مرويات الخوف والموت عند اليمنيين

30 مارس 2015
الصورة

"لم ينم ابني محمد طوال الليل، حاولت تهدئته ووالده، ولكن قلبه الصغير حين أمسكت صدره يكاد أن ينتفض من داخله" هكذا ذهبت ميمونة عبد الله وهي تحكي لنا تفاصيل شعورها خلال أول أيام الغارات الجوية لعاصفة الحزم في صنعاء.

تضيف ميمونة: سألني محمد لماذا الحرب يا ماما؟ أنا اكره الحرب! وتتابع.. بعد صلاة الفجر قلت لطفلي كل سنة وأنت طيب يا حبيبي، وطبعت قبلة حزينة على خده، لقد تزامنت تلك الليلة مع عيد ميلاد محمد (6 أعوام)، أما والده فقد أردف: عيد ميلاد سيء.

لم يعد هناك ليل في يوميات الشاب العشريني عبد الله الدبعي، يتحدث عبد الله قائلا: القصف وأصوات الانفجارات وحدتنا في الخوف وساوت بين ليلنا والنهار.
متابعا: قلق شديد يتملكني كلما سمعت القصف خوف على النفس والأهل والأصدقاء وإخوة الدم، والوطن المثخن بالجراح من الأبناء قبل الإخوة، أعرف أحد الجيران يتماسك كل ليلة هو وزوجته وأطفاله وينتظرون برعب مجيء الصباح ليناموا.

"إنه الصباح، حان وقت النوم" بهذه الجملة تحدث ميمونة نفسها بعد أن تغيرت المعادلة عندها هي الأخرى، لم يقتصر هذا الشعور لدى عبد الله وأم محمد ومعهما بقية الناس في صنعاء، ولكن الأمر أصبح سائداً لدى أسرة أكرم الجبيحي في محافظة تعز، والتي شملتها غارات عاصفة الحزم.

"هناك ذعر كبير في أوساط السكان بالمدينة"، يؤكد أكرم أن المواطنين، رغم طمأنتهم بعدم استهداف المدنين والأحياء السكنية، لكنهم يتخوفون من أن تصل إليهم غارة عشوائية، ولذلك قرر أغلبهم النزوح من المدينة إلى ألأرياف عند أقاربهم ومعارفهم.

الموت الراجع
حاول الوالد أحمد المخلافي خلال أول يومين من بدء الغارات العسكرية، أن يطمئن ابنته شيماء ذات الأعوام الخمسة، بأن الأصوات التي تسمعها تحدث بعيدا عن منزلهم، هناك خارج صنعاء، ولكنه في السابعة من مساء اليوم الثالث سقط مضاد طيران راجع على سطح منزله بالقرب من مقر قيادة الفرقة الأولى مدرع.

لا يتخوف السكان الآخرين من غارات عاصفة الحزم نفسها، بقدر ما يتخوفون من مضادات الطيران الراجعة.
يقول الحاج محمد الهاشمي إنه اضطر إلى مغادرة منزله المجاور لموقع يتمركز فيه مسلحو الحوثي وسط الحي، وذلك لأن ابنه الأصغر 5 سنوات يصاب بنوبة ذعر وبكاء يستمر حتى الصباح، كلما بدأ القصف وأطلقت مضادات الطيران التي توسع نطاق القصف أكثر مما تصده أو تشوش على أهدافه، وهكذا أصبحت أصواتها أكثر ما يثير الخوف والإزعاج عند المواطنين.

تشير إلى ذلك أستاذة الإعلام بجامعة صنعاء، الدكتورة بلقيس علوان، حيث توضح أن الناس ربما تعودوا طوال الفترات الماضية التعايش مع الحرب، لكن المرعب هذه المرة لأي أم أو طفل هو أصوات هذه المضادات والغارات الجوية، التي جعلت كل مواطن يتوقع بأنه في مرمی قذائف السماء في أية لحظة.

واحدة من مضادات الطيران الراجعة سقطت في أكثر أحياء صنعاء تكدسا بالسكان (شارع هائل)، لكنها لم توقع أضرارا بشرية، يقول عقيل العيسائي، الذي يسكن في نفس الحي، مضيفا أنه شعر "بالفاجعة وقت سقوطها، أيقنت باني سألقي حتفي في تلك الليلة، ولم أقوى على سماع أصوات النساء والأطفال وهم يشهدون ويكبرون".

لا أحد يمكنه أن يتنبأ بالمصير المجهول الذي ينتظره، يعمل صالح السلامي مشرفا أمنيا على مكاتب إحدى الشركات الخاصة، وينام الليل في الطابق السابع، ولكنه خلال اليومين الأخيرين تضاعف شعوره بالقلق وهو يسمع ويرى الغارات التي تهز أصواتها أرجاء المبنى والنوافذ.

كما لم تعد تعرف الشابة "يسرى الغولي" هل تلك الغارات إنقاذ لها من واقع مرير أم هي بداية النهاية؟
تسال يسرى نفسها كل مساء، هل تصبح حية أم يأتي اليوم الجديد عليها وهي جثة تحت الركام؟ بينما يرى عبد الله المنصوري، أن أكثر ما يؤلمه تفكيره بمستقبل طفله الوحيد ونظراته البريئة للحياة، وكذلك عبد السلام القيسي الطالب الجامعي الذي يتابع ما يحدث ويؤكد أن شعور الخوف الذي تسلل إليه أول مرة قد تلاشى.

الأسئلة العالقة
الحياة اليومية لليمنيين، على مدار الأيام الماضية، تذكّر الشابة العشرينية "سحر علوان" بحكايات طفولتها، تقول سحر: عندما كنا أطفالا، كنا نرى الطائرات ونلوح بكل فرح صوب السماء، نحاول أن نهتف بأعلى أصواتنا طائرة طائرة، حينها كان يُهيأ لنا أن من بالطائرة يفرحون لرؤيتنا أيضا ويلوحون.


أما اليوم فتوضح سحر، أن مجرد سماعها لهدير الطائرات يُهيأ لها وكأن موكب الموت هو القادم نحوها ويلوح لها.

ويتساءل معها عبد الله الدبعي، ما هو الشيء الأكثر مرارة من هذا الوجع الذي ينتابني، أتوجع كثيرا لأن بلادي أضحت هدفا لنيران الإخوة.

طوال الأربعة أيام الماضية، أضحت حركة الناس مشلولة في صنعاء وبقية المدن، المحال التجارية أغلقت أبوابها، توقف العمال وأصحاب المهن، وكذلك الموظفون الإداريون، كما بدت شوارع صنعاء شبه خالية تماما، إلا من وسائل النقل الجماعي لموجات النازحين. وتعطلت المدارس والجامعات، وأصبح أقصى ما يحلم به أي مواطن يمني يريد السفر والعلاج في الخارج أو مواطن يمني عالق في أي مطار بالعالم أن يرى مطار صنعاء وهو صالح للهبوط والإقلاع بعد أن تم تدمير مدرجه الرئيسي.

شبح الحرب التي قد تدمر الأخضر واليابس هو العنوان العالق في أذهان اليمنيين اليوم، وهذا ما جعل عبد الله العلفي يقف ضمن طابور طويل أمام محطة البنزين لتزويد سيارته بأضعاف ما يستهلكه كل يوم، حيث أوضح لـ"العربي الجديد" أنه يريد أن يضمن ما يحتاجه في أسبوع كامل، وعلى طريقته ذهب البقية لشراء المؤن الغذائية والاستعداد للحرب.