مشروع حاكم عسكري لنينوى بذريعة منع مشاريع التقسيم

20 أكتوبر 2016
الصورة
استوعبت القوات المهاجمة ردّ فعل "داعش" (أحمد الربيعي/فرانس برس)
+ الخط -
أنهت معركة الموصل يومها الثالث، أمس الأربعاء، والذي بدا أطول من الأيام التي سبقته بسبب الهجمات الارتدادية لتنظيم "داعش" التي سعى من خلالها لوقف تقدم عشرات آلاف الجنود على معقله الرئيس الوحيد في العراق، في الوقت الذي كشفت مصادر سياسية في بغداد عن طرح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على قيادات سياسية مختلفة مشروع تسمية حاكم عسكري على محافظة نينوى، ومركزها الموصل، على أن يخضع لسلطة بغداد ويتولى شؤون إدارة الموصل وباقي مدن محافظة نينوى بشكل مؤقت استناداً إلى قانون الطوارئ العراقي لسنة 2005 المعدل. وجاءت هذه التسريبات بالتزامن مع الاجتماع الوزاري، المقرر اليوم الخميس، في فرنسا للإعداد لمرحلة "ما بعد الموصل"، وذلك بالتنسيق مع الحكومة العراقية.

وفقاً لقيادي بارز في التحالف الوطني العراقي، فإن "العبادي طرح في اجتماع التحالف الوطني، الذي ضمّ قيادات سياسية ورؤساء كتل وأحزاب مختلفة، ليلة الثلاثاء الماضي، مشروع تسمية حاكم عسكري على الموصل بعد تحريرها من داعش. على أن يتولى خلالها إدارة شؤون الموصل ومدن نينوى بشكل مطلق. كما يتبع الحاكم بغداد لمنع أي مشاريع تقسيم سياسية للمحافظة أو مخططات استحواذ إقليم كردستان على المناطق الحدودية التابعة لنينوى، تحت مسمى (المناطق المتنازع عليها) وللتعامل مع أي تدخل خارجي"، في إشارة من القيادي للوجود التركي قرب بعشيقة (30 كيلومتراً شرق الموصل).

وأكد القيادي، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "المشروع لاقى استحساناً وترحيباً من قيادات التحالف الوطني، خصوصاً الجناح الراديكالي داخل التحالف الموالي لإيران". وتوقع أن "يؤدي المشروع وطرحه بهذا الشكل إلى مشاكل سياسية مع أربيل، قد تنسف الاتفاق العسكري الحالي حول معركة الموصل وضواحيها. كما أنه يعتبر عملية إقالة لحكومة نينوى المحلية الحالية، خصوصاً أن الحكومة الكردية في إقليم كردستان لديها حساسية من هذا الموضوع، وإرث صعب إبان حكومة (نوري) المالكي".

ويحتاج المشروع إلى موافقة ثلث البرلمان العراقي، وهو ما قد يتمكن العبادي من الحصول عليه، مع خروج المشروع للعلن رسمياً عقب الساعات الأولى من السيطرة على قلب الموصل وإعلان سقوط حكم "داعش" فيها.
بدورها، أكدت مصادر سياسية أخرى في بغداد المعلومات، إلا أنها رفضت تسميته بـ"المشروع"، معتبرة بأن "الموضوع كان من بين حلول عدة اقترحها رئيس الوزراء، للتعامل مع ملف الموصل في مرحلة ما بعد داعش، ولقي ترحيباً من أطراف التحالف".



من جهته، أشار أحد أعضاء حزب الفضيلة العراقي، أحد كتل التحالف الوطني، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الحاكم العسكري ستكون له على أقل تقدير فرقتان عسكريتان تحت إمرته، لتثبيت أمن نينوى واستقرارها ومنع أي حركة لفرض أمر واقع خارج الدستور والقانون".

من جهته، علّق قيادي بالتحالف الكردستاني، على هذه المعلومات لـ"العربي الجديد"، بالقول: "بالنسبة لنا، إن أي خطوة تتخذها بغداد بهدف الإخلال بالاتفاق الموجود بيننا، سيرتد سلباً عليها وعلى المعركة ككل". وأضاف أنه "ليست لدينا مشكلة حاكم عسكري أو مدني، لكن بشرط ألا يكون ذلك بهدف استباقي لضرب الاتفاق في ما بيننا، بخصوص وضع المناطق المتنازع عليها".

كما اعتبر عضو بارز بالحزب الإسلامي العراقي (الجناح السياسي لحركة الإخوان المسلمين في العراق)، أن "المشروع يمثل نية غير صادقة، وخطأ بالعودة إلى سياسة (رئيس الحكومة السابق نوري) المالكي مع المدينة، التي كانت أحد أسباب ظهور أو ولادة داعش". وأشار إلى أن "للموصل حاكماً مدنياً وهو المحافظ وهو منتخب، كما أن هناك مجلس محافظة. بالتالي، فإن أي مسعىً من هذا القبيل يجب أن ترفضه المنظمات الأممية والإنسانية قبلنا، كونه يعني منح الغطاء لانتهاكات حقوق الإنسان ويُمهّد لمشروع إيران بتحويل الموصل قناة جافة بينها وبين الأراضي السورية وصولاً إلى دمشق، بهدف إمداد النظام هناك، تحسباً لأي عقوبات حظر طيران جوي قد يفرضها مجلس الأمن مستقبلاً على نظام بشار الأسد".

ويأتي الكشف عن هذا المقترح قبيل الاجتماع الوزاري حول الموصل، الذي تشهده فرنسا اليوم. وتشعر فرنسا، التي تشارك بشكل عسكري فعّال في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في معركة استعادة الموصل من أيدي تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، بأنّه لا يجب إعادة إنتاج ما فعلته سابقاً في ليبيا، بعد إسقاط العقيد معمّر القذافي، حين تُرِك الشعب الليبي لوحده في مواجهة الفوضى التي لا تزال تسود في البلد، لحد الآن. لذلك، دعت باريس بالتنسيق مع بغداد، إلى اجتماع وزاري في العاصمة الفرنسية، اليوم، ويحضره وزراء من 20 دولة، لبحث مصير الموصل بعد "استعادتها".



على رأس الدول التي ستكون حاضرة في الاجتماع، المفترض أن يفتتحه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية وتركيا، والتي تنطلق من مطاراتها العديد من طائرات التحالف الدولي ويمثلها نائب وزير الخارجية أوميت يالسين. في المقابل، ستغيب إيران عن الاجتماع بسبب توتر علاقاتها مع السعودية، بحسب قول وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت، وبسبب الحساسية التي يسبّبها دعمُها الشديد لمليشيات الحشد الشعبي، التي لا تخفي رغبتها في اقتحام الموصل، مع كل ما يمكن أن يترتب عليه من مخاطر صراعات وانتقامات طائفية في أكبر المدن في العراق. كما أن روسيا لن تحضر الاجتماع، لأنها لا تشارك في التحالف الدولي في العراق، ولأنها منهمكة عسكرياً في سورية.

وسيطرح الاجتماع ثلاثة مواضيع رئيسية: حماية المدنيين في المدينة، التي يوجد فيها نحو مليون ونصف مليون مدني، وفي البلدات المجاورة، وتقديم المساعَدة الإنسانية ثم وضع السلطات العراقية لخطة لفرض الاستقرار في المدينة والمناطق المحرَّرة من تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، وهو ما يتضمن "وضع إدارة في عين المكان".

ولم يُخف إيرولت التأكيد على أن "إنهاء معركة الموصل، لا يعني أن الحرب ضد داعش قد انتهت. فهناك العاصمة الثانية للتنظيم في سورية، في مدينة الرقة". مع العلم أن هولاند هدّد، أكثر من مرة، بعد الاعتداءات الإرهابية التي ضربت فرنسا في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بمهاجمة الرقة، ولكن الطرف الأميركي أقنعه بأن الأولوية تبقى للموصل.

وأعاد إيرولت التأكيد على أن "على التحالف الدولي تحمّل مسؤولياته، بعد استعادة الموصل، التي قد تستغرق عملية استعادتها أسابيع عدة، بل أشهراً، حسب تقديرات وزير الدفاع الفرنسي، جان - إيف لودريان، ويجب على هذا التحالف التصدّي لمعضلة الرقة، وإلا فإن عدم مهاجمة الرقة سيعتبر خطأً فادحاً". يُذكر أن هذا الاجتماع يسبق اجتماعاً لـ"التحالف العسكري ضد داعش"، في باريس، في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، لوزراء دفاع الدول المشاركة في التحالف الدولي في العراق.

ميدانياً، بدت محاور الموصل السبعة للقتال، طيلة يوم أمس، بالنسبة للقوات العراقية المشتركة، في حالة شلل شبه تام، من دون تسجيل تقدم ملحوظ على الأرض. ويعود ذلك، بحسب قيادات عسكرية عراقية، إلى سعي القوات المهاجمة لتثبيت مواقعها الجديدة وتحصينها، فضلاً عن أن الهجمات المباغتة التي شنّها داعش اضطرتهم إلى وقف التحرك بمحور بعشيقة الشرقي للموصل، مع استمرار ضربات التحالف الدولي من دون انقطاع على أهداف ومواقع تحصينات داعش.



وشهد عصر أمس، هجمات ارتدادية لـ"داعش" من المحاور الشمالية والشمالية الشرقية والشرقية لمدينة الموصل، حاول خلالها استعادة الأراضي التي خسرها أخيراً، قبل أن ينجح في استعادة السيطرة على طريق سنجار، أحد أهم طرق الإمداد لقواته الموجودة على مشارف جبل بعشيقة. كما تمكن التنظيم من إيقاف الهجوم الكبير الذي شنته القوات العراقية المشتركة، التي اضطرت إلى اتخاذ موقف دفاعي بعد هجمات يومي الاثنين والثلاثاء. وبحسب المصادر العراقية العسكرية، فإن ذلك لم يمنع من تحقيق تقدم بالمحور الجنوبي.

في هذا السياق، كشف آمر اللواء الثامن بالجيش العراقي، العميد حسن الموسوي، لـ"العربي الجديد"، أن "بغداد قررت دفع قوات إضافية، تتحرك فجر اليوم الخميس، إلى الموصل، بهدف تعزيز المعركة وزيادة الزخم الناري".

من جانبها، أكدت النائبة الكردية آلا طالباني، سقوط نحو 35 قتيلاً وجريحاً من مقاتلي الاتحاد الوطني الكردستاني خلال معركة الموصل، مشيرة إلى أن "القوات الكردية لن تدخل مركز مدينة الموصل، لكنها ستمسك الأرض في المناطق التي ستساهم في استعادة السيطرة عليها".

إلى ذلك، اعتبر أستاذ الاستراتيجية في جامعة النهرين علي الباوي، أن "داعش يحاول فتح جبهات ثانوية تشغل القوات العراقية عن الخطط المرسومة لها، المتمثلة بالوصول إلى مركز مدينة الموصل"، كاشفاً خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "التنظيم اعتمد في اليوم الثالث للمعركة استراتيجية جديدة مختلفة، في محاولة لفتح جبهات متعددة في مناطق متفرقة من محافظة الموصل وعلى أكثر من محور". بدوره، أكد العميد الركن حسين محمد العبيدي، من قيادة عمليات نينوى، لـ"العربي الجديد"، أن "الحديث عن شلل أو جمود غير صحيح، لكن الجميع بدأ يقارن مع تقدم اليومين الأولين، وهذا غير صحيح"، مضيفاً أن "المعارك مستمرة، ولو توقفت لكان وصف الشلل صحيحاً وهجمات داعش كنا نتوقعها". وجزم بأن "اليوم، الخميس، سيشهد الإعلان عن ضرب خاصرة الموصل الجنوبية، المتمثلة بمنطقة الشورى ليتسنى للقوات المتواجدة في المحور الشرقي التحرك دون أي خطر التفاف العدو عليها من الخلف".