Skip to main content
ندوة طلابية في الكويت احتجاجاً على قرار ترامب بشأن القدس
خالد الخالدي ــ الكويت
استمرت الفعاليات الاحتجاجية في الكويت، لليوم الثاني على التوالي، رفضا لقرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل.

ونظم الاتحاد الوطني لطلاب الكويت ورابطة شباب لأجل القدس ندوة جماهيرية في مسرح جامعة الكويت، حضرها عدد من نواب مجلس الأمة (البرلمان)، بالإضافة إلى نشطاء سياسيين واجتماعيين وأعضاء حركة مقاطعة اسرائيل BDS، وأفراد من الجالية الفلسطينية في البلاد، دعوا فيها الحكومات العربية إلى الضغط بشكل أسرع على الولايات المتحدة الأميركية لإلغاء هذا القرار.

وقال عضو البرلمان السابق، بدر الداهوم، خلال الندوة، إن "هذه المهرجانات هي رد واضح وصريح على صهاينة العرب، قبل صهاينة إسرائيل"، وإنه "لا زال في الأمة روح نبضها الشباب المتقد الذي يغار على أمته".

وشدد النائب الحالي في البرلمان، الحميدي السبيعي، على أن "القدس هي عاصمة للمسلمين والفلسطينيين رغم أنف الرئيس الأميركي ترامب، لأن القدس لا يمكن أن تسقط على مر العصور".

وشهدت الكويت فعاليات عدة رفضا لقرار ترامب أبرزها الاحتجاج الذي نظم أمام مقر البرلمان الكويتي، يوم الأحد، واعتصام السفارة الفلسطينية في العاصمة الكويت.

ولم تعقد جلسة البرلمان المقررة، الأحد، نصرة للقدس، وذلك بسبب غياب الحكومة استعداداً لأدائها القسم أمام أمير البلاد، لكن رئيس مجلس الأمة، مرزوق الغانم، وعد بإثارة القضية في الاتحاد البرلماني العالمي وإصدار بيان يدين خطوة ترامب.

ودعا ناشطون كويتيون إلى مظاهرة احتجاجية أمام السفارة الأميركية في البلاد، لكن وزارة الداخلية اتصلت بمنظمي المظاهرة، ودعتهم إلى إيقافها، بسبب "ورود تهديدات إرهابية للسفارة".

وقال العامل في اتحاد طلبة الكويت، أحمد الملا، لـ"العربي الجديد" إن "جهود الاتحاد الوطني وبقية الفعاليات الطلابية والعمالية والنقابية ستستمر لتنبيه الشعوب لخطر قرار الرئيس ترامب على القضية الفلسطينية ومساسه بالمقدسات الإسلامية والعربية".

مواد الملف

صورة
كاريكاتير صفعة القرن / حجاج
اعترف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقرّر تنفيذ نقل السفارة الأميركية إلى هناك. ولم يتجاوز رد الفعل العربي مجرد التململ وافتعال ظاهري للغضب، ليبدو الأمر كما لو أن قرار ترامب فاجأهم. بينما الحقيقة، حسب تصريحات أميركية رسمية، تشاور مع قادة بعض الدول العربية، وأبلغهم قراره. ما يعني، ضمنياً، أن أياً منهم لم يرفض القرار بشكل قاطع. ولا شك في أن الدول العربية التي رحبت بفوز ترامب بالرئاسة الأميركية كانت تعي جيداً، وهي تحتفي به، أن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية هناك، كان أحد أهم وعود ترامب الانتخابية. وكان لهذا الوعد دور كبير في حشد أصوات اللوبي اليهودي تأييداً لترامب، الرئيس الأميركي الوحيد الذي قدم هذا الوعد علناً، ضمن برنامجه الانتخابي، ثم فاز بالمنصب، فصار مطالباً بتنفيذ وعده.
ومما يؤكد أن القرار الأميركي ليس مفاجئاً للعرب، خصوصاً القادة والزعماء، أن دونالد ترامب ألمح إلى هذه الخطوة قبل أشهر، ويبدو أنها كانت وقتئذ محاولةً لقياس ردود الأفعال العربية المتوقعة. ثم جاء إصدار القرار في هذا التوقيت تحديداً، حيث يمر ترامب بأزمةٍ داخليةٍ قانونيةٍ وسياسيةٍ حادة، بسبب قضية اتصالات رجال حملته مع الروس في أثناء الانتخابات. ومن شأن قرار نقل السفارة، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أن يحشد مجدّداً تأييد اللوبي الإسرائيلي ودعمه ترامب في مواجهة الضغوط والتحقيقات الجارية بشأن تأثير الروس على نتائج الانتخابات. هناك أسباب أخرى مساعدة أو مشجعة، مثل الانقسام العربي وحالة التخاذل العربي الواضح تجاه الفلسطينيين بصفة خاصة، والصراع مع إسرائيل عموما. ما يعني، ببساطة، أنه لا يوجد ما يمنع واشنطن من الإقدام على خطوةٍ كهذه.
وخلاف ما يظن كثيرون، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل هو الجوهر المهم والخطير في القرار، وليس عملية نقل السفارة. فهذا الاعتراف يمثل أحد مضامين التسوية المحتملة التي يطلق عليها إعلامياً "صفقة القرن". وبهذه الخطوة، يدشن ترامب عملية طرح ملامح هذه التسوية، بدءاً بالجزء الأصعب فيها، وهو القدس. وعلى الأرجح، هناك توافق، إن لم يكن تنسيق، مسبق بين واشنطن وعواصم عربية بهذا الخصوص. فتقديم الولايات المتحدة ذلك الطرح أفضل كثيراً وأخفّ وطأة بالنسبة للحكومات العربية، من أن يتم التوصل إليه، أو طرحه لاحقاً في المفاوضات بشأن التسوية التاريخية المقترحة بين العرب وإسرائيل. فكم هو محرجٌ للغاية أن يقبله العرب طوعاً خلال المفاوضات. على خلاف أن تفرضه واشنطن أمرا واقعا، ثم يتظاهر العرب بالاعتراض عليه.
لم يعد العرب حريصين على تجميل صورة الولايات المتحدة دولة راعية لعملية التسوية. الوساطة الأميركية منتهية منذ سنوات، لم تعد واشنطن وسيطاً، وإنما طرف شريك لإسرائيل، وتدرك كل الدول العربية ذلك لكنها لا تعلنه. بينما ترامب نفسه لا تهمه المظاهر، وإنما النتائج. لذا لا يتجمل ولا يتردّد في كشف الغطاء عن حقيقة الحل الذي تريده إسرائيل، وتدعمه واشنطن. وهو استيلاء إسرائيل على الأرض والمقدسات، ثم تحصل معهما على السلام هدية مجانية.
المعضلة أن الفلسطينيين والعرب يدركون أن هذه هي الغاية النهائية لإسرائيل. وفي الماضي، كانوا ينجحون في تأجيل تنفيذها، وإعلان فشل المفاوضات. أما حالياً ومع إدارة أميركية غير سياسية، ولا تراعي الشكليات، ولا يهمها إحراج الحكومات العربية أمام شعوبها، لم يعد العرب، ولا الفلسطينيون، يملكون لا المنع ولا التأجيل. دارت عملية السلام في حلقةٍ مغلقةٍ ما يزيد عن ربع قرن، والآن تنكسر هذه الحلقة، ويتكشف أنه لا سلام حقيقيا قابل للتحقق في ظل هذه العملية. وإما القبول بتسويةٍ مجحفةٍ تتخفّى وراء واجهة بعنوان "السلام" أو إعلان الانسحاب من المسار السياسي ككل. وهو ما لا أظن أن العرب قادرون عليه، بل وربما لا يريدونه.
القسم الفرعي
عنوان طويل
هدية العرب لترامب
عنوان الموبايل
هدية العرب لترامب
الملخص
من شأن قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أن يحشد مجدّداً تأييد اللوبي الإسرائيلي ودعمه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في مواجهة الضغوط والتحقيقات الجارية بشأن تأثير الروس على نتائج الانتخابات.
الزائرين
270
تاريخ النشر
Migration
Editors
صورة
علم مصر

أشد الناس عداوة للربيع العربي على الترتيب: الكيان الصهيوني، ثم بقايا كنوزها الاستراتيجية المخلوعة، ثم امتدادات هذه الكنوز ممثلة في نظم ما بعد الانقلاب على الربيع.

لذلك لن تجد اختلافاتٍ كثيرة بين خطاب بنيامين نتنياهو، وعلاء حسني مبارك، وممثل الإمارات في اجتماع وزراء الخارجية العرب، لمناسبة مناقشة قرار الرئيس الأميركي بشأن القدس.

الأخيران ليسا مشغولين بمأساة القدس، بقدر انشغالهما بمواصلة الانتقام من الثورات التي أزعجت إسرائيل، فتسمع ثغاءً يتهم الربيع العربي بضياع القدس، ينطلق بعبارات واحدة على لسان ابن مبارك، صديق بنيامين بن أليعاذر، الذي بكى حين أسقطته يناير، والوزير الإماراتي.

كان الربيع العربي، في أحد وجوهه، تعبيراً عن أشواق الجماهير في تحطيم الجدران التي تحول بينها وبين حق الكفاح ضد الاحتلال الصهيوني للقدس، بشكل مادي مباشر، ولعواصم عربية، من خلال تثبيت أنظمة حكم تعتنق "عملية السلام" ديناً ومنهج حياة.

وعلى ذلك، كان إسقاط حسني مبارك في مصر تحرّراً من سجون "كامب ديفيد" التي حبست الفعل الجماهيري العربي من أجل القضية الفلسطينية عقودا طويلة، وتدشيناً لمرحلة جديدة بات معها التطهر من تركة التطبيع الثقيلة مطلباً للنخب الوطنية، وأتذكر في هذا السياق أني كنت مشاركاً في حوار تلفزيوني، ضم نائب رئيس الحكومة المصرية بعد ثورة يناير، علي السلمي، والباحث إبراهيم الدراوي، في ضيافة المذيعة ريم ماجد، ودار النقاش حول ما ينبغي عمله دعماً للنضال من أجل فلسطين، في أجواء شعبية ملتهبة، طهرت سماء القاهرة من علم الكيان الصهيوني، وأطلقت دعوات بالزحف إلى غزة.

فاجأني السيد علي سلمي في تلك الليلة بأنه طالب بالانعتاق من قيد كامب ديفيد، والتحرّر من تلك التي تسمى"معاهدة السلام".

صحيح أن السلمي تحول، فيما بعد، إلى أحد عساكر الثورة المضادة في 30 يونيو/ حزيران 2013 التي آلت إلى انقلاب عسكري، مخطط له ومدعوم إسرائيلياً بشتى الوسائل السياسية والمالية والاستخبارية، غير أنّ استدعاء هذه القصة مهم للدلالة على أنّ الوصول إلى لحظة الوقاحة الأميركية بمنح القدس إلى الاحتلال الإسرائيلي، ما كان ليحدث من دون إسقاط ثورة يناير المصرية، عن طريق تحالفٍ دوليٍّ، في الرأس منه واشنطن، وفي قلبه تل أبيب، وعلى أطرافه عرب يكرهون ربيع التغيير، ويحتشدون بكل إمكاناتهم للقضاء عليه.

بدأت النكبة الفلسطينية الثانية مع "كامب ديفيد"، واستفحلت مع "مدريد" و"أوسلو"، ثم كانت تلك اللحظة الساطعة في شتاء 2011 حين هبت رياح التغيير العربي، لإنهاء زمن العروش التي تفضلها إسرائيل، وكما قلت سابقاً عندما أشرقت على العرب شمس الربيع، شعر الكيان الصهيوني بالصقيع، فانطلقت حناجر فتيّةٍ تزأر بالهتاف مجدّدا لفلسطين، وانفتح كتاب الأرض والدم، وقرأ الجيل الجديد سطورا من التاريخ المطمور تحت ركام عقود من الفساد والاستبداد، واستعاد الورد ذاكرة العبير، فهبّت نسائم الشوق لتحرير الأرض المحتلة، بعد أن رأى الشباب العربي، فيما يرى الثائر، أن عملية تحرير للإنسان العربي قد تمت أو أوشكت.

كانت أعلام فلسطين، في العام 2011، حاضرةً في كل ميادين الثورات، من تونس الخضراء إلى القاهرة التي تحاول استعادة خضرتها، مرورا بصنعاء ودمشق، في كرنفال تحرير مفتوح وممتد بطول وعرض خارطة الأحلام العربية.

في تلك الأثناء، عادت القضية الأم تتبوأ مكانها ومكانتها، في قائمة اهتمامات الجيل الجديد، واستعاد صنّاع الربيع قصة الأرض، وأدركوا بالفطرة البسيطة أين يقف العدو الأصلي بعد التخلص من وكلائه، وكان هذا بالتحديد، الفارق الذي صنعته ثورات الربيع العربي، والثمرة الأولى لمحاولة تحرير المواطن العربي من احتلال دولة الاستبداد والقهر. وعلى ضوء ذلك، يمكن فهم سر هذه الهمّة الإسرائيلية في دعم واحتضان كل المشاريع العكسية المضادة للثورات العربية.. إنهم لا يريدون جيلا يتذكّر أسماء أسلافه الذين ماتوا دفاعا عن الأرض، أو يحفظ أسماء المدن وتواريخ المجازر والمذابح.

أخيراً، إذا كنت تصدق أفيخاي أدرعي، وهو يستخدم أحاديث نبي الإسلام، مهنئاً بذكرى الإسراء والمعراج، فمن الممكن أن أستوعب تصديقك دموع كنوز إسرائيل الاستراتيجية، قديمها وجديدها، على القدس.

 

القسم الفرعي
عنوان طويل
البكاء على القدس بعيون وقحة
عنوان الموبايل
البكاء على القدس
الملخص
كانت أعلام فلسطين، في العام 2011، حاضرة في كل ميادين الثورات، من تونس الخضراء إلى القاهرة التي تحاول استعادة خضرتها، مرورا بصنعاء ودمشق، في كرنفال تحرير مفتوح وممتد بطول وعرض خارطة الأحلام العربية.
الزائرين
1306
تاريخ النشر
Image caption
علم مصر الثائرة في مواجهة الاحتلال..
Migration
Editors
للوهلةِ الأولى، عشية إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قرار نقل سفارة بلاده إلى القدس، واعترافه بأن القدس عاصمة شرعية لإسرائيل، ظنّ بعضهم أن قراراً كهذا هو نسف لكل جهود السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وإسقاط لأي شرعية عن الولايات المتحدة دولة راعية للسلام. لكن هذه التكهنات سرعان ما تم إسقاطها لعدة مؤشرات، فمؤكد أنّ ظهور ترامب بموقف كهذا وإعلانه ما امتنع عنه أسلافه، هو بمثابة صناعة لحظة تاريخية فارقة لحياة رجل الأعمال والصفقات، أراد أن يثبت للعالم فيها أنه رجل المرحلة الحالية، ولا سيما لحاضنته الشعبية.
من ناحية أخرى، أراد أن يفي بوعدٍ قطعه على نفسه خلال فترته الانتخابية، وعليه لم يأتِ بجديد سوى عدم التفكير باللحظة التالية، وهي التي لا تعني شيئا لترامب، لا من قريب ولا من بعيد، كون مؤسسات صنّاع القرار هي من تتحكم بمفاصل السياسة الأميركية، وليس غريبا أن نتوقع أن وصول ترامب إلى السلطة إنما هو بغرض إطلاق لسانه بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل.
ترامب رجل المرحلة فعلاً، لكن ليس بجهده الخاص، بل أُريد له أن يكون كذلك، وظهوره أخيرا ربما يمثل إطلاقة شرعية التطبيع من السر إلى العلن بين إسرائيل وممن تُطلق عليهم إسرائيل التيار الإسلامي المعتدل (السعودية، الإمارات، مصر، البحرين). وعليه، جاء الاعتراف بأحقية سيادة دولة إسرائيل وحرية اختيار عاصمتها جاءت بمثابة اللمسات الأخيرة لجهود سابقة، كشفت عنها أخيرا وكالة رويترز، مفادها بأنّ السعودية تعمل منذ أسابيع خلف الكواليس لدفع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، لإتمام جهود السلام، وكشف مسؤولون فلسطينيون أنّ الرياض تشارك باستراتيجية أميركية واسعة لدفع عملية السلام، مضيفين أنّ محمد بن سلمان ناقش مع عباس صفقة كبرى، قد يكشف عنها ترامب وصهره كوشنير مطلع عام 2018.
وعليه، فقد تخوّف المسؤولون من أن تكون الصفقة في تأسيس كيان ذاتي فلسطيني في غزة وثلاث مناطق إدارية في الضفة الغربية مع بقاء المستوطنات الإسرائيلية مكانها وحرمان الفلسطينين من حق العودة. وإنّ صحت هذه الرواية التي يلعب بها كوشنير دورالوسيط، فإن ما كنّا نخشاه قد يحدث، وقد عزّز مصدر سعودي هذه الرواية، باعتقاده أنّ السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ستظهر نتائجه في الأسابيع المقبلة.
إزاء ذلك، يمكن فهم تصريحات ترامب عقب إعلانه، إذ قال إنه تناقش مع بعض الزعماء العرب قبل إعلان القرار، وهو ما بدا أنّ محمد بن سلمان شخصياً والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومحمد بن زايد موافقون عليه، أي الصفقة التي قد تفتح أبواب الجحيم على كامل منطقة الشرق الأوسط، ناهيكم عن أنّ ترامب لم يكن ليجرؤ على هذا الإعلان، لو أن المملكة وضعت خطاً أحمر.
علاوة على ذلك، لم تغب عن أميركا وإسرائيل تبعات القرار من احتقان للشارع العربي وتفجير انتفاضة في الأقصى واحتجاجات أخرى، تملأ العواصم العربية.
كل هذه الأمور مدروسة بدقة أمام مسيرة التطبيع العربي الإسرائيلي، ودفع العداء العربي باتجاه إيران، ولو أننا نظرنا إلى توقيت إعلان لحظة ترامب التاريخية، لرأينا أنها جاءت في توقيت يتناسب بكل المقاييس مع طموحات الاحتلال الإسرائيلي، فهذه الدول العربية أنهكتها رياح ثورات الربيع العربي، فحب الشهوة والسلطة والبقاء، ثمنها تدمير أوطانٍ بأكملها وتفكيك مكامن القوة بها.
وبلفتة سريعة، لم تعد الدول العربية تحلم بالزمن الرديء الذي تكلم عنه الراحل ياسرعرفات فحسب، بل إنّ ما يمر به الوطن العربي اليوم هو زمن الانحطاط العربي، فقد تكاتفت الدول وانقسمت على نفسها، فأصبح لدينا تيار سعودي إماراتي بحريني مصري، وآخر إيراني لبناني. وكلا التيارين ساهم في وأد أحلام وحرية شعوبهما، وغدت الحريات مجرد أحلام، وإذا ما كنا نبكي في الأمس على القدس، أصبحنا اليوم نبكي على الشام وبيروت وبغداد وصنعاء. أما القدس، فقد علمنا اليوم أنّ الدول العربية كانت تتباكى عليها ثم تاجرت بها، ثم باعتها، بأرخص الأثمان، وإن صح المقال عن دفع عملية التطبيع والسلام مع إسرائيل، فربما تكون الصفقة خذوا القدس، وأبعدوا إيران عن قصورنا، وهو ما لن يفعله ترامب، ولا صنّاع القرار في أميركا.
القسم الفرعي
عنوان طويل
ترامب والقدس والعرب
عنوان الموبايل
ترامب والقدس والعرب
الملخص
لم تعد الدول العربية تحلم بالزمن الرديء، بل إنّ ما يمر به الوطن العربي اليوم هو زمن الانحطاط العربي، فقد تكاتفت الدول وانقسمت على نفسها، فأصبح لدينا تيار سعودي إماراتي بحريني مصري، وآخر إيراني لبناني.
الزائرين
410
تاريخ النشر
Migration
Editors
صورة
كاريكاتير القدس والوضع العربي / حجاج
لم يكن مفاجئاً أن يعترف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، ومن يدّعي المفاجأة فإما أنه فاقد المنطق السياسي، أو متواطئ وراضٍ بما حدث. ولا يفيد مع ذلك البيانات والتصريحات التي خرجت على استحياء تحذّر ترامب، ويا للمفارقة، من أن خطوته سوف تكون لها عواقب وخيمة على المصالح الأميركية في المنطقة. ولم يكن لترامب أن يجرؤ على اتخاذ قرارٍ كهذا لولا قناعته بأن الساسة العرب لن يفعلوا شيئاً لوقف القرار سوى الشجب والإدانة، لحفظ ماء وجوههم أمام شعوبهم، من دون أي تحرك حقيقي لوقف القرار الكارثي.
لا يمكن لوم ترامب على ما فعل، ولا يمكن لوم إسرائيل على نشوتها وفرحتها بإنجازها غير المسبوق الذي عملت كثيراً على تحقيقه، بعدما ضمنت الصمت الرسمي العربي، فترامب لم يفعل سوى ما وعد به قاعدته الانتخابية، خصوصا من اليمين الديني الذين صوّتوا له قبل عام. وهو يدرك جيداً أن قراراً كهذا سوف يزيد من رصيده السياسي والانتخابي لدى هذه الفئات. وكان ترامب قد ألقى خطابا في الاجتماع السنوي لمنظمة إيباك، قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية العام الماضي، وتعهد فيه بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها، طمعاً في دعمهم له في الانتخابات. أي أنه أوفى بواحدٍ من وعوده الانتخابية، ولو على حساب آخرين. والآن يتباهى ترامب بأنه أول رئيس أميركي، منذ ذلك الوقت، ينفذ ذلك القرار، وهو ما يمثل رصيدا سياسيا وانتخابيا كبيرا له سوف يساعده في حملته الانتخابية المقبلة، ما لم يتم عزله قبلها.
كما يمكن القول، بثقةٍ كثيرة، إن ما حدث مجرد تحصيل حاصل، فما فعله ترامب ليس سوى تنفيذ لقرار أصدره الكونغرس الأميركي قبل عقدين (عام 1995) بشأن الاعتراف بالقدس عاصمةً لدولة إسرائيل، وذلك في خضم ما كانت تسمّى عملية السلام. ومنذئذ، لم يجرؤ رئيس أميركي على تنفيذ القرار، خوفاً من تداعياته على عملية السلام المتعثرة، وعلى المصالح الأميركية في المنطقة.
سوف يمهد قرار ترامب الطريق، بشكل كبير، لنقل مقر السفارة الأميركية من تل أبيب إلى 
القدس. حتى وإن أخذ الأمر سنتين، على نحو ما صرّح وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون. وقد أصدر الرئيس قراره هذا من دون اكتراث لتداعياته، ليس فقط على الوضع في المنطقة، وإنما أيضا على المصالح الأميركية فيها. ويبدو أنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن ضمن موافقة قادة عرب ومسلمين على ذلك، على نحو ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز قبل أيام. ولا شك في أن ترامب تواصل مع قادة وسياسيين عرب، وجسّ نبضهم بشأن قراره، وهو ما يفسر الصفقة التي يتحدثون عنها منذ فترة في الإعلامين، المحلي والدولي، والتي يبدو أنها بدأت في التنفيذ. كما لا يتوقع أن ينتفض هؤلاء رفضاً لقرار ترامب الأحمق، أو أن يراجعوه فيه، فهم شركاء في صناعته، بسبب حساباتهم التي تتعلق بمصالحهم مع واشنطن. لذا، قد يبدو بعضهم ظاهريا رافضاً قرار ترامب، لكنه في الواقع مؤيد وداعم له. لذا فما كان لترامب سوى أن يعلن أن القدس عاصمة لإسرائيل.
لم يخذلنا بعض القادة العرب بمواقفهم الضعيفة والخجولة، خصوصا من الدول الكبيرة مثل مصر والسعودية، والتي وصلت إلى مستوى جديد من الخذلان. ولو فعلوا عكس ذلك لما صدّقناهم. أما أسوأ ردود الأفعال تلك التي لا تشجب ولا تدين، وإنما تحذر من أن يستغل الراديكاليون هذه المسألة من أجل تبرير العنف، وذلك حسبما قال وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في كلمته الماسخة على هامش اجتماع وزراء الخارجية العرب في الاجتماع الذي عُقد في جامعة الدول العربية.
وليس أسوأ من قرار ترامب سوى حالة الانحطاط التي وصل إليها مثقفون عرب، الذين بدلاً من رفضهم هذا القرار ومهاجمتهم له، هاجموا الفلسطينيين وحمّلوهم مسؤولية ما حدث، وذلك تحت السردية العبثية إن الفلسطينيين هم الذين فرّطوا وباعوا أراضيهم للإسرائيليين، على نحو ما غرّد مثقف سعودي معروف على "تويتر". أو أن يخرج كاتب آخر باتهام صريح لحركات المقاومة الفلسطينية بضياع القدس، وذلك في أكبر عملية تزييف للتاريخ.
مع قرار ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وصمت العرب المشين، تبقى الميادين العربية والعالمية بمثابة الحاضنة الحقيقية للقضية الفلسطينية. ولربما لعب القرار دوراً مهماً في إعادة تركيز الإعلام الدولي على قضية فلسطين، وأراضيها المحتلة، بشكل لم يكن يتوقعه هو شخصياً، ولا حلفاؤه في المنطقة.
نحن إذا إزاء سقوط عربي جديد يكشف عن نفسه في قضيةٍ كنّا نظن أنها من أكثر القضايا العادلة نقاء، ليس فقط في منطقتنا، وإنما في العالم كله.

القسم الفرعي
عنوان طويل
"السقوط العربي" في مسألة القدس
عنوان الموبايل
القدس و"السقوط العربي"
الملخص
لا يمكن لوم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على ما فعل، ولا يمكن لوم إسرائيل على نشوتها وفرحتها بإنجازها غير المسبوق الذي عملت كثيراً على تحقيقه، بعدما ضمنت الصمت الرسمي العربي، فترامب لم يفعل سوى ما وعد به قاعدته الانتخابية.
الزائرين
1296
تاريخ النشر
Migration
Editors
صورة
كاريكاتير المصالحة / حبيب
لعل من بين النتائج الجانبية الإيجابية القليلة، الناجمة عن قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها، ترفّع الفلسطينيين عن خلافاتهم المستعصية حول مسائل صغيرة ومتفرّقة، بما في ذلك المصالحة، وتوحدهم حول قضيةٍ مركزية كبرى، أرجح وزناً من كل ما شتّت شملهم من مسائل إشكالية في السنوات العشر الماضية، وأضر بقضيتهم الوطنية ضرراً جسيماً، وهي معركة الدفاع عن عروبة بيت المقدس، وعن هوية المدينة الفلسطينية الأولى، المقدّر لها أن تكون عاصمة الدولة المستقلة لما تبقّى من فلسطين التاريخية.
بين ما يمكن رؤيته رؤية العين المجرّدة من هذه النتائج الجانبية المتفرّقة، غياب الرايات الفصائلية متعدّدة الألوان عن المظاهرات والمسيرات والتحركات الرافضة قرار ترامب، لصالح راية وطنية جامعة، هي الراية الفلسطينية، وكذلك توقف لغة الاتهامات والملامة المتبادلة، وشيوع مظاهر المقاومة الشعبية، وانتشار روح التحدّي المشترك بين مختلف القطاعات الأهلية والرسمية، إزاء الخطر الداهم على القدس في هذه المرحلة، ناهيك عن التداعي للاصطفاف الواسع وراء هدف الرد على مؤامرة تهويد القدس، وتحويلها عاصمةً أبدية إسرائيلية موحدة.
غير أن أهم هذه النتائج على الإطلاق، حتى لا نقول المفارقات الفارقة، تمثل في تكوين قوة دفعٍ مفاجئة، لا يمكن كبحها، وقفت على الفور خلف الجهود المبذولة منذ أشهر لتحقيق المصالحة بين حركتي فتح وحماس، وتذليل العقبات التي حالت دون إتمامها أكثر من مرة، الأمر الذي بدا معه القرار الأميركي الشائن كأنه خشبة خلاص تعلق بها الغرقى في اللحظة الأخيرة، بعد طول انتظار، أو قل المنصة التي انتقل هؤلاء وأولئك، من على متنها الضيق، إلى مركب الوحدة الوطنية الواسع، طوعاً وكراهية، في مشهدٍ كان يمكن شكر ترامب عليه، لولا أن الموقف لا يحتمل الدعابة.
صحيح أن اجتماعات القاهرة حققت بعض التقدم على طريق إنهاء الانقسام المرير، وفتحت باباً أوسع من أي باب تم فتحه في السابق، وأن جدولاً زمنياً متفقاً عليه قد حدّد مواقيت متدرّجة 
للانتقال من خطوةٍ إلى أخرى لإتمام هذه العملية، إلا أنه كلما كان يتم تحقيق خطوة معتبرة، كانت تحدث خلافاتٌ مفاجئة، ويجري تبادلٌ للاتهامات السقيمة، الأمر الذي كان يبدّد جرعة التفاؤل المحدودة، ويحول دون استمرار المضي على الطريق الإجباري لكلا طرفي الانقسام، اللذين كابرا طويلاً، وتعبا كثيراً من مواصلة قذف كرة المسؤولية بين بعضهما بعضاً.
وليس من شك في أن عملية المصالحة كانت قد بلغت نقطة اللاعودة، عندما حلت حركة حماس لجنتها الإدارية (الحكومة الموازية) وقرّرت التخلص من عبء تكاليف إدارة قطاع غزة، ولا ريب أن التحولات الجارية تباعاً في المحيط المجاور قد أملت منطقها على الطرفين، للتخلص من أوهامٍ كثيرة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، غير أن العنعنات القديمة، والحسابات الجزئية الصغيرة، بدت قادرةً، في بعض الأحيان، على إيقاف العجلة عن الدوران، تماماً عندما استحكم الخلاف حول مفهوم تمكين حكومة الوفاق الوطني من الأمن والإدارة في غزة.
ولولا ضغوط إقليمية ثقيلة، وفي القلب منها الضغوط المصرية، لكان طرح موضوع سلاح المقاومة للنقاش العلني، على نحو ما كان مثاراً في الأيام الأخيرة، كفيل بتقويض كل ما تم تحقيقه من خطواتٍ أولية، ومن ثمة العودة إلى المربع رقم واحد، وهو ما يشير إلى خطورة مثل هذا اللغم وغيره من الألغام الكامنة على طريق المصالحة، سواء تعلق الأمر بتمكين الحكومة، أو اتصل بمسألة رواتب موظفي حركة حماس، فضلاً عن التفاصيل الخلافية، التي لا حصر لها، كلما كان ينهي المتحاورون جولة اجتماعاتٍ لهم بالقبلات والمصافحات الحارة.
على أي حال، جاء قرار الرئيس الأميركي الاستفزازي، ومن دون أن يقصد، ليضع حداً للجدل المثار حول كل واحدٍ من بنود المصالحة، وينقل الجميع من حالة التربص إلى حالةٍ غير مسبوقة من الاتحاد في وجه العاصفة، إلى الحد الذي قال فيه المتفاوضون، بنبرة تنم عن الرضا؛ إن كل العقبات قد أزيلت عن الطريق، وإن الجدول الموضوع لإنجاز كل مرحلة بعينها، سوف يتم الالتزام به، وإن هناك حلولاً تم التوصل إليها حيال ما بدا أنه عقدة العقد، حتى لا نقول مربط الفرس في الاتفاق المنشود، ونعني به تمويل رواتب نحو 43 ألف موظف في غزة.
وهكذا، بدت هبة الغضب الفلسطيني الشامل التي تسبب بها قرار ترامب، وما واكبها من تفاعلاتٍ سياسيةٍ صاخبة، وفق ما عبرت عنه المواقف والبيانات والتحرّكات الرسمية 
والجماهيرية التي بلغت إحدى ذراها في أيام الغضب، بدت هذه الموجة الكاسحة أكبر من كل الخلافات المقيمة، وأشد من كل العوائق القائمة على طريق إنهاء الانقسام، حين بدا للجميع أن مدينة القدس، بكل أهميتها التاريخية، ودلالتها الرمزية، ومكانتها الدينية، أعلى قيمة وأكبر وزناً من أي خلاف سياسي لا طائل من ورائه، حتى وإن كان صراعاً على سلطةٍ غير حقيقية.
وعليه، لم يعد في وسع أحد من المتبارين حول أيهم أجدر بالأحقية والشرعية والمظلومية، أن يواصل هذا السجال العقيم، في وقتٍ تحتل فيه مدينة القدس مقدمة جدول الاهتمامات الفلسطينية والعربية، وتصبح كما لم تكن عليه في أي وقتٍ مضى، قضية دولية تحبس الأنفاس، بحسب ما أتت عليه مواقف مختلف الدول الرافضة قرار دونالد ترامب المتهور والمندّدة به، وإلا لأصبح المتشبثون بالانقسام موضع سخرية ومحل استهانةٍ من جانب الفلسطينيين أنفسهم، قبل أن يكونوا موضع استخفافٍ شديد من جانب الأشقاء والأصدقاء جميعاً.
لا تعني هذه المقاربة المفعمة بالتفاؤل أن العقبات الواقفة على طريق إنهاء الانقسام قد تلاشت من تلقاء نفسها، بمجرد أن تقدمت قضية القدس على ما عداها من قضايا خلافية، وليس هناك من ضماناتٍ يمكن التعويل عليها لوضع كل الأمور في نصابها، باعتبار أن الانقسام باتت له ركائز قوية، بعضها مستتر في الصدور، وبعضها الآخر راسخٌ على الأرض، حيث عملت نحو عشر سنواتٍ كالحات على تعميق مظاهر هذه الحالة الشاذّة، وتكوين مصالح فئوية متناقضة، بدا بعضهم مستقتلاً في الدفاع عنها بكل وسيلةٍ مواربةٍ وحجة مصطنعة.
خلاصة القول؛ لقد أدى قرار دونالد ترامب الأحمق، من بين ما أدى إليه من نتائج سلبية، وأخرى إيجابية قليلة غير مقصودة، إلى كنس الحجارة الصغيرة عن طريق المصالحة الفلسطينية، ودفع المنقسمين على أنفسهم إلى الكفّ عن التذرع بالمسوغات التافهة، والتعلل بكل ما يدعوهم إلى التمسك بحالةٍ كانت تبيض الذهب في حجر الاحتلال، وتعزّز خطابه كلما كانت تلوح في الأفق ملامح مبادرة دبلوماسية لإحياء عملية السلام السياسية الميتة.
القسم الفرعي
عنوان طويل
مفارقة... ترامب يحقق المصالحة الفلسطينية
عنوان الموبايل
ترامب يحقق المصالحة
الملخص
أدى قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، من بين ما أدى إليه، من نتائج سلبية، وأخرى إيجابية غير مقصودة، إلى كنس الحجارة الصغيرة عن طريق المصالحة الفلسطينية، ودفع المنقسمين إلى الكفّ عن التذرع بالمسوغات التافهة.
الزائرين
223
تاريخ النشر
Migration
Editors
ستكون حفلة بكاء كبيرة، وسنندبُ حظَّنا كما نفعل كلّ مرّة تداس فيه هويتنا، وتنتهك فيه قداسة أمتنا، والتي هي بالضّرورة قداستنا، وسيخرج الإعلاميون على القنوات يندّدون ويصرخون، وسيشاركهم المحللون السياسيون صراخهم، وسيطلع المشايخ على المنابر، وقد اختاروا كلّ منمّق من الكلم، وكل مؤثّر من اللغة والأمثال والآيات والأحاديث كي يبكونا ويحزنونا، نحن الذين لم نتقن إلاَّ البكاء والحزن. ونحن سنخرجُ إلى الشَّوارع، غاضبين مشعلين النّار في العلمين، الأميركي والإسرائيلي، وسنرفع علم فلسطين عاليًا، وسأكون على الرغم من انتقادي حاضرًا كعادتي في هذا كله، لأنَّها فلسطين، وما أدراكَ ما فلسطين؟ ثمَّ ماذا؟
أيّها الإعلاميّ والمحلل السياسي والخبير العسكريّ، نعلم أنّ ما جرى تواطؤ وصفقات مع حكام لنا يخدمون العدو نهارا جهارا، ومنها ما كانَ ليلا والجميع نيام، أو يمارسون ما تفرضه الظلمة من أمور عدَّة، وليس منذ قرار ترامب الذي ضرب عرض الحائط كل القوانين والاتفاقيات الدولية، وأعلنها مدويّة لا مبالية بنا جميعا فقط، بأن القدس وببساطة عاصمة رسميَّة لإسرائيل، ستصرخ، وستقيم الدنيا بتحليلات نعرفها من قبل، هي نفسها، والتي نسمعها في كل يومٍ، أو بالأحرى في كلّ مناسبةٍ تخص القضيَّة الشريفة، القضيَّة التي تؤرق كل حرّ وكلّ إنسان. نعم أنا معك، أنصت إليك، أغضب معك وأوافقك التحليل لكن أخبرني، بعد ذلك.
ثمّ ماذا؟
أيّها الشيخ الجليل، أنت، نعم أنت، أنت الذي تطلع علينا في كلّ جمعة منبر رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، ولم يستجب الله لدعائك بعد، وأنت تدعوه: اللهم دمرهم تدميرا، ألا ترى أنَّنا وحدنا من نُدمّر، وأن القدس قد أعلنت عاصمة رسمية لإسرائيل، وعلى الرغم من أنوفنا جميعا، نعم أقصدنا نحن الذين طالما أمَّنا دعاءك، نحن أنباء العزيزين والأكرمين، وربّما ذرفنا بعض دمع الحسرة، وزفرنا بعض الآهات، هل تعلم أنَّها ورسميا صارت عاصمةً لإسرائيل؟
أنا متأكد أنَّك ستعيد الخطاب نفسه، ستذكرنا بالأيام الخوالي، أيام عمر رضي الله عنه، وصلاح الدين الأيوبي، وكيف حافظوا على الأمانة، وحرّروا بيت المقدس، وكيف اليوم نحن لم نفعل ما فعلوا، أعرف كل ما ستخبرنا به، وأعرف أنّك تدعو في الصلاة، وتدعوه جلّ في علاه، على الرغم من أنّنا لم نتخذ سببا واحدا كي يستجيب لنا، ولم نضحّ بما يجب كي يفعل ذلكَ. لكن بربّك، أرجوكَ أخبرني بعد هذا: ماذا سيكونُ؟
أيَّها الإخوة الأعزاء، أدركُ جيّدَا حجم الغضب الذي ينهش عقولكم وقلوبكم. ولهذا، ستنظمون مسيرة ترفعون فيها الأعلام، أعلام القدس، وتحرقون أعلام العدو الصهيونيّ، وتقولونها عاليا، إنَّ القدس عاصمة لفلسطينَ، وإنَّكم تضربون بقرار ترامب الأرض، وتدوسون عليه، كما تفعلون مع العلم الأزرق بنعالكم التي تطأون بها الأرض، وربّما تمزّقت من طول المشي والتنديد. أعلم جيدا أنكم تقلبون صور حساباتكم على "فيسبوك"، تجملونها بعلم العزيزة فلسطينَ، وربما تجمعون لايكات كثيرة على فعلكم النبيل هذا، أنتم الذين ما ملكتم إلا قلوبكم، لتحاولوا التعبير بها، والغضب بها والثورة بها. لكن بربكم أخبروني، ثمَّ ماذا بعدَ هذا، أريدُ إجابة أتفاءل بها على الأقل، أعيش على أملها، وأحاول ألا أحزن الدّهر كلّهُ، وربما مت كمدا.
ثمَّ ماذا؟
وأنت الذي تقرأ هذا النَّص الآن، أعرف جيدا أنك تسيحُ غضبا، تحمرّ عيناكَ وتنتفخ أوداجك، وأنت تشعل سيجارتكَ، تقحمها فمك وتضغط على الحروف بلوحة المفاتيح، تحاول قول شيء، هل عندك ما تقول فعلاً، أم أنّك لم تجد نفسك بعد، وسط هذا الكمّ الهائل من الخيبة والتعاسة والألم، فهل تعلم أنّها ورسميا، وعلى الرغم من أنفك، أنت الذي منذ مائة عام على وعد بلفور المشؤوم تكتب وتقرأ، هل تعلم أنها صارت عاصمةً رسمية لإسرائيل، أرجوك بعد أن تنهي ما كتبته أن تخبرني ماذا بعد هذا؟
ثمّ ماذا؟
القسم الفرعي
عنوان طويل
القدس.. ثم ماذا؟
عنوان الموبايل
القدس.. ثم ماذا؟
الملخص
أدركُ جيّدَا حجم الغضب الذي ينهش عقولكم وقلوبكم. ولهذا ستنظمون مسيرة ترفعون فيها الأعلام، أعلام القدس، وتحرقون أعلام العدو الصهيونيّ، وتقولونها عاليا إنَّ القدس عاصمة لفلسطينَ، وإنَّكم تضربون بقرار ترامب الأرض، وتدوسون عليه.
الزائرين
264
تاريخ النشر
Migration
Editors
صورة
كاريكاتير القدس وترامب / السامعي
لا يختلف الانحياز الأميركي لإسرائيل في قضية القدس عنه في مجمل قضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فقرار الأمم المتحدة 181 (قرار تقسيم فلسطين)، أعطى القدس نظاماً خاصاً وكياناً منفصلاً (Corpus Sepratum)، تديره الأمم المتحدة. بعد عامين من القرار، ومع قدوم الانتخابات الرئاسية الأميركية، عارضت إدارة الرئيس هاري ترومان قرار تدويل مدينة القدس، واستجاب في ذلك إلى المطالب الصهيونية، وكان غرضه جذب الأصوات اليهودية لدعمه في الانتخابات الرئاسية، وقد برّرت تلك الإدارة موقفها ذاك بالقول إن حل التدويل غير قابل للتطبيق وغير عملي، لافتقاده قوة تنفيذية قادرة على فرضه.
بعد احتلال إسرائيل القدس الغربية في حرب العام 1948، أعلنت إسرائيل مدينة القدس عاصمة لها، وطلبت الأمم المتحدة من الدول الأعضاء عدم الاعتراف بهذا الإعلان. ولتعزيز وضع القدس عاصمة، نقلت إسرائيل في 1953 الدوائر الحكومية إلى القدس، لفرض الأمر الواقع، وإجبار الدول الأخرى على التعامل مع المدينة بوصفها عاصمة إسرائيل، خصوصا بعد التزام الأغلبية الساحقة من الدول قرار الأمم المتحدة، ورفض نقل سفاراتها إلى القدس. واعتبرت إدارة الرئيس الأميركي دوايت إيزنهاور نقل الوزارات الإسرائيلية، بما فيها وزارة الخارجية، عملاً استفزازياً، ومناقضاً للأعراف والمواثيق الدولية. وأُبلغ طاقم السفارة الأميركية في إسرائيل بعدم التعامل مع تطبيق قرار الانتقال. ولكن بعد عام ونصف العام، أي في 1955 قدم السفير الأميركي، لوسون، أوراق اعتماده في القدس.
بعد احتلال إسرائيل القدس الشرقية في 1967، انضمت الولايات المتحدة إلى المجتمع الدولي، واعتبرت القدس الشرقية أرضا محتلة. وأكد سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، تشارلز
بوست، هذا الموقف في 1969. وبقي الموقف الأميركي على حاله خلال السبعينات، وحاول الرئيس جيمي كارتر في أثناء مفاوضات كامب ديفيد استعادة الموقف الأميركي من مدينة القدس، في رسالة إلى كل من الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، جاء فيها "تنظر الولايات المتحدة الأميركية إلى الجزء الذي سيطرت عليه إسرائيل من القدس في حرب 1967، على أنه جزء لا يتجزأ من الأراضي المحتلة، لذا فهو يخضع لأعراف القانون الدولي ذات العلاقة بالحقوق والواجبات من الدولة المحتلة...". وعندما انتهى بيغن من قراءة الرسالة، استشاط غضباً، وقال لأعضاء الوفد الإسرائيلي "احزموا الحقائب، سنعود إلى البلاد، لم نأت إلى كامب ديفيد من أجل تقسيم القدس". وبعد مفاوضات طويلة، تقرر طي الرسالة، ووضعها على الرف.
مع إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في العام 1990، عندما طلبت الإدارة الأميركية من إسرائيل ضماناتٍ بعدم توظيف ضمانات القروض التي طلبتها إسرائيل من الولايات المتحدة لاستيعاب موجة الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي، والبالغة عشرة مليارات دولار، بعدم توظيف هذه القروض لاستيعابهم في الأراضي المحتلة، وإلا فإن الإدارة الأميركية ستقطع كل المبالغ التي توظيف في الاستيطان في هذه الأراضي. وقد اختلفت إسرائيل والولايات المتحدة على معنى "المناطق المحتلة"، وأوضح الرئيس بوش موقف بلاده من الموضوع، بأن أعاد التأكيد على التزام الولايات المتحدة قرارات الأمم المتحدة 181 و194 و303، ما عرّض الرئيس بوش إلى حملة شرسة من اللوبي اليهودي وأنصار إسرائيل في أميركا، أجبرت الإدارة الأميركية على التراجع عن موقفها. وقد ركزت الحملة اليهودية على مستشار الرئيس بوش المقدسي الأصل، جون سنونو، الذي اضطر إلى إصدار بيان، قال فيه "إن الولايات المتحدة تؤيد القدس موحدة، على أن يحدّد وضعها النهائي مستقبلاً عن طريق المفاوضات". وهذا ما كرّره وزير الخارجية، جيمس بيكر، في عهد بوش الأب، عندما طلب من جميع الأطراف في أثناء التحضير لمؤتمر مدريد للسلام تأجيل البحث في موضوع القدس، ومواضيع أخرى، إلى مرحلة متأخرة من المفاوضات، حتى لا تنسحب إسرائيل من المفاوضات. الأمر الذي دفع إلى صياغة المفاوضات على المسار الفلسطيني على مرحلتين، الحل الانتقالي، والحل النهائي. وكان الاقتراح الأميركي يستجيب لمطلب حكومة شامير وفرض شروطها على المفاوضات، والتي هددت بالانسحاب من المفاوضات، وعدم المشاركة في المؤتمر، إذا طرح موضوع القدس على طاولة المفاوضات. وقد نصت رسالة الضمانات التي قدمها بيكر للفلسطينيين في العام 1991 على ضرورة عدم "تقسيم مدينة القدس مرة أخرى". وأن تسوية مشكلتها ووضعها يكون من خلال المفاوضات، وبعيداً عن قرارات الأمم المتحدة.
مع إدارة بوش الأب، بدأ الموقف الأميركي الذي شابه الغموض منذ قرار التقسيم، يترك مكانه لموقف أكثر وضوحاً وأكثر انحيازاً لإسرائيل، فعلى الرغم من تهديد الولايات المتحدة إسرائيل باستقطاع مبالغ الاستيطان في الأراضي المحتلة من ضمانات القروض، لم تفرض إدارة بوش أي استقطاعاتٍ على المبالغ الموظفة للاستيطان في القدس.
واستمر هذا الانحياز، والذي أصبح أكثر وضوحاً مع إدارة الرئيس كلينتون، التي استمرت بعدم الاستقطاع من ضمانات القروض الموظفة في الاستيطان في الأراضي المحتلة، وزادت عليه استخدام حق النقض (الفيتو) لحماية إسرائيل من الإدانة الدولية. ففي 1995 وبعد توقيع اتفاقات أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، التي نصت على أنه لا يجوز لأي من الطرفين أن يقوم بأعمال من شأنها التأثير على الوضع النهائي لمدينة القدس، استباقاً لمفاوضات الحل النهائي. لم توقف حكومة إسحق رابين المصادرات، لا في الأراضي المحتلة، ولا في مدينة القدس، حيث صادرت 53 هكتاراً في القدس الشرقية. وثم رفع القضية إلى مجلس الأمن، 
والذي صاغ قراراً معتدلاً في إدانة إسرائيل، إلا أن الإدارة الأميركية لم توافق على أي صيغةٍ تدين إسرائيل، فاستخدمت حق النقض (الفيتو) لإسقاط القرار. وقد برّرت مادلين أولبرايت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة في حينها موقف بلادها بقولها "لم نصوت ضد القرار، لأننا نؤيد مصادرة إسرائيل أراضي القدس، ولكن حكومتي اضطرت إلى معارضة القرار، لأن المجلس سعى إلى أن يقول رأياً في الوضع الدائم للقدس، بينما يتحدّد هذا في المفاوضات بين الأطراف المعنية بالقضية". ومن مفارقاتٍ أفرزتها مصادرة حكومة رابين أراضي في القدس أنه لا اللجوء إلى مجلس الأمن، ولا التهديد بعقد قمة عربية، جعلت الحكومة الإسرائيلية تتراجع عن قرارها، لكن ما أجبر حكومة رابين على التراجع هو ما كانت تسمى في حينه "الكتلة العربية المانعة"، وهم الأعضاء العرب في الكنيست الإسرائيلي الذين كانوا يصوّتون إلى جانب حكومة رابين التي كانت تفتقد إلى الأغلبية في الكنيست، وقد هدّدت هذه الكتلة في حينها حكومة رابين بإسقاط الحكومة، إذا استمرت في عملية المصادرة، فقرّرت حكومة رابين إرجاء المصادرة إلى أجلٍ غير مسمى.
وقد عادت الإدارة الأميركية إلى استخدام حق النقص (الفيتو) لحماية إسرائيل من الإدانة الدولية، عندما قرّرت حكومة بنيامين نتنياهو في 1997 بناء مستوطنة هار حوما في جبل أبو غنيم في القدس. وقد كانت 14 دولة في مجلس الأمن مع القرار الذي لم تعارضه سوى الولايات المتحدة، وقد برّر الرئيس كلينتون هذا الموقف بالقول "إن إسرائيل تعتبر مشروع جبل أبو غنيم مجمع شقق سكنية، لتوسيع حي سكني في القدس، ويعتبره العرب مستوطنة إسرائيلية، في حين تفضل الولايات المتحدة ترك الموضوع للمفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين".
بعد فوزه في انتخابات الرئاسة الأميركية في ولايته الأولى، وفي أول مؤتمر صحفي له، سُئل الرئيس كلينتون عن الوقت المناسب لنقل السفارة الأميركية للقدس، فأجاب "اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كما يجب أن تظل القدس مدينة موحدة، ولكن القضية قضية توقيت…". ولم يكن هذا الموقف لكلينتون وحده، فقد وعد جميع مرشحي الرئاسة الأميركية خلال نصف القرن المنصرم الاعتراف بالقدس موحدة عاصمة لإسرائيل، لكن وزارة الخارجية كانت تتدخل في كل مرة لتأجيل تنفيذ ذلك، لئلا يعكّر ذلك علاقات الولايات المتحدة مع الدول العربية والإسلامية، وهي اعتبارات أخذت في السنوات الأخيرة تتراجع. واليوم، مع إعلان الرئيس دونالد ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، والأمر ببدء التنفيذ، تجد الولايات المتحدة نفسها أكثر تحرّراً من مراعاة أي اعتبار، وبذلك تم ردم الهوة بين الأقوال الأميركية والأفعال، فمع قرار ترامب تتطابق الأقوال الأميركية مع الأفعال الأميركية التي دعمت إسرائيل في تكريس احتلالها للقدس تغيير معالمها الديمغرافية، وانتهاك القانون الدولي والحقوق الفلسطينية.
القسم الفرعي
عنوان طويل
القدس مع ترامب.. الأقوال والأفعال معاً
عنوان الموبايل
القدس مع ترامب
الملخص
اعتبرت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، دوايت إيزنهاور، نقل الوزارات الإسرائيلية، بما فيها وزارة الخارجية، عملاً استفزازياً، ومناقضاً للأعراف والمواثيق الدولية. وأُبلغ طاقم السفارة الأميركية في إسرائيل بعدم التعامل مع تطبيق قرار الانتقال.
الزائرين
381
تاريخ النشر
Migration
Editors
صورة
كاريكاتير القدس / حجاج
"لا شأن لي باحتلال القدس، فأنا لم أزل طفلاً في السابعة، ومن حقي الحصول على حلوى "راس العبد"، التي عودني أبي على شرائها يوميًا، حال عودته من عمله في مشروع إنشاء سدّ المخيبة، على الحدود الأردنية الفلسطينية".
كنت محتقنًا ذلك اليوم، فقد قيل لي "لا تقترب من أبيك، فهو غاضبٌ للغاية لأن القدس احتلت"، ما يعني أنني فقدت فرصتي الذهبية بالحصول على "راس العبد" الموعود.
لا أتذكّر، بل أصف الحال، لأنني لم أزل طفلاً في السابعة، لم يكبر منذ تلك الظهيرة القائظة، التي عاد فيها أبي مبكرًا إلى بيتنا في مدينة إربد، معفّر الوجه والثياب، وبدت ملامحه كأنها تختزن غضب الكون كله، فقد نجا بصعوبة من قصف الطيران الإسرائيلي سد المخيبة، والمنطقة التي كان يعمل فيها، ولم يفعل شيئًا سوى الانزواء في ركنٍ بعيد داخل البيت، وحرق السجائر بشراهة، ولم يجرؤ أحد منا على الاقتراب منه.
منذ تلك اللحظة، بدأت أقرأ الحوادث العربية من خلال ملامح أبي، وصرت أكثر تدقيقًا فيها، قبل أن أجرؤ على طلب "راس العبد" منه.
فبعد ذلك الزمن بسنوات، وفي السابعة من عمري، أيضًا، لم أجرؤ على طلب هذا "الرأس"، أيضًا، في حرب تشرين (التحريرية) سنة 1973، على الرغم من أنني كنت أقرأ في بدايتها انفراجًا في أسارير أبي، مع تقدّم القوات المصرية، واقتحامها خط بارليف المحصن، غير أن ملامحه سرعان ما عادت إلى تجهمها، حين رجع من عمله في سد المخيبة معفرًا للمرة الثانية، ولسان حاله يقول "هي مجرد خدعة أخرى من حكامنا، فالحرب لم تكن تحريرية، بل تحريكية، هدفها الصلح مع العدو والتنازل عن القدس إلى الأبد"، وكدت أسأله: "لكن القدس احتلت من زمان يا أبي"، لكنني خشيت من ردة فعله التي لا تعرف عواقبها، وآثرت الصمت علّني أحظى بفرصة ثانية للحصول على "راس العبد".
لاحقًا، خضت، أيضاً، خيبات "الربيع العربي"، على وجه أبي، على الرغم من أنني لم أتجاوز السابعة من عمري، وكم كنت قريبًا من "راس العبد"، مرّات متعددة، لكن اختطاف هذه الثورات من لصوص كثيرين في أبوظبي والرياض وتل أبيب، أعادني ثانيةً إلى مربع بعيد عن موضع انزواء أبي، إثر عودته خائبًا من سد الخيبة.
في السابعة، كذلك، كنت أقف أمام جسد أبي المسجّى، في الركن المنزويّ من البيت، موشكًا أن أطلب منه ثمن "راس العبد"، حين قيل لي إن علي أن أقرأ الفاتحة على روحه، ولم أدر ما معنى هذه العبارة؛ إذ كان كل ما فكرت فيه خساراتي المتكرّرة للرأس المشتهى.
قرأت في ملامحه خيبة كبيرة هذه المرة، مفادها بأن "القدس احتلت إلى الأبد"، لا بسبب إعلان ترامب المدينة عاصمة أبدية لإسرائيل، فهذا بديهي للغاية، لأن الانحياز الأميركي للعدو قديم قدم "سد الخيبة" نفسه الذي تحطمت عنده آمال أبي كلها بالعودة والتحرير واستعادة القدس، بل بسبب تواطؤ أنظمة عربية كثيرة مع هذا القرار، وتنسيق ترامب معها قبل صفعته المهولة على خد العرب جميعًا، بهذا الإعلان المشؤوم.
عرفت في هذه "الخيبة" تحديدًا، أنني لم أعد في السابعة من عمري، وأن ما أطلبه ليس "رأس عبد" واحدًا فقط، بل "رؤوس عبيد" كثر ينامون على عتبات البيت الأبيض والكنيست الإسرائيلي، يعرضون خدماتهم، ويستجدون العمالة استجداء، "عبيد" تحفل بهم بلادنا، يعتلون عروش القش، ولا يأنفون من التفريط بسائر مقدساتهم وبلادهم وشعوبهم، إن لزم الأمر، لقاء البقاء على تلك العروش الزائفة.
عرفت أن من يحتل القدس حقًا، ليس إسرائيل ولا أميركا، بل هؤلاء العبيد أنفسهم.
القسم الفرعي
عنوان طويل
القدس و"راس العبد"
عنوان الموبايل
القدس و"راس العبد"
الملخص
علمت أن "القدس احتلت إلى الأبد"، لا بسبب إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المدينة عاصمة أبدية لإسرائيل، فهذا بديهي للغاية، لأن الانحياز الأميركي للعدو قديم قدم "سد الخيبة" نفسه الذي تحطمت عنده آمال أبي كلها بالعودة والتحرير واستعادة القدس.
الزائرين
329
تاريخ النشر
Migration
Editors
صورة
كاريكاتير ترامب والشرق الاوسط / حداد
كان من الطبيعي أن تشعر الغالبية الغالبة من دول العالم بالسخط والذهول إزاء قرار الإدارة الأميركية الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال، إذ إن مكافأة المحتل المعتدي بهذا السخاء الذي لا سقف ولا ضابط له يندرج في باب اللامعقول السياسي، ويتأبّى على كل منطق. والادّعاء أن القرار جاء متأخراً يزيد من الأمر سوءاً. فالكونغرس الذي سبق أن أوصى بنقل السفارة الأميركية إلى القدس كان يدرك أن هذا القرار هو من قبيل الدخول في حائط صخري، وتَرَك للرئيس (الرؤساء) فرصة تجميده. وهو ما حدث عملياً منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 1995 حتى يوم 6 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، إذ رفض الرؤساء المتعاقبون وضع القرار موضع التنفيذ. وقد أراد الرئيس دونالد ترامب الظهور بمظهر المتميز عن الرؤساء السابقين، فاندفع نحو اتخاذ هذا القرار الأخرق، متذرّعاً بأنه سبق له أن التزم بهذا الوعد في حملته الانتخابية، علماً أن الرجل الذي يخوض المعترك السياسي لأول مرة في حياته دعا، في مطلع حملته، إلى أن تتخذ بلاده موقفاً محايداً من الصراع الفلسطيني العربي/ الإسرائيلي. وقد نسي دعوته هذه كما يبدو، عقب إدراكه أن اللوبي الصهيوني في أميركا أقوى من اللوبي الأميركي في أميركا!. وأن على إدارته تقديم مصالح الاحتلال الإسرائيلي على أية مصلحة وطنية أميركية، إذا ما أراد للمركب أن يسير سيراً حسناً، وأن يطمئن إلى إمكانية ترشّحه لولاية ثانية في العام 2020، فالناخب "الإسرائيلي" في أميركا يوحي أنه هو من يرجّح الفوز أو الخسارة لمرشحي الرئاسة، على الرغم من أن ذلك غير صحيح.
لكن، ما دام السخاء الأميركي، ممثلاً بالرئيس ترامب، بلا حدٍّ ولا قيد تجاه الاحتلال 
الإسرائيلي، وما دام الانحياز إلى صف الاحتلال يُشارف على الهستيريا، فلماذا لا يُهدي الرئيس الكريم لأصدقائه المتطرّفين الإسرائيليين مدينته واشنطن، كي يتخذوها عاصمة لهم، بدلاً من يكرم عليهم بالقدس التي لا يملكها، القدس مدينة ما لا يُحصى من فلسطينيين وعرب ومسلمين ومسيحيين؟ لماذا الكرم من جيوب الآخرين، وليس من الجيب الأميركي، ألا تقتضي نزاهة رجال الأعمال ذلك؟.
تبارت دول العالم في الحديث عن تعارض قرار الاعتراف ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة مع القرارات الدولية، ومع فحوى عملية السلام الشرق أوسطية المجمدة، وإلى أن طرفاً واحداً لا يمكنه تقرير مصير القدس، وهي لُب الصراع، وسبق للصهاينة أن استولوا على الجزء الغربي منها في العام 1948، خلافاً لقرار التقسيم 181 لعام 1947، ثم عمدوا إلى احتلال الجزء الشرقي لها في حربهم لعام 1967. ومع ذلك، يرى الرئيس ترامب أن من حق هؤلاء تسمية ما يستولون عليه عاصمة لهم، وهو يبارك لهم هذه اللصوصية. وفي الوقت نفسه، تلتزم الإدارة الأميركية بعملية السلام!. ولا شك أنها مزحة، تثير أي شيء في نفوس سامعيها باستثناء الابتسام، لما تنطوي عليه من استخفافٍ زائدٍ بذكاء السامعين، فعملية السلام تدور حول القدس واللاجئين والحدود، وحين يهدي البيت الأبيض القدس إلى الطرف المعتدي والمحتل، على غرار ما فعل البريطاني، آرثر بلفور، قبل مائة عام، فإنه بذلك يُجهز على العملية السلمية، ويُخرج نفسه بنفسه من أي دور فيها، وذلك بوقوفه جنباً إلى جنب، وكتفاً إلى كتف، مع أعداء السلام في تل أبيب، ابتداء من حكومة نتنياهو والأحزاب الدينية والقومية في الدولة العبرية. وبما يتعلق بالسلام المغدور بين فلسطين والإسرائيليين، فإن هؤلاء يقفون في طليعة المناهضين للسلام، ويقرنون مواقفهم هذه بمواصلة سرقة الأراضي والمياه الفلسطينية، والقفز عن الاتفاقيات المبرمة مع الجانب الفلسطيني. وليس غريباً أن يشتد تطرّف هؤلاء، وقد وجدوا في البيت الأبيض من يبارك لهم تطرّفهم وإرهابهم وعنصريتهم، وحيث سبق لهم أن جرفوا في طريقهم إسحق رابين وياسر عرفات. وفي واقع الحال هذا التطرّف الإسرائيلي المرعيّ رسمياً هو الأشد خطورة في الديار الفلسطينية المقدسة، والذي يُنذر بإدامة الصراع الى قرن آخر على الأقل، علاوة على نشر مناخ مسموم في الشرق الأوسط، وفي مناطق واسعة من العالم.
والآن، تراهن إدارة ترامب (ومعها الشركاء في حكومة نتنياهو) على أن الغضبة الفلسطينية والعربية والدولية هي ذات طابع عاطفي، وسوف تهدأ بعد مضي أسبوعين أو ثلاثة أسابيع،
 خصوصاً إذا تم قمع موجة السخط هنا وهناك، وهي مراهنة قصيرة النظر، فالغضبة إن هدأت قد تتحول إلى أشكال أخرى من ردود الفعل، فيما يعود الصلف الإسرائيلي ليتموضع في موضعه الطبيعي، في قلب موجة الإرهاب المنظم المقنن. وما أقدم عليه ساكن البيت الأبيض هو ازدراء كل الجهود السلمية التي شاركت بها إدارات أميركية سابقة، وإعادةٌ للأمور إلى نقطة الصفر، وأن ما تصورته الإدارة الجديدة حول "عملية خلط أوراق خلاقة" ما هي إلا خلط للزيت بالنار، على غرار ما يجترحه إطفائي مهووسٌ بالإتيان بجديد في عالم الإطفاء، حين يستعيض عن استخدام الماء في عملية الإطفاء باللجوء إلى استخدام وقود البنزين، ومُعتدّاً بما يحتسبه جرأته في استخدام مواد مبتكرة وغير تقليدية في عمله.
وسوف يمثل القرار، إضافة إلى ما سبق، تحدياً لأصدقاء الولايات المتحدة في غير مكان في العالم، وبالذات في العالم العربي. فالنظام العربي الرسمي يترنّح وعلى وشك الانهيار، قبل أن يخرج الرئيس ترامب بأعجوبته هذه، وليس من شأن المساس بمكانة القدس سوى أن يضع الأنظمة بين خيار مراجعة العلاقة مع واشنطن أو مواجهة غضبة شعبيةٍ. وهو ما كان يدركه رؤساء أميركيون سابقون، وما عزّ إدراكه على الرئيس الجديد، صانع الخوارق الذي أهدى حلفاء واشنطن هدية مسمومة وملغومة، عبر هذا القرار الذي سوف يسهم في اختفاء طيف السلام، وفي زيادة التوترات، وتلطيخ صورة أميركا (الصورة التي لم تكن بيضاء من قبل)، وشحن غطرسة المتطرّفين الصهاينة الذين يستنهضون تطرفاً مقابلاً في الجانب العربي والشرق الأوسطي. وكما ترون فإنه "فيلم" أميركي طويل غير مشوّق، وليته مجرد شريط سينمائي، بل هو واقعٌ على صورة سينما رديئة، حيث تجتمع التفاهة مع التذاكي مع عنصريةٍ تدّعي الوقار.
القسم الفرعي
عنوان طويل
اعتراف بواشنطن عاصمة لإسرائيل
عنوان الموبايل
واشنطن عاصمة لإسرائيل
الملخص
تراهن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ومعها الشركاء في الحكومة الإسرائيلية، على أن الغضبة الفلسطينية والعربية والدولية جراء اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل ذات طابع عاطفي، وسوف تهدأ بعد أسبوعين أو ثلاثة، خصوصاً إذا تم قمع موجة السخط هنا وهناك.
الزائرين
577
تاريخ النشر
Migration
Editors
صورة
كاريكاتير القدس / حجاج
هل من إنسان كان يعتقد أن الولايات المتحدة لن تنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس المحتلة، معلنة أن الأخيرة "عاصمة لإسرائيل"، سوى "لاحقاً"، مع تجهيل توقيت هذا "اللاحق"؟ هل من أحدٍ كان يتصوّر أن الأميركيين انتظروا طوال هذه الفترة، منذ عام 1995 تاريخ اتخاذ قرار في الكونغرس يلزم واشنطن بنقل السفارة، فقط لاستمزاج الرأي بغية التراجع عن هذا الإعلان لاحقاً، أو لأنهم يعملون بدأبٍ على إجهاض أي مقاومةٍ محتملةٍ لهذا القرار، سياسياً وعسكرياً؟
في السياسة، كان ما فعله الأميركي "حتمياً"، وفقاً للمسار المعمول به، فجميع القادرين على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي باتوا أضعف مما قبل، في الداخل الفلسطيني وفي الخارج العربي. في البدء، لا يُمكن اعتبار أن ترامب جاء بشيء مفاجئ، فلو كانت هيلاري كلينتون أو بيرني ساندرز مكانه، لكانا أعلنا الأمر نفسه، مع اختلاف التوقيت والظروف ربما. كما أنه لا يُمكن اعتبار أن خطوة ترامب لم تكن متوقعةً، فأضعف الإيمان هو توقع كل شيء من رجلٍ لا يمكن التنبؤ بتصرّفاته كالرئيس الأميركي الراهن.
أمنياً، استعدّ ترامب جيداً لتداعيات كلمته. وهو ما بدا من عملية نقل عناصر من المارينز الأميركي إلى سفارات المنطقة، لحمايتها من أي مواجهة قد تحدث مع محتجين، خصوصاً في عمّان وبيروت والقاهرة وبغداد وأنقرة، كما أن التشابكات في الداخل الفلسطيني، بين حركتي حماس وفتح، سرّعت من عملية الإعلان. إضافة إلى ذلك، يستند ترامب على قاعدة دعم عربية غير مباشرة، ستسمح، وفقاً له، بإضعاف جبهة المعارضة لنقل السفارة. وقد شكلت هذه القاعدة كل ما كان يحتاجه الرئيس الأميركي للاتكال عليه، في ظلّ تسريبات متلاحقة من واشنطن وتل أبيب إن دولا عربية علمت بخبر نقل السفارة، "لكنها أبدت توجسها من التوقيت فقط".
بناء عليه، من المفترض أن تكون الخطوة التالية واحدةً من اثنتين. إما بدء شرارة انتفاضة قد تتحوّل إلى أعمال عسكرية تستنزف الاحتلال الإسرائيلي، بما قد يدفع إلى تغيير الوضعية السياسية في أي مفاوضاتٍ في شأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، انطلاقاً من القدس، أو انتهاء موجة الاعتراضات سريعاً، مهما كانت كلفتها، وبدء سلسلة من الإعلانات الغربية، بنقل السفارات من تل أبيب إلى القدس المحتلة، واعتبارها "عاصمة لإسرائيل".
في الخيار الأول، تُعتبر "حتمية" المواجهة أمراً طبيعياً، فيُفترض أن يكون "الحق" أقوى من الظلم. لكن تاريخ الشرق الأوسط دائماً ما كان ظالماً، ونادراً ما أنصف ناسه. والمواجهة، إن حصلت، قد تكون آخر مواجهة بين المحتل وأصحاب الأرض، حتى أنها قد تؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل. الأمر لا يتعلق بالإعلان بحدّ ذاته، أو بمبدأ الاحتلال، فالإعلان كان مرتقباً في وقتٍ ما، والاحتلال مستمرّ منذ عام 1948، غير أن الأمر مرتبطٌ بمحورية القدس التي بسقوطها عاصمة للاحتلال الإسرائيلي، تنتفي معها كل الحقوق، بدءاً من حق عودة اللاجئين وصولاً إلى تهجير من تبقّوا من الفلسطينيين في ديارهم.
في الخيار الثاني، سيؤدي سقوط الاعتراضات سريعاً إلى تسارع موجة الاعترافات لدى دول، منها من يبحث عن "أمن أميركي" في مواجهة روسيا، كدول البلطيق والشرق الأوروبي، ومنها من يريد ضمان الحماية الأميركية في مواجهة الصين، في بحر الصين الجنوبي وجواره. وإن لم تتمكن المواجهة الميدانية من عرقلة مسار الإعلان الأميركي، فإن تتالي الاعترافات بـ"القدس عاصمة لإسرائيل" سيكون متلاحقاً، وفي المدى المنظور. يشبه الأمر تماماً ما حصل مع الاعتراف بـ"دولة إسرائيل" في الأمم المتحدة عام 1948. ولن تكون المرحلة الحالية فاصلة للقدس فحسب، بل للقضية الفلسطينية برمّتها. فعلياً، إنه وقت الامتحان لقضيةٍ دارت حولها كل القضايا الشرق أوسطية.
القسم الفرعي
عنوان طويل
القدس المحتلة.. المواجهة الأخيرة
عنوان الموبايل
المواجهة الأخيرة
الملخص
تتالي الاعترافات بـ"القدس عاصمة لإسرائيل" سيكون متلاحقاً، وفي المدى المنظور. يشبه الأمر تماماً ما حصل مع الاعتراف بـ"دولة إسرائيل" في الأمم المتحدة عام 1948. ولن تكون المرحلة الحالية فاصلة للقدس فحسب، بل للقضية الفلسطينية برمّتها.
الزائرين
937
تاريخ النشر
Migration
Editors
صورة
كاريكاتير القدس / حجاج
توجد قوات "فيلق القدس" التابعة للحرس الثوري الإيراني على أصعب الجبهات، في سورية والعراق واليمن ولبنان، فقط لدينا استثناء صغير: القدس.
لقائد الفيلق، الجنرال قاسم سليماني، أساطير عديدة، كرسالته المتفاخرة إلى هاتف القائد الأميركي باتريوس، أو تركه رسالة اعتذار في منزل مهجور أقام فيه، وله ظهورات عديدة تمتد من حلب إلى الموصل إلى حمص، لكن كل أساطيره وظهوراته غابت عن مكان واحد: القدس.
يرفع الحوثيون في كل لحظة شعاراتهم "الموت الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود"، لكن هذا يحدث على كل حجر في اليمن، لا القدس. أما السيد مقتدى الصدر فقد دعا السعودية إلى "توجيه التحالف الإسلامي إلى القدس فوراً"، لكنه في المقابل لم يخبرنا لماذا لا توجه إيران تحالفها أيضاً إلى القدس؟
على الجانب الآخر، تحدث "خليفة المسلمين"، أبو بكر البغدادي، للمرة الأولى والأخيرة عن فلسطين في 2015، "قريباً باسم الله تسمعون دبيب المجرمين.. وستكون فلسطين مقبرة لكم"، لكن جيوشه وذئابه ظلت تضرب في كل مكان في العالم من فرنسا إلى بلجيكا، ومن أميركا إلى أستراليا، من دون أن تصل إلى القدس.
ينتهي إصدار لتنظيم القاعدة في اليمن بوعد القدس والأقصى بأننا "قادمون"، على الرغم من أن كل أحداث الإصدار تظهر أنهم قادمون إلى تعز أو البيضاء أو عدن، لكن بالتأكيد ليس القدس.
الظاهرة ليست جديدة. دعا معمر القذافي الحجاج المسلمين عام 2000 إلى الزحف نحو القدس، من دون أن يزحف هو معهم بالطبع. أنشأ صدام حسين أيضاً "جيش القدس" في 2001، ونظم استعراضات عسكرية مهيبة لآلاف الجنود الذين لم يحاربوا في القدس أبداً. ما أكثر رافعي قميص القضية. الوصفة سهلة: قُل فلسطين ثم وجه بندقيتك إلى أي اتجاه آخر. الطريق إلى القدس التفافي دائماً، يجب أن يمر عبر بغداد أو القاهرة أو دمشق، لكنه أبداً لا يتبع الطريق المستقيم بزعمهم.
سابقاً كان يُقال إنه لا شعب أو تنظيم يمكنه تحمل الكلفة الفادحة لصدام حقيقي مع إسرائيل، لكن اليوم في ضوء سقوط مئات آلاف القتلى وخراب الدول بالفعل، يتساءل المرء عن سبب الاستعداد لتقبل الثمن الهائل هنا بكل جنون وعبث، بينما يُرفع صوت العقل هناك.
قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس يأتي في إطار السياقات نفسها. صحيح أن السياسة، في التحليل الأخير، هي تعبير عن موازين القوى، والتي تشهد اختلالاً فادحاً بين كل الدول العربية والولايات المتحدة وإسرائيل، وذلك يشمل القوى العلمية والاقتصادية أيضاً، لكن على جانب آخر مازال بيد جانبنا أوراق ضغط ليست هينة. لكن هذه الأوراق تصاب بالشلل، إذا كان المتحكّم بها يدين بسلطته لأسباب أخرى غير شعبه، أو للخوف من عدو أقرب. هكذا تتردد بلا توقف عبارة "كذا أخطر من إسرائيل"، وهذا الـ "كذا" قد يكون الطائفة المقابلة (الشيعة أو السنة)، أو الدولة المنافسة (السعودية أو إيران)، أو المعارضة السياسية الداخلية، وهكذا تنشغل كل فيالق القدس بأولويات أخرى غير القدس.
ذات يوم، كانت لدينا بذرة لفيالق قدس مختلفة. شباب الربيع العربي الذين تواصلوا من دون تخطيط، وتوحدت مشاعرهم من دون أوامر فوقية وقرارات رئاسية. كان الشباب المصري والسوري واليمني والتونسي يتضامنون ويحلمون. وشهدت مصر في 2011 مظاهراتٍ أدت إلى غلق السفارة الإسرائيلية وغياب السفير عن مصر بعدها نحو أربع سنوات.
كان حلم الديموقراطية العربية كفيلاً بإشراك الشعوب في إيجاد حلول أو أوراق ضغط يُدفع ثمنها تشاركياً، وكانت قدسية الإنسان ستطغى على قدسية الجمادات والشعارات. المنظومة متكاملة ومترابطة، يؤدي الاستبداد إلى الفساد والضعف الاقتصادي والعلمي والعسكري، وبالتالي الضعف السياسي، والعكس صحيح.
وإذا كنا وصلنا إلى هذه المرحلة الفجة من عبث فيالق القدس الرسمية، فهذا دافع أكبر للتمسك بفيالقنا الشعبية، ومحاولة بث الروح فيها، على الرغم من الهزيمة الأليمة للربيع.
وإذا كانت طرق القدس التفافية حقاً، فهي يجب أن تمر عبر الديموقراطية والكرامة الإنسانية. هذا هو طريق فيالق قدسنا الخاصة.
القسم الفرعي
عنوان طويل
فيلق القدس في كل مكان إلا القدس
عنوان الموبايل
فيلق القدس في كل مكان
الملخص
كان حلم الديموقراطية العربية كفيلاً بإشراك الشعوب في إيجاد حلول أو أوراق ضغط يُدفع ثمنها تشاركياً، وكانت قدسية الإنسان ستطغى على قدسية الجمادات والشعارات. المنظومة متكاملة ومترابطة، يؤدي الاستبداد إلى الفساد والضعف الاقتصادي والعلمي والعسكري، وبالتالي الضعف السياسي، والعكس صحيح.
الزائرين
1317
تاريخ النشر
Migration
Editors
صورة
كاريكاتير القدس / البحادي
أدمن الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، ترديد مقولة "الزمن العربي الرديء" بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982، وتشتت قوتها العسكرية والسياسية في عدة بلدان عربية، بعيدة عن حدود فلسطين. وكان الغرض من بعثرة الشتات الفلسطيني وقف الاشتباك مع العدو الإسرائيلي الذي وفره لبنان للفلسطينيين بكل رحابة صدر، شعبيا ورسميا.
كان عرفات يتحدث عن زمنٍ آخر، ارتفع سقف الرداءة فيه إلى حدّه الأقصى، عندما اضطر إلى قبول اتفاق أوسلو الهزيل عام 1993، وهو يعرف أنه مجحفٌ جدا، ولن يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وكان يؤمن بأن الاتفاق غير العادل الذي لا يليق بأن يكون محصلةً لمسيرة التضحيات والصمود التي مشاها شعب فلسطين، ليس أكثر من محطةٍ مؤقتةٍ على طريق النضال الفلسطيني، ولابد أن يأتي زمنٌ أفضل تنقلب فيه المعادلة.
راهن عرفات على حتمية حصول تغييراتٍ في الوضعين العربي والدولي لصالح الحقوق الفلسطينية المشروعة التي أقرّتها الأمم المتحدة منذ قرار تقسيم فلسطين. ولذلك رفض أن يوقع في يوليو/ تموز عام 2000 في كامب ديفيد، بحضور الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود باراك، على صيغة الحل النهائي الذي ينهي الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.
لم يكن عرفات يعتقد أن قعر الرداءة سيكون عميقا إلى الحد الذي وصلنا إليه اليوم، حيث صارت الوطنية والنضال من أجل الحقوق ومقاومة الاحتلال وقضية فلسطين برمتها بضاعةً عتيقة، لا مكان لها في السوق الجديد الذي يعدنا به بعض العرب ممن هم حديثو العهد بالسياسة وبالحكم، ويتعاملون مع مستقبل الشعوب بميزان الصفقات.
من نكد الدنيا أنه صار للتفاهة والانبطاحية والسطحية روادٌ يعتلون منابر إعلامية، تعمل مدار الساعة من أجل تنظيف صورة العدو، والحطّ من قيمة كل ما هو حق، ومبعث اعتزاز نضالي وتاريخ كفاحي، وما يمت ويتصل بتاريخ الشعب الفلسطيني الذي قدّم كثيرا من أجل الدفاع عن هويته الوطنية وثقافته وتاريخه وأرضه ومقدساته.
صار أمرا عاديا أن يظهر جنرالاتٌ من السعودية والإمارات في وسائل الإعلام الإسرائيلية كي يروجوا السلام مع إسرائيل، وهم لم يسبق لهم أن خاضوا حربا في تاريخهم، ويلهجون بالدعاء لنشر ثقافة التسامح مع الصهاينة، في حين يعزّ عيهم أن يحطموا حاجزا صغيرا مع مواطنين من بلدهم يختلفون عنهم في الطائفة والقبيلة.
أن يصبح التطبيع مع إسرائيل في صلب مهمات الفريق الذي يروج ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، فذلك أمر لم يكن يظن أحدٌ أنه سوف يقع أبدا. وعلى الرغم من أن شخصيات سعودية وإماراتية فتحت خطوطا في السابق مع شخصياتٍ وأوساط صهيونية، فإن ما يحصل اليوم نوعٌ من الانبطاحية المشينة التي تصل إلى حد التباهي بالعلاقة مع العدو الذي يحتل أرضا عربية في فلسطين وسورية ولبنان. وفي هذه الحالة، من العار تقديم تنازلات من طرف من لا يملك لمن لا يستحق.
فوق هذا، تطفو على السطح نغمة غريبة، هي أن هؤلاء تعبوا من العداء العبثي لإسرائيل، وجاء وقتٌ اهتدوا فيه إلى الطريق الصحيح، وهو طريق التسامح والسلام. قبل هؤلاء، سار آخرون على هذا الطريق. قبل "كامب ديفيد" وبعده، لكنهم لم يغيروا في المجرى العام، وظل ما ينفع الناس يمكث في الأرض، بينما ذهب الزبد جفاء.
ليست فلسطين قطعة أرض معروضة للبيع في مزاد صفقة القرن، بل هي تاريخ وحلم ومقدساتٌ، وهوية أرفع من خزعبلات المرابين الجدد.
القسم الفرعي
عنوان طويل
القدس والزمن العربي الرديء
عنوان الموبايل
القدس والزمن الرديء
الملخص
من نكد الدنيا أنه صار للتفاهة والانبطاحية والسطحية روادٌ يعتلون منابر إعلامية، تعمل مدار الساعة من أجل تنظيف صورة العدو، والحطّ من قيمة كل ما هو حق، ومبعث اعتزاز نضالي وتاريخ كفاحي.
الزائرين
1109
تاريخ النشر
Migration
Editors
صورة
القدس
لا يقتصر قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على نقل السفارة الأميركية إلى القدس. إنه يتعدّى ذلك إلى إلغاء اعتراف واشنطن بحل الدولتين الذي صار التزامها به رهنا بقبول طرفيه، الفلسطيني والإسرائيلي. وبما أن إسرائيل ترفضه، فإن ترامب لن يقبله من الآن فصاعدا، وهذا قرار إضافي اتخذه، ولكن من دون إعلان، يطلق يد تل أبيب في القضاء على ما بقي من مقومات دولة فلسطين.
بعد موجات الاحتجاج الواسعة على القرار، أعلن مسؤول أميركي أن نقل السفارة إلى القدس ليس فوريا، وسيستغرق ثلاثة أعوام. إذا كان هذا صحيحا، لماذا لم ينتظر ترامب نتائج مفاوضاتٍ تعهد باستئنافها بين الطرفين، أخرج قراره القدس منها، وحسم أيضا مصير القدس الشرقية التي لن تكون عاصمة دولة فلسطين التي لن تقوم؟ وماذا يبقى للحل السياسي، بعد إلغاء التفاوض وموضوعه، وإبطال حل الدولتين بربطه بموافقة إسرائيل؟
ليست القدس مدينةً كغيرها، إنها قدس أقداس العرب، مسيحيين ومسلمين. لذلك، ليس قرار منحها لإسرائيل مجرد كلماتٍ تحمل توقيع تاجر عقارات البيت الأبيض. إنه اعتداءٌ على وجود  العرب والمسلمين وأرواحهم التي طالما تغذت من ارتباطها بالقدس وارتباط القدس بها، الذي يربو على نيف وألفي عام من تاريخ شكل وعيهم بها مكانا يعتبرونه قدسيا، ليس ولن يكون مجرد مدينة! كما أنّ ترامب لم يقرّر نقل سفارة فقط، بل باع قدسية التاريخ في صفقةٍ عقاريةٍ إلى الصهاينة، تستهدف إخراجها من فلسطين وهويتها العصية على الإلغاء، وأخرج نفسه من التباس أوهم بعضهم أن أميركا تغيرت، ولم تعد تستحق كراهيتنا، وأوهمه أن مصير شعب فلسطين يتوقف على قراره الذي سيبطل بما هو مصطنع تاريخا صنعه شعبٌ تاريخيٌّ تنفرد عاصمته، من دون جميع عواصم الدول، بقدسيتها، لن يأخذها منهم تافه كشف وصوله إلى البيت الأبيض كم صار عميقا الدرك العقلي والأخلاقي الذي انحدرت إليه دولةٌ اختارته رئيسا، فلم يعتمد برنامجا غير التدمير المنهجي للنظام الدولي، تهدّد أفاعيله الجنس البشري، فهو يبني اليوم جدارا يفصل بلاده عن جيرانها في أميركا اللاتينية، ويمنع غدا دخول المهاجرين إلى بلاد صنعها مهاجرون، ثم يلغي نظام هجرةٍ تعتمده الأمم المتحدة ودول العالم، ويؤجج نيران الحقد والكراهية ضد جميع خلق الله، وقسم كبير من الأميركيين، وبينما ينسحب من اتفاقية دولية بشأن المناخ، تقيد انبعاث سموم أميركا القاتلة في الكون، وما تنتجه من أوبئةٍ تقتل الملايين، يفكك تحالف بلاده التاريخي مع أوروبا، ويهدّد الصين بحرب اقتصادية شاملة، وكوريا الشمالية بالتدمير الكامل، ويختار منصة الأمم المتحدة، المنظمة التي تلزم الدول الأعضاء فيها بحل خلافاتها سلميا، ليطلق العنان لجنونه العسكري، ويبتزّ حلفاء بلاده، كاليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا الغربية، ويهدّدها بالامتناع عن حمايتها إذا لم تموّل جيشه، ويمد يده إلى جيوب دول الخليج، طالبا نصف دخل الكويت، وكامل نفط العراق تعويضا عن جنوده الذين سقطوا خلال غزوه وتدميره بين عامي 2003 و2009!
واليوم، يسدّد ترامب ضربة قاضية إلى النظام الدولي والعربي، بقرارٍ ظاهره نقل سفارته إلى القدس، وباطنه القضاء النهائي على فرص قيام دولة فلسطينية سيدة ومستقلة، وإطلاق يد الاستيطان في أرضها الوطنية، والإمعان في بث فوضى بلاده الخلاقة في منطقةٍ تتفجر وتتشظّى في كل شبر منها، وإعادة الإرهاب إلى صدارة قواها وأحداثها، وإشعال صراعات الأديان والحضارات، بالتلازم مع قرب دخول الحرب السورية عامها الثامن، وانفتاح حرب اليمن على احتمالاتها الأشد سوءا، وتزايد كلفتها البشرية وانتشار الخراب والموت فيها، في ظل تفاقم تناقضات طرفيها، الإيراني والعربي، واحتلال شمال سورية أميركيّاً، وغربها وجنوبها ووسطها روسيّاً، وتموضع طهران الاستعماري في دول عربية عديدة، وتدخل إسرائيل عسكريا ضد مرتزقتها في المجال السوري، وتكثيف هجماتها عليهم، بينما تحرق حربٌ مذهبيةٌ إيرانية العراق وشعبه وتقوّض دولته، ويهدّد التفكك معظم دول الخليج.
اتخذ ترامب قرارا مفصليا ستترتب عليه تطوراتٌ مفصلية، لن تنفع في إحباطه ردود أفعال متقطعة، أو موقف عربي، رسمي وشعبي، ضعيف ومجامل، وستحوله أية خطى متردّدة من حدث خطير إلى واقعة عادية، لا بد أن يواجهها الفلسطينيون والسوريون وأحرار العرب والمسلمين أينما كانوا، برد من مستوى التحدّي، يكون تاريخيا وحاسما. إنها لحظة انعطافية في تاريخٍ إما أن نكون قادرين على صنعه، من القدس فصاعدا، أو أن نبقى كما نحن: ضحايا عالم لا يرحم.
قد يكون تنفيذ قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بحاجة إلى بعض الوقت، لكن نتائجه التدميرية سرعان ما ستفعل فعلها فينا، فهل نترك نيرون البيت الأبيض يعزف غيتاره على وهج حريقٍ يشعله اليوم في فلسطين، استكمالا لما أشعله سلفه، باراك أوباما، بالأمس من حرائق في المشرق والخليج.
القسم الفرعي
عنوان طويل
لا قدس، لا حل، لا دولة
عنوان الموبايل
لا قدس، لا حل، لا دولة
الملخص
قد يكون تنفيذ قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بحاجة إلى وقت، لكن نتائجه التدميرية سرعان ما ستفعل فعلها فينا، فهل نترك نيرون البيت الأبيض يعزف غيتاره على وهج حريق يشعله اليوم في فلسطين.
الزائرين
576
تاريخ النشر
Image caption
تظاهرة احتجاجية أمام السفارة الإسرائيلية في عمّان (7/12/2017/Getty)
Migration
Editors
صورة
كاريكاتير القدس وترامب / السامعي

بنى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، برنامجه الانتخابي على وعد بنقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية إلى القدس المحتلة، حال نجاحه. وعلى الرغم من ذلك، تسابق حكام العرب هرولةً إلى دعمه، بل إنه مع إعلان فوزه، عمّت الأفراح عواصم ما كان يعرف باسم "محور الاعتدال العربي" الذي تطور وتحوّر فيما بعد، وصار يعرف بعرب اعتدال، أو عرب إيفانكا، أو بعبارة واحدة "عرب إسرائيل".

بعد فوزه، انهالت الهدايا والمكافآت، من هذا المحور البائس، على ترامب، واصطفوا حوله، يطلبون الشفاعة، ويبدون الطاعة، وينفذون أوامره قدر الاستطاعة، ومن ثم لا تغرّنكم حالة الصدمة المصطنعة التي تظهر في بيانات شجب واستنكار، فهي جزءٌ من اللعبة، أو الصفقة: أنا أعلن قرار يهودية القدس، وأنتم تعلنون الإدانة والتحذير. وهو ما فضحته الميديا الصهيونية بإذاعتها تأكيداتٍ بأن تفاهماً جرى بين الرئيس الأميركي وتابعيه من الحكام العرب، في اتصال أخير، كان بمثابة وضع اللمسات الأخيرة في الإخراج، تماماً مثلما يحدث في ترتيبات ما قبل انطلاق حفلات الزفاف، أو مواكب الجنازات.

لا يقل الدور الرسمي العربي في إعلان الاعتراف الأميركي بالقدس، عاصمة للاحتلال الصهيوني، عن دور ترامب، بل ربما يسبقه، بالنظر إلى أن وزير خارجية مصر، أكبر دولة عربية، وصاحبة الحروب الثلاث ضد إسرائيل، سبق الرئيس الأميركي الوقح في الاعتراف، بشكل عملي، بالقدس عاصمة للصهاينة، حين هرول إلى منزل رئيس حكومة الكيان الصهيوني، في القدس المحتلة، ليتناول العشاء، ويقضي السهرة مع نتنياهو وزوجته، متفرّجاً على نهائي كأس أمم أوروبا في صيف العام الماضي.

كانت فضيحة التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، تنفيذاً للرغبة الإسرائيلية، هي الدرس الافتتاحي الأول في تهيئة المجتمع المصري للتعاطي الإيجابي مع مبدأ عدم قدسية الأرض، وتدريب الأذن وتجهيز المزاج لفكرة التنازل عن التراب الوطني، إذا اقتضت "المصلحة العليا" التي هي بالضرورة مصلحة أصحاب المقام السامي، رؤساء وملوكاً، ومن ثم لا غضاضة في تبادلها، بالبيع والإهداء والعوض، وصولا إلى اللحظة القدس.

بالتوازي مع ذلك، كانت عملية هدم المعنى، وإحراق القيمة التاريخية والثقافية والدينية للمقدس، فكانت ميليشيات الثقافة في نظام عبد الفتاح السيسي، بقيادة يوسف زيدان، تتولى عملية تهويد المسجد الأقصى والقدس المحتلة داخل الوجدان الشعبي، بادّعاء أن لا وجود للمسجد الأقصى في القدس، ومن ثم لا قداسة للمدينة المعلقة على صليب التنازلات والتفريط، فيما كانت المجامع الفقهية في مصر والسعودية تنشط في نزع تصنيف "العدو" عن إسرائيل، وتلصقه بإيران والإخوان المسلمين وحزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية، حتى انتهى بنا الأمر بعائلة ترامب تطير من السعودية إلى حائط المبكى، مباشرة، وفوق رؤوسها طاقية الحاخامات، وفي حقائبها 460 مليار دولار، عربون صفقة القرن، ثم جاءت اللحظة التي يتجوّل فيها صحافي صهيوني في المسجد النبوي في المدينة المنورة، ويلتقط الصور التذكارية بالزي السعودي.

كان المخطط يقوم على إخراج الشعوب العربية من معادلات السياسة والتاريخ والجغرافيا بالقمع والإرهاب والتخويف والإقصاء، فلا تقوى على الهتاف للقدس، ولا يسمح لها بالتظاهر والغضب من أجلها، تنفيذاً للرغبة الصهيونية التي عبر عنها بنيامين نتنياهو، بكل الوضوح، حين قال إن الرأي العام العربي هو العقبة في طريق التطبيع.

ومع الإعلان عن اعتزام ترامب اتخاذ القرار، قرّر "عرب ترامب" توجيه رسالةٍ شديدة الوضوح بخفض مستوى تمثيلهم، على نحو مهين، في القمة الخليجية في الكويت، ثم بعد صدور القرار الأميركي، وجهوا رسالة أشد وضوحاً وبلاغةً، بالإعلان عن مقاطعة كأس الخليج لكرة القدم في الدوحة، وليس ذلك نكايةً في الدوحة، بقدر ما هو خطاب طمأنة لترامب وإسرائيل، من خلال إبلاغ العالم بأنه لا توجد أمة عربية ولا موقف، أو عمل عربي مشترك، لا مؤسسة جامعة عربية، تتداعى لعقد قمة تتخذ موقفاً ضد عدوان ترامب، ولا حتى مجلس خليجي موحد.

ارتباطاً بذلك، يأتي ما كشف عنه مصدر أميركي لمراسل "العربي الجديد" في القاهرة أن السيسي لم يعترض على القرار، وإنما توقيته، طالباً الإرجاء "حتى لا تستخدمه جماعات الإسلام المتشدّد"، وتلك هي الخلاصة: العدو ليس إسرائيل، بل ذلك الإسلام الذي يراه السيسي ورعاته متشدداً.

وربما لن يمر وقت طويل ليقول لك بعضهم: القدس أصلاً إخوان... ما لنا دخل!

ولم لا، فقد فعلوها سابقاً مع غزة.

••••

كتب نزار قباني في أجواء "كامب ديفيد" في 1978:

سرقوا منا الزمان العربي

أطفأوا الجمر الذي يحرق صدر البدوي

علقوا لافتة البيع على كل الجبال

سلموا الحنطة.. و الزيتون.. والليل..

وعطر البرتقال..

فماذا يمكن أن يقول الآن؟

القسم الفرعي
عنوان طويل
القدس أصلاً إخوان
عنوان الموبايل
القدس أصلاً إخوان
الملخص
كان المخطط يقوم على إخراج الشعوب العربية من معادلات السياسة والتاريخ والجغرافيا بالقمع والإرهاب والتخويف والإقصاء، فلا تقوى على الهتاف للقدس، ولا يسمح لها بالتظاهر والغضب من أجلها، تنفيذاً لرغبة صهيونية.
الزائرين
1707
تاريخ النشر
Migration
Editors

ثقافة

صورة
احتجاجات رام الله
دونالد ترامب، أمير الفوضى، يضرب من جديد، بإعلانه الأربعاء 6 كانون الأوّل/ ديسمبر اعتراف الولايات المتحدة الأميركية رسميا بالقدس عاصمةً لدولة إسرائيل. وهو ما طالما أعلن مرشحون لرئاسة الولايات المتحدة الالتزام به من قبل وخلال حملاتهم الانتخابية، غير أنهم جميعا تجنبوا إدخال ذلك الوعد في حيز التنفيذ بعد انتخابهم واعين بأن قراراً من هذا النوع كان ليخالف القانون الدولي، وأن من شأنه إشعال النار بالمنطقة. بالإضافة إلى هذا أعطى ترامب تعليمات لموظفيه بالاستعداد لنقل مقر سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس خلال فترة لم يحدد مداها. يأتي هذا القرار تجسيدا لموقف سياسي غير مسبوق يمثل قطيعة مع تاريخ امتدّ لنصف قرن من الدبلوماسية الأميركية.
وحتى يترك الباب مفتوحا أمام متوهّمي العودة إلى طاولة المفاوضات، أشار ترامب إلى "تصور جديد" للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. يقوم هذا التصور على أن الاعتراف بالقدس عاصمةً للدولة اليهودية، قبل أي اتفاق مع الفلسطينيين، لا يعني أن الولايات المتحدة "تتخذ موقفا بصدد القضايا الحساسة موضع الصراع، بما فيها حدود السيادة الإسرائيلية على القدس، أو ترسيم حدود غير متفق عليها".
بالنسبة لأغلب المعلقين العرب، فإن الولايات المتحدة تفقد، نهائيا، موقعها كوسيط يفترض به الحياد في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وحتى لا يتوافر أي مجال للشك حول هذا في إطار المعنى الذي تعطيه الحكومة الإسرائيلية لتصريحات ترامب، عُرضت صورتان مضيئتان هائلتان للعلمين الإسرائيلي والأميركي طوال فترة إلقائه لخطابه على أسوار القدس العتيقة (وهي أرض فلسطينية محتلة حسب القانون الدولي قام بضمّها الإسرائيليون في 1967). من جانبه، كان ترامب في هذه الأثناء يطالب كلا من الإسرائليين والفلسطينيين بالتزام طريق "التفاهم والاحترام المتبادل". كأنما كان الرجل، وهو يرمي وراء ظهره (الوضع القائم) منذ سبعين عاما، حريصا على مطالبة طرفي الصراع بـ "الحفاظ على (الوضع القائم) في المدينة القديمة". ربما كنا لنضحك أمام عبارة شبيهة، لو لم تكن الآثار المتوقعة عنها تنذر بمأساة.
يأتي هذا القرار بعد شهر من تسريبات دالة ومستمرة ومدروسة بذكاء، بدأت بتلك التي غذّتها
الزيارات المتكررة لجاريد كوشنر، وهو صهر ومستشار ترامب الخاص للشرق الأوسط، إلى الرياض. وفق التسريبات، فإنّ ترامب كان سيقدّم قريباً "خطّته للسلام" في الشرق الأوسط، والتي تشتمل على إخلاء المستوطنات الإسرائيليّة، ويبدو أنّها تراهن على "سلام اقتصاديّ أوّلاً". بعد ذلك، وعلى مدى أيّام، تحمّست وسائل الإعلام الإسرائيلية لموضوع الضغوط السعودية المسلّطة على رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عباس ليقبل بالتفاوض على اتفاق مع إسرائيل يستند إلى الخطّة التي يروّج لها ترامب. وفي منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر، ظهرت قضية إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينيّة في واشنطن، إذ لم تجدّد وزارة الخارجيّة الأميركيّة ترخيصه، الأمر الذي قُرأ على أنّه ممارسة لضغوط جديدة على محمود عباس. ثمّ حصلت البعثة الفلسطينيّة على الرخصة الأميركيّة لكن وفقاً لشروط أكثر صرامة من المعتاد.

ضغوط مشددة على أبي مازن
في عددها الصادر في 3 كانون الأوّل/ ديسمبر، أكّدت نيويورك تايمز New York Times الخطوط العريضة لـ "خطّة سلام" أميركيّة سعوديّة وقد جرى التصديق في اليوم نفسه على وجود خطّة من ذلك النوع وإن بكلمات غير واضحة لجاريد كوشنر خلال مؤتمر استضافه معهد بروكينغز Brookings في واشنطن. ووفقاً لهذه الخطّة، سوف تُعطى للفلسطينيين دولة مكوّنة من عدّة قطع من الأرض منفصلة عن بعضها البعض. ولن تكون القدس عاصمتها وسوف تُبقي إسرائيل سيادتها على نسبة تتراوح من 50 إلى 60% من أراضي الضفّة الغربيّة. كما ستُستبعد مسألة اللاجئين الفلسطينيين تماماً من الاتفاق. باختصار: سوف تُقدّم إلى محمود عباس نسخة من بانتوستان جنوب أفريقيا أيام نظام الفصل العنصري. وأكّدت الصحيفة أيضاً الضغوط الشديدة المُمارسة على عباس لحمله على تقبل الأمر.
تحت تأثير الهوس بالصراع مع إيران، فإنّ الأمير السعوديّ الشاب محمّد بن سلمان، الذي يُسيّر والده الملك، ينوي القيام بكلّ شيء ليعزّز تحالفه الرأسمالي مع إسرائيل. وبغية الوصول إلى جدول الأعمال هذا، فهو بحاجة إلى التخلّص من "الشوكة" الفلسطينيّة في أسرع وقت. وعليه، قد يكون مستعدّاً لتأييد "خطّة السلام" الأميركيّة، فيما يبدو أنّه عرض مبالغ كبيرة على الفلسطينيين للخضوع لها. والسعوديون، كما يشرح ياكوف ناغل، الذي كان مستشاراً للأمن لدى نتنياهو منذ زمن غير بعيد، "لا يهتمّون لمضمون اتفاق" بشأن المسألة الفلسطينيّة، إذ "إنّهم بحاجة فقط إلى أن يتمّ توقيع اتفاق حتى يتمكّنوا من المرور إلى المرحلة التالية" وهي مرحلة التعاون المتظافر مع إسرائيل ضدّ إيران. ويبدو أنّ محمّد بن سلمان قد عرض حتّى على الرئيس الفلسطيني أن يساعده مالياً بصفة شخصيّة، لكنّ الصحيفة لم تحدّد المبلغ المعروض. كما يبدو أنّ عباس قد رفض وعمد إلى إخطار عدّة قادة سنّة (الأتراك والمصريون) ليساعدوه على مقاومة ضغوط الرياض وواشنطن.
وباعترافه بالقدس عاصمةً، فإنّ دونالد ترامب يرفع من مستوى الضغوط على عباس. وهي طريقة ترامب أن يقول للفلسطينيين: "أسرعوا، إما خطّتي أو لا شيء". ويهدف تجديد هذه الضغوط إلى إقناع المسؤولين الفلسطينيين بأنّ الوسيلة الوحيدة للحصول على ما هو أفضل بقليل ممّا تتداوله الشائعات فيما يخصّ مستقبلهم هي الجلوس إلى طاولة المفاوضات وفق هذه الأسس، وإلاّ فإنّهم سيخسرون كلّ شيء (جدير بالذكر هنا أنّ المملكة العربية السعوديّة هي أحد الممولين الخارجيين الأساسيين للسلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الأوروبيين والأميركيين). لكن بتفعيله مسألة القدس (دون انتظار ما تتوصل إليه مفاوضات الطرفين المعنيين) يمسّ ترامب بأحد المواضيع السياسيّة والرمزيّة الأساسيّة في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني؛ وهو إضافة إلى ذلك، رهان دوليّ يتجاوز هذا الصراع في حدّ ذاته. بحكم الأمر الواقع، كانت مسألة القدس، مثلها مثل مسألة اللاجئين، في قلب كافة المفاوضات الرسميّة وغير الرسميّة التي قام بها الإسرائيليون والفلسطينيون منذ 1967.

من التقسيم إلى الضمّ
لمَ تكتسب هذه المسألة أهميّة كبرى؟ إنّ قرار تقسيم فلسطين تحت الانتداب البريطاني إلى
دولتين، واحدة "يهوديّة" وأخرى "عربية"، والذي جرى التصويت عليه في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، يستثني مدينة القدس ويدعو إلى أن تكون "كياناً منفصلاً" (corpus separatum) تحت إدارة أمميّة. إلاّ أنّ الحرب التي تلت إنشاء دولة إسرائيل في 15 أيار/ مايو 1948، شهدت اقتسام اثنين من لاعبيها، إسرائيل والأردن (إمارة شرق الأردن في ذلك الحين)، للمدينة فيما بينهما. استولى الإسرائيليون على الجزء الأكبر من أراضيها فيما بسطت المملكة الهاشميّة سيطرتها على معظم الأحياء العربية بما فيها المدينة القديمة ونواحيها والتي تضمّ ساحة المساجد والأماكن المقدّسة الإسلاميّة (المسجد الأقصى وقبّة الصخرة)، ولكن أيضاً حائط المبكى، من بقايا الهيكل الثاني لليهود. (وقد أُبرِم اتفاق مسبق بين الطرفين لمنع قيام دولة فلسطينية).
منذ عام 1949، وضعت إسرائيل حكومتها وبرلمانها في القدس جاعلةًً منها رسميّاً عاصمتها. وقد اصطدم قرارها هذا بعدم اعتراف المجتمع الدولي. وهو وضع سيتواصل بعد حرب حزيران/ يونيو 1967 التي استولت إسرائيل خلالها على الضفة الغربية، بما في ذلك الجزء الشرقي (العربي) من القدس. وبعد سبعة عشرة يوماً، صوّت الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) على ضمّ الجزء الشرقي من المدينة التي تمّ غزوها حديثاً. وسوف يدين مجلس الأمن في الأمم المتحدة هذا الضمّ في 21 أيار/مايو 1968: "جميع الإجراءات والتدابير التشريعيّة والإداريّة التي اتّخذتها إسرائيل (...) والتي تهدف إلى تغيير الوضع القانوني للقدس، باطلة"، كما ينص. وسوف تصادق الولايات المتحدة على القرار ولن تغيّر هذا الموقف مطلقاً. وعندما قام الكنيست في 30 تموز/يوليو 1980 بالنص في "القوانين الأساسيّة" (القوانين الدستوريّة) لدولة إسرائيل على أنّ "القدس المُوحَّدة" هي "العاصمة الأبدية وغير القابلة للتقسيم لإسرائيل"، أعاد مجلس الأمن التأكيد في مناسبتين (القرار 476 و478) على أنّ تصويت البرلمان الإسرائيلي يشكّل "خرقاً للقانون الدولي"، داعياً "الدول التي أقامت بعثات ديبلوماسية في القدس إلى سحب هذه البعثات من المدينة المقدّسة".
ومنذ ذلك الحين لم تُدحض هذه القرارات. ولا توجد إلى اليوم أيّ سفارة أجنبيّة في القدس. فالمجتمع الدولي لا يعترف، بالإجماع، بالقدس كعاصمة لإسرائيل، لكن برغم ذلك، فإنّ تعاطيه مع المدينة قد تطوّر جزئيّاً، لا سيما الموقف الأميركي. فحتى الثمانينيات، كانت هذه الأخيرة تعتبر أنّ "الوضع النهائي للقدس لا ينبغي أن يُقرّر من جانب واحد وإنّما بالتشاور بين جميع الأطراف المعنيّة". إلا أنّه مع الصعود القويّ لمنظمة التحرير الفلسطينيّة على الصعيد الديبلوماسي، الذي تلا "الاعتراف المتبادل" بين منظمة التحرير ودولة إسرائيل الموقّع في آب/ أغسطس 1993 ضمن اتفاق أوسلو، تمّ القبول عموماً بأنّ المستقبل القانوني للمدينة مرتبط بإبرام اتفاق سلام بين الخصمين اللذين يطالبان بها كعاصمة: الإسرائيليون والفلسطينيون. ومنذ ذلك الحين، أعلنت غالبية دول العالم أنّها إثر توقيع اتفاق سلام، ستعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وستقوم بنفس الشيء بالنسبة لعاصمة فلسطين، إذا ما صادق الاتفاق على هذا الخيار الذي يطالب به الفلسطينيون منذ 24 عاماً. أمّا الولايات المتحدة الأميركية، فقد كان موقفها الرسمي هو أنّ "الوضع الدائم" المستقبلي للقدس ينبغي أن يُتوصّل إليه كنتيجة "مفاوضات ثنائيّة" بين الإسرائيليين والفلسطينيين. في المقابل، صوّت الكونغرس الأميركي عام 1995 على قانون بشأن السفارة في القدس، يُطالب باعتراف أميركي بالمدينة كعاصمة لإسرائيل وبنقل السفارة الأميركيّة إليها. وقد أكّدت هذا الموقف تصويتات عدّة شهدها الكونغرس منذ ذلك الحين.
من جهة أخرى، كانت الإدارات الأميركيّة ترفض دوماً هذا الأمر، ما أبقى الموقف الرسمي
للديبلوماسية الأميركية من دون تغيير، وهو (بخصوص القدس) الامتناع عن دعم أي عمل من شأنه أن يضرّ بـ "مسار السلام". وكان الوضع المستقبلي للمدينة إلى جانب مسألة اللاجئين الفلسطينيين، أكثر ما وضع العراقيل أمام التوصل إلى اتفاق في تموز/ يوليو 2000 خلال المفاوضات التي أجريت في كامب ديفيد بين إيهود باراك وياسر عرفات، برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون. وبشأن القدس، على وجه الخصوص، كان المسؤولون الإسرائيليون قد عبّروا عن نفس الفكرة المطروحة اليوم: تحويل حي أبو ديس، المحاذي للقدس، إلى "عاصمة" فلسطينية. وكان الرفض الإسرائيلي لترك السيادة على ساحة المساجد للفلسطينيين أحد العناصر المحوريّة التي أدّت إلى فشل المفاوضات. بعد ذلك، أجريت مفاوضات غير رسميّة، إحداها أقيمت في طابا (كانون الثاني/ يناير 2001)، والأخرى قادت إلى اتفاق جنيف (كانون الأوّل/ديسمبر 2003). أحرزت تلك المفاوضات تقدّماً بشأن مسألة القدس، لاسيما المفاوضات الثانية التي أفضت إلى اتفاق لتقاسم السيادة على المدينة التي أصبحت "عاصمة للدولتين": لإسرائيل المناطق التي يسكنها اليهود، ولفلسطين المستقبلية تلك التي يسكنها العرب (كما أُبرِم اتفاق مفصّل بخصوص ساحة المساجد ـ جبل الهيكل). لكنّ هذه الاتفاقات لم تحظَ أبداً بدعم رسمي.
وهكذا، باعترافه بالقدس كعاصمة لإسرائيل، فإنّ دونالد ترامب لا يدير ظهره لسياسة خارجية أميركية ثابتة منذ عقود فحسب، وإنّما يدير ظهره للقانون الدولي إذ إنّه يخرج عن الإطار الذي تبنّته قرارات عدّة لمجلس الأمن. ولن يندهش من ذلك أحد، إذ إنّنا منذ انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من COP21 والرفض، بحكم الأمر الواقع، للاتفاق النووي الموقّع مع طهران (والمسجّل في قرارين أمميين)، قد عرفنا وزن التعددية الديبلوماسيّة الدولية من وجهة نظر ترامب.

التبشير عن بعد، و"التنكيل" بالأمم المتحدة
تتصف شخصية ترامب بالثنائية، ولا تعرف إلاّ "استراتيجيّة" الفرض الفظ للقوّة. ليس مرد ذلك إلى كونه لا يعرف التراجع إذا لزم الأمر – لقد فعل ذلك أكثر ممّا نتصور في حياته كرجل أعمال – لكنّ نزعته الأولى تتمثّل دوماً في فرض ميزان قوى أمام العدوّ أو المنافس أو حتّى الحليف. ومن جهة أخرى، فهو مدفوع في إدارته للحياة العامّة كما في السياسة الخارجيّة، بأولويّات وتوقعات قاعدته الانتخابيّة. ومن وجهة النظر هذه، فإنّ إدارة الظهر للقانون الدولي أمر شبه محتّم! فنواة المستهدَفين بالنسبة له مكوّنة من إنجيليين وقوميين أميركيين، أي من الشريحة التي يمثّل لها الـ"UN bashing" (التنكيل بالأمم المتحدة) رياضة قتاليّة، فيما تشكّل تعدّديّة الأطراف بالنسبة إليهم عائقاً لا يُحتمل أمام سيادة الولايات المتحدة الأميركيّة. باختصار، فإنّ النواة الصلبة لناخبيه هي الأكثر تأثراً بشعار "أميركا أوّلاً". وبعد COP21 وإيران، يؤكّد ترامب اليوم على تعهّداته الانتخابيّة بشأن الملف الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وهو أمر لا يمكن إلاّ أن يُبهج قاعدته الانتخابيّة. أمّا بالنسبة للمشهد السياسي الداخلي، فليس لترامب الكثير ليخشاه: مجلس الشيوخ ومجلس النواب مؤيدان بوضوح لما يقوم به في موضوع القدس.
قبل خطابه الأربعاء، كان ترامب قد دعا رئيس السلطة الفلسطينية إلى زيارته في واشنطن، غير أن عباس أجاب بأنه "لم يكن لديه وقت". ومنذ انتشرت الشائعات الأولى، قام الملك عبد الله ملك الأردن ومسؤولون عرب عديدون بتحذير البيت الأبيض من مخاطر الانفجار الإقليمي إذا ما أعلن رسميّاً اعترافه بالقدس عاصمةً للدولة اليهوديّة. وأن قرارا من هذا النوع خارج على كل الأعراف والاتفاقات الدولية مع الفلسطينيين. كما أعلنت حركة حماس الفلسطينيّة، التي لا تعوزها أبداً التهديدات الخاوية، "انتفاضة جديدة" في هذه الحالة. وبينما توقّع أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربيّة، المنظّمة التي تحتضر منذ انطلاق الحرب في سوريا، أنّ القرار الأميركي سوف "يغذّي التطرّف والاحتكام إلى العنف" في العالم العربي، وكذا قامت ممثليات أوروبية بتبليغ واشنطن بمقدار خطورة قرارها أحادي الجانب. حتى الملك سلمان رأى أن من المفيد التذكير بأنه أشار على الرئيس ترامب بأن قراره ليس إلا "إثارة لمشاعر المسلمين". الاتحاد الأوروبي عبر أيضا عن قلقه، حيث اتصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنظيره الأميركي ليعرب عن تحفّظاته. وفي الولايات المتحدة، كان قد اعتبر (بشكل مسبق) أن إعلان ترامب "غير مدروس"، وأنه سيضيف مزيدا من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط".
لكنّ الرئيس الأميركي لم يستسلم. فإدارة ترامب يمكنها أن تقدّر، من وجهة نظرها، أنّه لم
يسبق للظرف أن كان مواتياً بقدر ما هو الآن لإجراء تغيير جذريّ بالموقف في الشرق الأوسط: لم يسبق لإسرائيل منذ الخمسينيات أن كانت بهذه القوّة، متمتّعة بخيارات تحرّك واسعة وبإفلات مذهل من العقاب في كلّ مرّة، في وقت لم يسبق فيه للفلسطينيين أن كانوا أكثر وهناً. فمنذ فشل الانتفاضة الثانية (2001-2006)، والفلسطينيون المحاصرون والخاضعون أكثر من أيّ وقت مضى لإرادة المحتل الإسرائيلي الذي يضاعف المستوطنات والعوائق اليوميّة أمام إمكانية قيام حياة عاديّة لهم، عاجزون تماماً عن فرض أي تغيير في التوجّه على إسرائيل. إضافة إلى ذلك، فبين المواجهة الجيو استراتيجيّة بين الرياض وطهران والحرب في سورية وظهور الجهاد الراديكالي وتعدّد المواجهات المسلّحة ووضعيّات الفوضى المحيطة، لم يسبق للقضية الفلسطينية أن كانت أكثر تهميشاً ممّا هي عليه اليوم في المحيط العربي. وهو الأمر الذي يثبته موقف محمد بن سلمان إلى حدّ السخرية. وأخيراً، لم يسبق لإسرائيل أن أقامت مع قوى عربيّة من الصفّ الأوّل، مثل المملكة العربيّة السعوديّة ودولة الإمارات الخليجية ومصر، علاقات قرب وتفاهم واضحة بهذا القدر وقائمة على مصالح ظرفيّة متقاربة.
قد يجد ترامب والأمير بن سلمان فلسطينياً مُستعدّاً لقبول سلام بالشروط التي ذَكرَتها الشائعات المتداولة مؤخّراً. والاسم الذي يتكرّر كثيراً بهذا الخصوص هو محمد دحلان، أحد المقرّبين من المسؤولين الإماراتيين والذي كانت صلاته بالـ "سي آي ايه" حين كان رجل فتح القويّ في غزّة، معروفة للعموم. قد يكون هذا الرجل، أو غيره، مستعدّاً أن يحكم دولة متآكلة ومتناثرة الأطراف، يمكنه فيها التنقل من حاجز إسرائيليّ إلى آخر ويسمّيها فلسطين وأن يوقّع "سلاماً" مع إسرائيل بشروطها. لكنّ مأساة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سوف تتعمّق على المدى الطويل، لأنّ "خطّة ترامب" تعادل استسلاماً فلسطينيّاً وتخلّي بين شعب وبين تاريخه من دون أي تعويض سوى بعض الملاليم.
يمكننا أن نتفهّم أن ترامب، وهو رجل الأعمال الذي يعتقد بأنّه من الممكن "شراء" مسؤولين فلسطينيين كي يُخضعوا شعبهم إلى رغباته. فقط نُذكّر أولئك الذين يعتقدون بأنّ طرحاً كهذا واقعيّ، أنّ الإسرائيليين كانوا يحاولون طيلة سنوات الاحتلال العشرين الأولى بعد حرب حزيران/ يونيو 1967 إيجاد فلسطينيين من بين الوجاهات المحليّة والمسؤولين الدينيين في الضفة الغربية وغزة، مستعدّين للعمل كتابعين، خاضعين ومنصاعين. وقد وجدوا بعضهم إلى أن انفجرت الانتفاضة الأولى في عام 1987، والتي حملتهم على أن ينسوا هذا الوهم ويعترفوا بمنظمة التحرير الفلسطينية كمحاور وحيد ممكن.
يمكننا أيضاً أن نتفهّم أنّ ترامب، معتمداً على ركيزتيه، إسرائيل والمملكة العربية السعودية، ينوي أن ينشر جبهة موحدّة بين سنّة وإسرائيليين في مواجهة "الخطر" الإيراني الذي ساهم هو نفسه في وضعه من خلال شيطنته عوضاً عن القبول بالتفاوض معه. وعلى الرغم من ذلك، كان ينبغي للعمليات التي قام بها الحليف السعودي إلى الآن، أن تحمل ترامب على التفكير. فـ "الأمير الصغير" محمد بن سلمان يتنقل حتى الآن من خيبة أمل إلى فشل: في حربه في اليمن، وفي صراعه مع قطر، وأيضاً مؤخّراً في تدخّله الكارثيّ في لبنان ضدّ حزب الله، حيث لم يؤدّي سوى لتعزيز وزن "العدو" الشيعي. فمن يدري أي تداعيات مغايرة لآمال الأمير الشاب، قد تنتج في المحيط الإسلامي عن إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، بما في ذلك داخل مملكته نفسها، وهي الهشّة أكثر ممّا نتصوّر.
(ترجمت هذه المادة عن الفرنسية: بديعة بوليلة) 
القسم الفرعي
عنوان طويل
إعلان ترامب يطيح بنصف قرن من السياسة الأميركية
عنوان الموبايل
ترامب والسياسة تجاه القدس
الملخص
أعلن دونالد ترامب عن اعتراف بلاده بالقدس عاصمةً لدولة إسرائيل 6 كانون الأول/ديسمبر. هذه القطيعة التاريخية مع السياسة الأميركية ومع التوافق الدولي حول هذه القضية طوال الخمسين عاما الأخيرة تعد مشاركة من الرئيس الأميركي في استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط
الزائرين
539
تاريخ النشر
Image caption
احتجاج في رام الله ضد قرار نقل السفارة (7/12/2017/Getty)
Migration
Editors
صورة
كاريكاتير حداد القدس / حجاج
تظل قضية القدس  من قضايا الأمة التي يجب أن تفجر طاقاتها، ومن المؤسف أن نتعامل معها باعتبارها قضية موسمية، ننفعل بمشاهد الانتهاك، أو التهويد، أو لتدنيس باحات المسجد الأقصى من المستوطنين، أو بصدد قرار هنا أو هناك، وجديدها القرار الذي يمارس فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أقصى بلطجته وغطرسة غروره وقوته، فيصدر ذلك القرار متحدّيا ومستنفرا في آن كل شعوب الأمة الإسلامية والعربية، بمسلميها ومسيحييها، مساجدها وكنائسها، مدن العرب وعواصمهم قبل مدن فلسطين الحبيبة.
القدس ميزان المقاومة وميزان عزة هذه الأمة. حينما تكون الأمة في قوتها تكون القدس في عزّتها، وحينما تهون النظم العربية، وتتهاون مهرولة ومطبعة ومتراجعة ومنسحبة ومتساهلة ومهدرة للحقوق، وهي بذلك تكون في أضعف حالاتها، وتجعل من سيدها ترامب، بعد أن أخذ أموال هؤلاء، يُهدي أرض العرب وقدس أقداسها لتكون عاصمة للكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين ومحتل أراضيها.
ومن المؤسف حقا أن يصف ترامب غطرسته هذه شجاعة منه، على خلاف الرؤساء الأميركيين الذين تراجعوا، يقول ببلطجة معروفه عنه، إن هذا القرار تأخر كثيرا. وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية تحذره من ذلك، إلا أنه لا يأبه لتحذيراتهم، لسببٍ بسيط، أن معظم الرؤساء والملوك العرب سبق له قبل إصداره القرار أن تحدث إليهم، معلما إياهم أو ممليا قراره عليهم، بجعل القدس عاصمة لإسرائيل، واعتبروا أن مجرد قولهم أن ذلك يهدّد الأمن والاستقرار شهادة إبراء للذمة، وكأنهم فعلوا ما عليهم. هكذا كانت ردود الفعل الباهتة التافهة حيال قرار تاريخي وجوهري اتخذه ترامب لمصلحة هذا الكيان الصهيوني الذي يصفه بقوله "إن إسرائيل الديمقراطية دولة ذات سيادة من حقها أن تختار عاصمتها"، ويحرم فلسطين من هذا الحق الذي هو لها، بحكم التاريخ والجغرافيا والحقوق الكلية، كما يقرّر التاريخ.
هذا وبكل بجاحة، يضيف إن قراره هذا لا يعني فك التزامه بالسلام. ما يريده ما هو إلا 
الاستسلام، طبعة خاصة يمكن ترجمتها في تصورّه صفقة القرن، حماية إسرائيل واستغلال الوهن العربي الفاضح، وليس هناك أفضل من هذا التوقيت، ليعلن فيه هذا القرار، ليكشف، وبحق، عن عورات الأنظمة المستبدة التي لم تعد تملك إلا انبطاحا وانصياعا وإذعانا يوفر بيئةً ملائمةً لهذا القرار الصهيوني.
قرار ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس هو إعلان جديد عن حقائق معلومة منذ زمن بعيد، كما يؤكد على ذلك محمد عصمت سيف الدولة، أهمها: موت ما تسمى عملية السلام الفلسطيني الإسرائيلي. وموت اتفاقيات أوسلو. ونهاية أوهام انسحاب إسرائيل من أي أرض محتلة أو قبولها بدولة فلسطينية على حدود 1967. وفشل صارخ للسلطة الفلسطينية، وانتهاء دورها، وسقوط رهاناتها، هي ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ 1993. وفضح كل الأضاليل التي تدّعى أن هناك فرقا بين أميركا وإسرائيل، وتدّعى أنها وسيط نزيه بينما هي العدو الرئيسي. وكذلك هو إعلان جديد وإضافي عن سقوط النظام الرسمي العربي، وعجزه، وفشله في حماية أي حقوق فلسطينية أو عربية، بل وتواطؤ هذا النظام مع أعداء الأمة على ضياعها والتفريط فيها. ونتيجة محتومة لمعاهدات الصلح مع العدو الصهيوني والاعتراف بشرعيته الباطلة، وللتبعية من الأنظمة العربية للولايات المتحدة. وفيه أيضا فضح لكل الحكام العرب في مصر والسعودية وغيرهما الذين روّجوا ما سميت "صفقة القرن".
ومن ثم، يصير تساؤله مشروعا ومهما: كيف يمكن أن يكون ذلك نقطة تحول في ساحات الصراع العربي الصهيوني، تعيد الاعتبار إلى خيار المقاومة والكفاح المسلح، وتعيد الحياة للحراك الشعبي العربي المناهض للكيان الصهيوني، وكذلك للولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة؟ تحتاج القدس أعمالا وأفعالا، وليس مجرد شجب وأقوال، أو قلق وتحذير. القائمة التي انتشرت على وسائل التواصل، باعتبارها قائمة أفعال الحد الأدنى تحت عنوان القدس تنادي، يجب أن تصاغ في شكل آليات متراتبة ومتراكمة، تعلن غضبا مؤثرا وفعالا، يحرّك كل معامل الغضب في الأمة التي يستهان بحقوقها وشعوبها:
سحب اعتراف دولة فلسطين (الافتراضية) بإسرائيل. قطع كل أشكال الاتصال مع سلطات الاحتلال، لا سيما التنسيق الأمني الكارثي. قطع كل أشكال الاتصال والعلاقة الفلسطينية مع إدارة ترامب. إعلان فلسطين القاضي بكف يد إدارة ترامب في "عملية السلام" بشكل نهائي. رفع شكوى في مجلس الأمن ضد الولايات المتحدة لخرقها القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، فيما يتعلق بالقدس الشريف. تفعيل كل الشكاوى وجرائم الحرب ضد دولة الاحتلال في المحكمة الدولية. إتمام المصالحة الوطنية بكل تفاصيلها، بما فيها ما يتعلق بإعادة بناء منظمة التحرير والمجلس الوطني الفلسطيني. تأسيس وإطلاق مقاومة شعبية سلمية فلسطينية ضد الاحتلال لا تنتهي إلا بانتهاء الاحتلال. مطالبة الدول العربية والإسلامية بالالتزام بقرارات قممهم بخصوص قطع العلاقة مع إدارة ترامب لاعترافها بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال. الاستجابة لدعوة تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان إلى حشد العالم الإسلامي كله ضد القرار الأميركي وتهويد القدس، وإطلاق مظاهرات أسبوعية ضخمة في كل جمعة ضد السفارات والقواعد العسكرية الأميركية في العالم. مطالبة دول العالم وشعوبه برفض القرار الأميركي، وتفعيل حملات المقاطعة الشاملة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ودولة الفصل العنصري (الأبارتهايد).
الاستعداد فلسطينياً لمعاناة طويلة، آخرها الحرية والكرامة والاستقلال.
تؤكد الحقيقة الكبرى أن القدس ليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها تفريطا من هؤلاء الذين ينتسبون لهذه الأمة، ويتحكمون في الشعوب جبرا وقسرا وقهرا. وحقيقة الأمر أن القدس،
 باعتبارها رمزا للمقاومة، هي في قلب عملية التغيير والثورات العربية التي يجب أن تستمر على تلك الأنظمة التي استأسدت فقط في معركتها في الثورة المضادة، في محاولتها القضاء على الثورات العربية، وصار مثلث الطغاة (الأنظمة العربية) والغزاة (تمثلهم حاليا الولايات المتحدة الأميركية) والغصب الصهيوني عنوان اغتصاب القدس، هذه المرة ومراتٍ أخرى سبقتها.
والأمر يعني أن القدس تعطي الدرس البليغ أن الثورات العربية واحدة، وأن القضية الفلسطينية والمقاومة التي تدافع عن هذه الحقوق في مواجهة أي غاصبٍ هي في قلب تلك الثورات، وفي قلب عملية التغيير الشاملة المقبلة، ليتأكد أن الأمر جد لا هزل، وأن الثورات العربية هي ثورات للحفاظ على القدس وفلسطين، وأن هؤلاء من فرّطوا وانبطحوا وهرولوا، لابد أن يكونوا محلا لتغيير كبير، سيحين موعده. ويتحقق الأمر الذي يتعلق باستعادة تلك الثورات، واستعادة المقاومة لحيويتها واستعادة القدس وعزتها، إنه العمل الكبير الذي يحتاج رؤية استراتيجية جامعة في مثلثٍ يواجه ذلك المثلث الغاصب بمثلث مقاوم، يتمثل في الثورات، والمقاومة، والقدس.
القسم الفرعي
عنوان طويل
القدس ميزان المقاومة
عنوان الموبايل
القدس ميزان المقاومة
الملخص
القدس تعطي الدرس البليغ أن الثورات العربية واحدة، وأن القضية الفلسطينية والمقاومة التي تدافع عن هذه الحقوق في مواجهة أي غاصبٍ هي في قلب تلك الثورات، وفي قلب عملية التغيير الشاملة المقبلة.
الزائرين
753
تاريخ النشر
Migration
Editors