"داعش" يضرب في كركوك: محاولة لتخفيف الحصار عن الموصل

22 أكتوبر 2016
الصورة
معارك عنيفة شهدتها كركوك (هجار ريسيت/الاناضول)
يكاد ينقضي الأسبوع الأول لانطلاق معركة تحرير مدينة الموصل العراقية من تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) بلا نتائج حاسمة، فيما يصف القادة العراقيون المعارك بأنها "تكسير أطراف"، في إشارة إلى المرحلة الأولى من الخطة القاضية بتحرير البلدات والأقضية والقرى التابعة للموصل. لكن الأخطر سجل، أمس، مع محاولة التنظيم توسيع جبهات المواجهة بينه وبين القوات المشاركة في المعارك ضده إلى مناطق جديدة، وهو ما ترجم بشنه منذ الساعات الأولى لصباح أمس، الجمعة، هجوماً واسعاً على كركوك وضواحيها، تمكّن خلاله من السيطرة على بعض الأحياء والقرى قبل أن يتم قتل عدد من عناصره وانسحاب الآخرين إلى أماكن مجهولة، مخلّفين عشرات القتلى والجرحى في صفوف قوات الأمن والمدنيين فضلاً عن مهندسين إيرانيين يعملون في محطة لتوليد الطاقة جنوب المدينة.

"داعش" يضرب في كركوك
بشكل مفاجئ، جاء رد تنظيم "داعش" على معركة الموصل بمحاولة توسيع الجبهات، عبر هجوم شنّه في كركوك، وبدا أنه محاولة لتخفيف الضغط عنه. وهاجم، فجر الجمعة، محافظة كركوك بعشرات المسلحين الذين تمكنوا بشكل سريع من السيطرة على ثماني أحياء سكنية وعدد من الدوائر والمؤسسات الحكومية وسط مدينة كركوك، قبل أن تستعيد القوات الأمنية العراقية فرض سيطرتها، من دون أن تتوقف المواجهات حتى ساعات متأخرة من مساء أمس.
وفيما قال محافظ كركوك، نجم الدين كريم، لـ"العربي الجديد"، إنه تمت السيطرة على الهجوم، فإن مصادر أمنية عراقية أكدت أن الهجوم الذي خلّف نحو 70 قتيلاً وجريحاً، لم يكن قد انتهى حتى ساعات متأخرة من ليل أمس، إذ استمرت المواجهات في شوارع المدينة الرئيسية على الرغم من إرسال سلطات بغداد وأربيل قوات إضافية لتعزيز الموقف هناك، وسط تخوّف من عودة انتشار مقاتلي التنظيم في المدينة. كما قُتلت 10 نساء وأصيب العشرات بقصف، يُعتقد أنه أميركي، على مجلس للعزاء جنوب غرب كركوك مساء.
ووفقاً لمسؤول في حكومة كركوك المحلية، تحدث عبر الهاتف لـ"العربي الجديد"، فإن "قتلى التنظيم من المهاجمين بلغ 15، فيما بقي عشرات المقاتلين من التنظيم يقاتلون حتى ساعات متأخرة من يوم أمس"، لافتاً إلى أن غالبية المهاجمين هم عراقيون أكراد ويعرفون المدينة جيداً، موضحاً أن "داعش تمكن من التسلل عبر سلسلة أنفاق إلى المدينة قادماً من سلسلة جبال حوران".
وكشفت مصادر محلية وأمنية، لـ"العربي الجديد"، أن مجموعات من "داعش" تعمل على عنصر المناورة، إذ تهاجم في منطقة، وعند حدوث اشتباكات مع القوات الأمنية تنسحب لتظهر في مكان آخر من كركوك، مؤكدة وصول تعزيزات عسكرية كبيرة من العاصمة العراقية بغداد، ومن إقليم كردستان إلى محيط كركوك، خشية سيطرة التنظيم على مبانٍ ومقرات أمنية وحكومية.
في موازاة ذلك، حذر رئيس التجمع العربي في كركوك، مثنى الجبوري، من محاولة "داعش" فتح جبهة جديدة في كركوك لإشغال القوات العراقية التي تقاتل في الموصل، موضحاً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن التنظيم موجود داخل كركوك بالفعل، وهجماته تهدد مبانٍ ومقرات حكومية.
ويُعتبر الهجوم على كركوك أبرز ردود فعل التنظيم على استهداف مدينة الموصل، إذ سيطر على أحياء دوميز وواحد حزيران والعربي والنصر والمجيدية والواسطي والتسعين والعدالة والممدودة وغرناطة في وقت قياسي، قام خلاله بالسيطرة على الجوامع وإعلان بيان "الخلافة"، وطالب أفراد قوات الأمن بتسليم أنفسهم وعدم المقاومة، قبل أن تتم استعادة زمام المبادرة مرة أخرى لصالح قوات الأمن العراقية والبشمركة.

كل شيء قابل للانفجار
في الموصل، لم تختلف المعارك، أمس، في يومها الخامس، عن سابقاتها، فالمحاور كلها ساخنة بالاشتباكات والقصف المتبادل، في وقت لا تزال الأوضاع غير مستقرة في المناطق التي تمكنت القوات العراقية من تحريرها في الأيام الخمسة الأولى من معركة الموصل، والبالغ مجموعها 25 قرية على طول المحاور الجنوبية والشمالية والشرقية. كما تثار تساؤلات عدة عن غموض المحور الغربي المتصل مع الأراضي السورية، والذي تكتفي المقاتلات الأميركية بالتحليق فوقه بشكل متقطع وتستهدف مواقع فيه.
في غضون ذلك، بات هاجس "شياطين داعش"، كما وصفه العميد محمد سعدي الجبوري، في تصريح لـ"العربي الجديد"، يلازم الجميع مع قيام التنظيم بتفخيخ كل شيء أمامه. وأضاف الجبوري: "يجب ألا ننتظر عبوة ناسفة أو لغماً، فتم تفخيخ أعمدة كهرباء ومنازل ودكاكين وجذوع أشجار وسيارات وحتى الحيوانات"، لافتاً إلى أن "من المشاكل أن العشب نما على الأرض وغطى المتفجرات، وفقدنا عدداً من الزملاء والجنود بسببها". وكشف أن "الأميركيين زودونا بكاسحات ألغام وأجهزة استشعار ذكية ونأمل أن تساعدنا".


وحول مجريات معارك الموصل، أمس الجمعة، قال مسؤولون عسكريون عراقيون إن القوات المهاجمة حررت ثلاث قرى في المحور الجنوبي، هي قرى مفتن وتل ناصر وطيات. وأكد المقدّم في الجيش العراقي، عبد الرحمن أمين، أن "المعارك تأخذ مجرى أكثر شراسة وحدّة، والسرعة في استرداد الأراضي لم تعد مهمة بقدر مسألة تقليل الخسائر وتثبيت استقرار كل منطقة يتم تحريرها".
وفي المحورين الشرقي والشمالي، أكد مسؤول محور بعشيقة في قوات البشمركة، اللواء حميد أفندي، إحراز تقدّم وصفه بالجيد. وقال أفندي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إنه "تم التقدّم بواقع 25 كيلومتراً وبعرض 5 كيلومترات من المحور الشرقي ونحو 7 كيلومترات من المحور الشمالي"، مؤكداً أن "هناك مقاومة عنيفة من داعش، لكن تتم معالجتها باستمرار بواسطة مقاتلات التحالف الدولي"، مضيفاً: "ما زال أمامنا الكثير، وهناك قرى كثيرة، ونحن مستمرون في القتال حتى النهاية".
من جهته، استبعد معاون قائد المحور الشمالي الشرقي في قوات العشائر، محسن الخالدي، انسحاب "داعش"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "الانسحاب حالياً غير وارد من قِبل التنظيم الذي يعتبر الدفاع عن الموصل دفاعاً عن مشروعه وتخليصه من الزوال".
أما العقيد طالب الحمداني، من قيادة عمليات نينوى، فأوضح لـ"العربي الجديد"، أن المعارك ما تزال مستمرة في بعشيقة في محاولة لدخول المدينة، مشيراً إلى أن "التنظيم يمتلك خارطة معقدة من حقول الألغام والأنفاق حول بعشيقة ونجح في الصمود، ونأمل أن نتمكن اليوم من إجباره على التراجع إلى المنطقة المحصورة بين الجسر والطريق السريع، لمعالجة عناصره بالطائرات وفتح ثغرة الولوج إلى المدينة عبر قوات خاصة وجهاز مكافحة الإرهاب". وأكد مشاركة "مروحيات الآباتشي الأميركية في معالجة مواقع داعش في منطقة البساتين ومزارع العنب، شرق بعشيقة"، مقدّراً "عدد مقاتلي داعش الذين يقاتلون على محاور الموصل بأكثر من ثلاثة آلاف مقاتل غالبيتهم عراقيون وليسوا أجانب". من جهتها، قالت مصادر طبية في الموصل إن 9 مدنيين قُتلوا وأصيب 18 آخرون، بينهم أطفال، جراء قصف صاروخي ومدفعي استهدف أحياء الموصل في الجانب الأيمن من نهر دجلة، في ساعة مبكرة من صباح أمس. ووفقاً للمصادر، فإن الأهالي هم من تولى انتشال الضحايا من تحت ركام المنازل ونقلهم إلى المستشفى. وأكد مسؤول عسكري عراقي، لـ"العربي الجديد"، أن "التواجد الأميركي عند محاور الموصل ارتفع إلى الضعف خلال يومين، ويشارك الأميركيون بمهام قتالية مباشرة". وقال إن الجنود الأميركيين شاركوا بالمعارك ثلاث مرات بشكل مباشر".


ضغوط إيرانية لدور أكبر لـ"الحشد"
بالتزامن مع وصول رئيس المجمع الإيراني للصحوة الإسلامية، علي أكبر ولايتي، إلى بغداد، كشفت مصادر سياسية عراقية لـ"العربي الجديد"، عن وجود ضغوط إيرانية لمنح مليشيات "الحشد الشعبي" دوراً أكبر في معركة الموصل. وأوضح قيادي في التحالف الوطني الحاكم وبرلماني في حزب الفضيلة، لـ"العربي الجديد"، أن ضغوطاً إيرانية تُمارس على الحكومة العراقية من أجل منح مليشيات "الحشد" دوراً أكبر في معركة الموصل، مشيرين إلى أن الإيرانيين جددوا استعدادهم لدعم المليشيات بأسلحة وصواريخ حديثة في حال منحهم هذا الدور. فيما أكد رضا الطائي، أحد قيادات "الحشد الشعبي"، في اتصال مع "العربي الجديد"، تلك المعلومات، معلناً أن "إيران تشعر بالأسف من رضوخ حيدر العبادي وتحجيم الحشد وحصر تواجده في المحور الجنوبي فقط"، ومؤكداً أن" طهران عرضت سلاحاً ومساعدات عسكرية على بغداد لصالح الجيش والمليشيات خلال زيارة الوفد الإيراني الحالي إلى بغداد".

تحرك أميركي
في سياق موازٍ، كان وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، يزور تركيا، حيث حضر موضوع الموصل بشكل أساسي في محادثات مع المسؤولين الأتراك. والتقى كارتر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزرائه بن علي يلدريم، ووزير الدفاع فكري إيشيق. وأعلن كارتر في ختام زيارته، أن تركيا والعراق توصلا إلى اتفاق من حيث المبدأ سيسمح في النهاية بدور تركي في معركة الموصل. وقال كارتر للصحافيين: "أعتقد أنه جرى التوصل إلى اتفاق من حيث المبدأ، والآن نعكف على تفاصيله... وهذا ما نعمل على تطبيقه". وكان كارتر قد أكد رغبة بلاده بمشاركة تركيا في العمليات العسكرية ضد تنظيم "داعش"، معتبراً اهتمام تركيا البالغ بالتطورات الجارية في سورية والعراق بـ"الأمر المعقول" لارتباطها بمسألة أمن حدودها مع هاتين الدولتين، وتدفق اللاجئين. وقال كارتر: "نريد لتركيا المشاركة في العمليات التي ستشن ضد داعش، نختلف أحياناً معها في وجهات النظر، إلا أننا دائما متفقون من حيث المبدأ، بما في ذلك مكافحة كل أشكال الإرهاب".
فيما أوضح مسؤول أميركي في وزارة الدفاع، طلب عدم كشف هويته، أن واشنطن "تطلب من العراق وتركيا التخفيف من حدة تصريحاتهما"، بعضهما ضد بعض، مضيفاً وفق وكالة "فرانس برس": "لقد تحدثنا خلف الكواليس لدفع العراقيين والأتراك إلى التوصل لتفاهم حول كيفية المضي قدماً بشأن الموصل".