الموصل: عروس دجلة ومدينة الأنبياء

19 أكتوبر 2016
الصورة
ينتظر النازحون عن الموصل العودة إليها (Getty)
+ الخط -
الموصل أو مدينة الأنبياء لكثرة من بعث فيها من الأنبياء، كما ورد في النصوص والكتب السماوية الثلاثة، ثاني أكبر مدن العراق، بعد العاصمة بغداد، من حيث التعداد السكاني والنمو الاقتصادي، وعرفت أيضاً بأسماء مختلفة كمدينة الرماح والحدباء وقبلة الشعراء وأم الربيعين، تبعد عن بغداد 550 كيلومتراً، وتبلغ مساحتها 32308 كيلومترات مربعة، يقطنها نحو أربعة ملايين نسمة، وتقع على نهر دجلة الذي يقسمها إلى قسمين يعرفان محلياً بالجانبين الأيسر والأيمن.

تتبع الموصل مدن وأقضية ونواح وقصبات مترامية الأطراف طالما شكلت لها عامل قوة وغنى اقتصادي واجتماعي وثقافي أبرزها قضاء تلعفر، والبعاج، وسنجار، وتلكيف، والشيخان، ومخمور، والحمدانية، وقضاء عقرة، ومن مدنها بعشيقه، حمام العليل، سهل نينوى، القيارة، برطله، الزمار، سنجار، البعاج، والحضر والنمرود.

تاريخها

لمدينة الموصل تاريخ عريق يرجع إلى الألف الخامس من قبل الميلاد، هو تاريخ مدينة نينوى والتي سكنها الإنسان القديم، ثم سكن الآشوريون أجزاء كبيرة منها، وأصبحت عاصمة لهم من القرن الحادي عشر قبل الميلاد حتى عام 611 قبل الميلاد، في هذه السنة سقطت نينوى العظمى بيد الكلدانيين الذين كانوا في أوج قوتهم، كانت نينوى والمناطق التي تحيطها مأهولة بالشعب الآشوري الذي خلف للإنسانية حضارة لا زالت الاكتشافات الأثرية تشهد بها، وعند بزوغ فجر المسيحية اعتنقها الآشوريين.

وفي سنة 637، دخل العرب المسلمون الموصل بقيادة ربعي بن الأفكل العنزي، الذي دبر خطة للسيطرة على الموصل بمساندة قبائلها العربية التي كانت في قتال ضد الروم في تكريت، فقامت هذه القبائل بالانسحاب إلى الموصل مُظهرين انهزام المسلمين في معركة تكريت، حتى إذا دخلوا المدينة سيطروا على أبوابها لتدخل وراءهم جيوش المسلمين، بعد أربع سنوات من هذه الواقعة، ارتدّ سكان الموصل عن الإسلام مما أدى إلى معارك أخرى نجحت في إعادة السيطرة على الموصل.

استمر بعدها حكم الولاة العثمانيين للموصل كما شهد القرن الثامن عشر للميلاد ظهور عائلة الجليلي التي سيطرت على مقاليد الحكم، كما حاول الصفويون بقيادة نادر شاه احتلال المدينة سنة 1734 بدون جدوى.

تسميتها

يعود أقدم ذكر لكلمة نينوى في النصوص المسمارية إلى عصر سلالة أور الثالثة (2111-2006 قبل الميلاد) حيث دونت بصيغة (نينا- آ) و(ني- نو- آ)، وظهر اسم مدينة نينوى أيضاً بصيغ أخرى، ففي العصر الآشوري الوسيط (1500-911 قبل الميلاد) ورد بصيغتين الأولى (أورو) ني- نو- أ (نينوى) والثانية قليلة الاستعمال وهي (أورو) ني- نا- أ (نينا) وفي العصر الآشوري الحديث (911-612 قبل الميلاد) سميت مدينة الأنبياء، لوجود النبي يونس، والنبي شيت، والنبي جرجيس، والنبي دانيال فيها، ولقبها العرب بالموصل لأنها كانت توصل بين الشام وخورستان، وهي تعني بلاد الشمس بالكردية، التي فتحها العرب المسلمون من بعد.

سماها العرب كذلك بالحدباء لأن فيها منارة للمسجد الكبير وهي منارة منحنية، وأيضا لتحدب مسار نهر دجلة فيها، وسميت أيضاً بأم الربيعين لأن الله وهبها ربيعين إثنين في السنة فخريفها هو الربيع الثاني والزاهي بعذوبة هوائه.

الموقع

تقع مدينة نينوى في القسم الشمالي من بلاد الرافدين على الضفة الشرقية لنهر دجلة، عند الجهة المقابلة لمدينة الموصل القديمة، وموقع المدينة اليوم عبارة عن منطقة تلية واسعة تمتد بشكل مستطيل غير منتظم على بعد نحو كيلومتر واحد إلى الشرق من نهر دجلة، ويعتقد أن نهر دجلة كان يحاذي السور الغربي للمدينة، لذلك شيّد السور المحاذي للنهر على شكل مسناة لمقاومة تيار الماء، ولذلك أطلق على أحد الأبواب العائدة لهذا السور تسمية باب المسقى، وتتكون بقايا مدينة نينوى حالياً من تلين رئيسين هما تل قوينجق، وتل النبي يونس.

معالمها

من معالم محافظة نينوى البارزة جامع النبى يونس للنبي يونس (يونان) والمبني فوق كنيسة القديس يونان وعلى نفس التلة، والجامع الكبير المسمى الذي فيه منارة الحدباء التي يزيد ارتفاعها عن 52 متراً وبني عام 568 للميلاد، وجامع قبر النبي شيت الذي اكتشف عام 1057 للهجرة، ومدينة نينوى والحضر الآثريتان، إضافة إلى ذلك هناك منطقة مقدسة في هذه المحافظة تسمى بلالش النوراني في شيخان جميل، كما وتوجد في المدينة أماكن سياحية وترفيهية وأثريه ودينية، ويقام في نينوى كل عام (مهرجان الربيع) في 21 آذار تثميناً لقدوم فصل الربيع.

اقتصادها

اشتهرت الموصل منذ القدم بأهميتها كمركز تجاري مهم بسبب موقعها الجغرافي كبوابة شمالية للعراق، وتتصل المدينة بتركيا وحلب بواسطة خط حديدي بناه الألمان قبل الحرب العالمية الأولى إلى جانب وجود مطار صغير للخطوط الداخلية.

كانت الموصل ومازالت مركزاً لأكبر مناطق إنتاج الحبوب وباقي المنتجات الزراعية مثل البقوليات والخضروات في العراق، وأصبحت تسمى سلة خبز العراق حيث يقع فيها نصف المساحات المزروعة بالحنطة، وكانت الموصل تزود باقي مناطق البلاد بهذه المنتجات، وتتأثر المدينة اقتصادياً بالمواسم الزراعية الجيدة والسيئة حيث يتذبذب معها المدخول الاقتصادي للناس بشكل واضح ويؤثر على الكثير من نواحي الحياة الاقتصادية فيها.

توسعت الزراعة فيها وتنوعت بعد إنجاز بعض مشاريع الري على سد الموصل ونهر الزاب، وأصبحت تزرع فيها بعض المحاصيل الصناعية مثل الذرة والقطن تحت منظومات الري التقليدية والحديثة، وأدى اكتشاف النفط في الموصل منذ الثلاثينيات من القرن العشرين إلى اكتساب المدينة أهمية كبيرة في الأسواق الدولية، سواء من حيث المادة الخام أو المنتجات المكررة من النفط، كما اشتهرت المدينة بإنتاج الأقمشة القطنية الناعمة التي اشتق منها اسم الموسلين وهي ملابس قطنية مشهورة، وفي الموصل أيضاً أهم مصانع السكر بالعراق، كما يوجد فيها ثلاثة مصانع لإاسمنت.

مجاعة الموصل

عانت الموصل الويلات، ومن أشهرها المجاعة التي دعيت "غلاء الليرة" سنة 1878م حتى أكل الناس فيها الحيوانات والجيف. وعانت من مجاعة أخرى في نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1917م، التي دعيت "سنة الغلاء" نتيجة هزيمة الجيش العثماني في حربه مع الإنكليز والذين دخلوا الموصل 1918 بدون قتال بعد الهدنة. كان الموسم الزراعي في شمال العراق في أواخر عام 1917 رديئاَ جداً . يقول محمد أمين العمري الذي كان يوم ذاك ضابط إعاشة في الجيش السادس التركي، إنه كتب تقريراً إلى القائد خليل باشا أشار فيه إلى الخطر الذي سينشأ في ولاية الموصل من جراء قلة الحبوب وضرورة الاستعداد لجلب المؤن اللازمة من إسطنبول قبل فوات الأوان، فلم يكترث خليل باشا لهذا التحذير وقال إن ولاية الموصل هي مستودع تموين العراق وليست هي في حاجة إلى تموين يجلب إليها من الخارج.

بدأت المجاعة تستفحل أوائل عام 1918 وشملت الموصل والمنطقة الواسعة التي تقع إلى الشمال منها حتى بحيرة وان، وأخذت جموع الجياع تهجر ديارها في الأناضول وتتجه نحو الموصل، فكان بعضهم يموت في الطريق، والبعض الآخر يموت في مدينة الموصل نفسها.

الموصل بعد الاحتلال الأميركي للعراق ٢٠٠٣

سقطت مدينة الموصل بأيدي القوات الأميركية بعد قصف عنيف في يوم 11 نيسان/أبريل 2003 بعد أن انسحبت قوات الفيلق الخامس للجيش العراقي، وبعد يومين من سقوط بغداد، كانت قوات البشمركة الكردية أحد الأطراف المتنازعة ضد نظام الحكم العراقي آنذاك. في يوم 22 حزيران/يونيو 2003، قامت قوات التحالف بالهجوم على حي سكر وقتل أبناء الرئيس العراقي السابق عدي وقصي اللذان كانا في مدينة الموصل.

عانى سكان الموصل الكثير بسبب الصراع في المدينة بين الجيش الأميركي والجيش العراقي من جهة، والمليشيات والعصابات من جهة أخرى، كما تعرض العديد من متعلميها ومثقفيها إلى عمليات اختطاف وابتزاز واغتيال، الأمر الذي أدى إلى تهجير العديد من مواطنيها إلى مناطق أخرى خارج الموصل أو خارج البلد، في العاشر من حزيران/يوليو عام ٢٠١٤ سقطت مدينة الموصل بيد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، وانسحب الجيش العراقي بعد سيطرة التنظيم على جميع مفاصل المحافظة، ما أدى إلى قتل المئات من سكانها ونزوح عدد كبير منهم.