرا طويلاً، وتعبا كثيراً من مواصلة قذف كرة المسؤولية بين بعضهما بعضاً.
وليس من شك في أن عملية المصالحة كانت قد بلغت نقطة اللاعودة، عندما حلت حركة حماس لجنتها الإدارية (الحكومة الموازية) وقرّرت التخلص من عبء تكاليف إدارة قطاع غزة، ولا ريب أن التحولات الجارية تباعاً في المحيط المجاور قد أملت منطقها على الطرفين، للتخلص من أوهامٍ كثيرة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، غير أن العنعنات القديمة، والحسابات الجزئية الصغيرة، بدت قادرةً، في بعض الأحيان، على إيقاف العجلة عن الدوران، تماماً عندما استحكم الخلاف حول مفهوم تمكين حكومة الوفاق الوطني من الأمن والإدارة في غزة.
ولولا ضغوط إقليمية ثقيلة، وفي القلب منها الضغوط المصرية، لكان طرح موضوع سلاح المقاومة للنقاش العلني، على نحو ما كان مثاراً في الأيام الأخيرة، كفيل بتقويض كل ما تم تحقيقه من خطواتٍ أولية، ومن ثمة العودة إلى المربع رقم واحد، وهو ما يشير إلى خطورة مثل هذا اللغم وغيره من الألغام الكامنة على طريق المصالحة، سواء تعلق الأمر بتمكين الحكومة، أو اتصل بمسألة رواتب موظفي حركة حماس، فضلاً عن التفاصيل الخلافية، التي لا حصر لها، كلما كان ينهي المتحاورون جولة اجتماعاتٍ لهم بالقبلات والمصافحات الحارة.
على أي حال، جاء قرار الرئيس الأميركي الاستفزازي، ومن دون أن يقصد، ليضع حداً للجدل المثار حول كل واحدٍ من بنود المصالحة، وينقل الجميع من حالة التربص إلى حالةٍ غير مسبوقة من الاتحاد في وجه العاصفة، إلى الحد الذي قال فيه المتفاوضون، بنبرة تنم عن الرضا؛ إن كل العقبات قد أزيلت عن الطريق، وإن الجدول الموضوع لإنجاز كل مرحلة بعينها، سوف يتم الالتزام به، وإن هناك حلولاً تم التوصل إليها حيال ما بدا أنه عقدة العقد، حتى لا نقول مربط الفرس في الاتفاق المنشود، ونعني به تمويل رواتب نحو 43 ألف موظف في غزة.
وهكذا، بدت هبة الغضب الفلسطيني الشامل التي تسبب بها قرار ترامب، وما واكبها من تفاعلاتٍ سياسيةٍ صاخبة، وفق ما عبرت عنه المواقف والبيانات والتحرّكات الرسمية 
والجماهيرية التي بلغت إحدى ذراها في أيام الغضب، بدت هذه الموجة الكاسحة أكبر من كل الخلافات المقيمة، وأشد من كل العوائق القائمة على طريق إنهاء الانقسام، حين بدا للجميع أن مدينة القدس، بكل أهميتها التاريخية، ودلالتها الرمزية، ومكانتها الدينية، أعلى قيمة وأكبر وزناً من أي خلاف سياسي لا طائل من ورائه، حتى وإن كان صراعاً على سلطةٍ غير حقيقية.
وعليه، لم يعد في وسع أحد من المتبارين حول أيهم أجدر بالأحقية والشرعية والمظلومية، أن يواصل هذا السجال العقيم، في وقتٍ تحتل فيه مدينة القدس مقدمة جدول الاهتمامات الفلسطينية والعربية، وتصبح كما لم تكن عليه في أي وقتٍ مضى، قضية دولية تحبس الأنفاس، بحسب ما أتت عليه مواقف مختلف الدول الرافضة قرار دونالد ترامب المتهور والمندّدة به، وإلا لأصبح المتشبثون بالانقسام موضع سخرية ومحل استهانةٍ من جانب الفلسطينيين أنفسهم، قبل أن يكونوا موضع استخفافٍ شديد من جانب الأشقاء والأصدقاء جميعاً.
لا تعني هذه المقاربة المفعمة بالتفاؤل أن العقبات الواقفة على طريق إنهاء الانقسام قد تلاشت من تلقاء نفسها، بمجرد أن تقدمت قضية القدس على ما عداها من قضايا خلافية، وليس هناك من ضماناتٍ يمكن التعويل عليها لوضع كل الأمور في نصابها، باعتبار أن الانقسام باتت له ركائز قوية، بعضها مستتر في الصدور، وبعضها الآخر راسخٌ على الأرض، حيث عملت نحو عشر سنواتٍ كالحات على تعميق مظاهر هذه الحالة الشاذّة، وتكوين مصالح فئوية متناقضة، بدا بعضهم مستقتلاً في الدفاع عنها بكل وسيلةٍ مواربةٍ وحجة مصطنعة.
خلاصة القول؛ لقد أدى قرار دونالد ترامب الأحمق، من بين ما أدى إليه من نتائج سلبية، وأخرى إيجابية قليلة غير مقصودة، إلى كنس الحجارة الصغيرة عن طريق المصالحة الفلسطينية، ودفع المنقسمين على أنفسهم إلى الكفّ عن التذرع بالمسوغات التافهة، والتعلل بكل ما يدعوهم إلى التمسك بحالةٍ كانت تبيض الذهب في حجر الاحتلال، وتعزّز خطابه كلما كانت تلوح في الأفق ملامح مبادرة دبلوماسية لإحياء عملية السلام السياسية الميتة.