الحوثيون وخيارات الاستقرار

30 مارس 2015
الصورة
العنف يدّمر ما تبقى من اقتصاد اليمن (أرشيف/getty)

في بلد يقل دخل الفرد فيه عن 1400 دولار، ولا يتجاوز فيه إجمالي الناتج المحلي 62 مليار دولار، ويقارب عدد سكانه 25 مليون نسمة، يصبح الاستقرار السياسي عاملاً مهماً لإخراج مواطنيه من الفقر المدقع إلى الحياة الكريمة.

وبالتالي فالجلوس إلى طاولة المفاوضات يصبح هو الخيار الأفضل بالنسبة لليمنيين، بما في ذلك "جماعة الحوثي" التي زرعت الفوضى في أنحاء البلاد مستفيدة من الدعم المالي والتسليح والتدريب الإيراني. فإيران تحيي "دولة الطائفة" وتقتل "دولة المواطنة" القائمة على التعايش السلمي بين الديانات والأعراق والقبائل.

لقد جرب هذا النموذج في لبنان ونجحت فيه، وتمارسه الآن في العراق، وكادت أن تمزق البحرين، وحينما فشلت اتجهت إلى اليمن. كل هذا في سبيل استعادة "إمبراطورية فارس" على أنقاض العرب.

وبالتالي كان لا بد من التصدي للمد الإيراني في اليمن، لأن اليمن دولة إستراتيجية من حيث موقعها في عبور شحنات الطاقة والتجارة إلى العالم والدول العربية. من هذا المنطلق انطلقت "عاصفة الحزم" التي دخلت يومها الخامس، لتضع "مليشيا الحوثي" الموالية لإيران، بين خيارات الانحياز إلى مستقبل اليمن والقبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، أو ارتكاب ذات الخطأ السابق، وهو الاستمرار في التمرد على الشرعية وزرع الفوضى وتمزيق اليمن وتحويله إلى فضاء مفتوح للإرهاب.

 فإيران التي تعتمد عليها "مليشيا الحوثي" مشغولة في الوقت الراهن بمفاوضات" الملف النووي" في سويسرا. وتوقعات الخبراء الغربيين، تشير إلى أنها في الغالب ستضحي بـ"مليشيا الحوثي" في سبيل المصالح المادية الضخمة التي تأمل أن تجنيها من رفع الحظر المالي والاقتصادي على تجارتها وطاقتها.

 فـ"الحوثيون"، هم في النهاية يمنيون وسيدفعون "الفاتورة الباهظة" وليس إيران. ينبغي عليهم أن يغلبوا مصلحة اليمن على مصلحة" الطائفة". كما أنهم شركاء فاعلون في صناعة مستقبل اليمن إذا رضوا بالشرعية بديلاً عن النزاع المسلح.

وفي الجانب الخليجي، يجب أن يفهم أن الهدف الرئيسي للسعودية وشركائها في الحملة الجوية هو منع تحول اليمن إلى "عراق جديد" أو فضاء مفتوح يتحرك فيه الإرهاب وتتمدد فيه إيران لتحقيق أطماعها في الخليج والسيطرة على ممرات الطاقة والتجارة. والعملية برمتها يجب أن تسير في إطار مساعدة "الحل السلمي عبر المفاوضات"، وليس هزيمة هذا الطرف أو ذاك وإنما حملة من أجل "استقرار اليمن".

ومن دون الاستقرار السياسي، لن تتمكن اليمن من تحقيق النمو الاقتصادي وتحصد ثمار الثورة الشعبية العارمة ضد نظام المخلوع علي عبدالله صالح الذي أفقر خلال عقود المواطن اليمني ونهب ثروات البلاد، وتركها عالة على الهبات والمعونات وتحويلات أبنائها في السعودية ودول الخليج.

ومنذ أن بدأ انقلاب الحوثيين على الشرعية، خسرت اليمن جل دخلها النفطي، فقد انخفض الدخل النفطي بنحو 892 مليون دولار في أول 11 شهراً من العام الماضي إلى 1.580 مليار دولار، مقارنة مع 2.472 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2013. وذلك حسب البيانات الحكومية اليمنية. كما أن أعمال التخريب المتواصلة التي تعرض لها أنبوب النفط الرئيسي الواصل بين حقول الإنتاج في مأرب، ومصفاة التكرير في محافظة الحديدة غربي البلاد، تسبب في ضائقة الوقود في مدن اليمن.

وفقدت اليمن منذ انطلاق الفوضى، حتى الدخل القليل الذي كانت تحصله من النفط، إذ غادرت الشركات النفطية الأجنبية البلاد. وتعتمد اليمن بنسبة 63% في الدخل على النفط.

وحسب إحصائيات برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة الأخير، فإن 46% من سكان اليمن لا يجدون الغذاء الكافي.

وهذه النسبة تساوي أكثر من 10 ملايين شخص من إجمالي عدد السكان البالغ 24.8 مليون نسمة. وذلك حسب إحصائيات البنك الدولي الأخيرة.

فالاقتصاد اليمني بحاجة ماسة إلى الاستثمارات، ولديه جالية من الأثرياء في السعودية ودول الخليج، يمكن أن تساهم بفعالية في إنعاش الاقتصاد، إذا توفر الاستقرار السياسي. وحسب إحصاءات البنك الدولي، فإن دخل الفرد اليمني في العام يقدر بنحو 1361 دولار.

 وهذا دخل ضئيل جداً مقارنة بمتوسط دخل الفرد في الدول العربية المقدر بنحو 7400 دولار. كما أن النفط اليمني يتجه نحو النفاد، فقد انخفض الإنتاج من 180 مليون برميل في عام 2012 إلى 133 ألف برميل بنهاية العام الماضي، والآن شبه متوقف.

ويعيش في اليمن نحو 13.1 مليون شخص تحت خط الفقر، وهم لا يجدون المياه النظيفة والصرف الصحي وهنالك أكثر من عشرة ملايين مواطن يمني غير مشمولين بالرعاية الصحية. كما يبلغ عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية نحو مليون طفل وعدد السكان المشردين أكثر من 300 ألف فرد. وهذه الإحصاءات نشرتها الأمم المتحدة في العام الماضي.
 
وبالتأكيد فإن الحال في اليمن أزداد سوءاً منذ أن بدأت "مليشيا الحوثي" ضرب الشرعية وزرع الفوضى وإشعال الحرب الأهلية.

أمام هذه المآسي والإفقار ومخاطر الحرب وقلة الموارد، يبقى مستقبل اليمن في الاستقرار السياسي الذي سيجلب الاستثمارات ويحرك عجلة الاقتصاد ويدفع اليمن نحو بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة وليس الطائفة أو القبيلة أو العرق.


اقرأ أيضاً:
يمنيون عالقون في مطارات العالم