فولكلور الحج: الاحتفالات في الريف والصعيد المصري

13 سبتمبر 2016
الصورة
بعض الحجيج يغادرون بلادهم أول مرّة لمكة(أحمد غرابلي/فرانس برس)
+ الخط -
كان أداء الحج حتى الحرب العالمية الثانية مغامرة كبرى، تستغرق شهوراً عديدة ذهاباً وإياباً، بدءاً بمشقة السفر في الصحاري، ومخاطرها الجمة في ظل وسائل نقل بدائية؛ كالجمال والبغال والحمير، وانتهاء بركوب البحر في قوارب ومراكب بدائية تسمى "الجلاب"، والتي وصفها الرحالة ابن جبير بقوله: "يحشر فيها الحجيج حشراً، وكأنها أقفاصٌ للدجاج".

في ذلك الزمن، كان معظم الحجيج من كبار السن، وربما كانوا يغادرون بلادهم لأول مرة، ليختموا حياتهم بالحج والزيارة، ويتوجوا أكفانهم بملابس الإحرام. ويحتاج الذاهب إلى تلك الزيارة تقديراً خاصاً؛ بدءاً بالاحتفالات المتنوعة في القرية أو النجع في ريف مصر والصعيد، مروراً بحصوله على اللقب التشريفي المستحق: الحاج فلان أو الحاجة فلانة. ثم يتوج ذلك بفن تشكيلي شعبي، إذ يُرسَم على جدران بيت الحاج، وسيلة السفر التي أقلت الحاج، ويتم تهنئته بالزيارة، حتى يعلم أهل القرية والغرباء والأجيال القادمة أن صاحب الدار قد أدى فريضة الحج.

ارتبط الحج بمجموعة من الفعاليات الاجتماعية الخاصة بالحجاج والاحتفالات الموسمية الشعبية والرسمية. وهي احتفالات تتحقق على مرحلتين متشابهتين تقريباً، الأولى بسبب سفر الحاج إلى الحجاز، والثانية هي العودة منها. وكانت تشهد مصر حفلة "زفة الحاج" وهي بمثابة حفل توديع، وتكون الزفة على ظهور الخيل، ويصاحبها الغناء ورقص التحطيب، في صورة أشبه بزفة العريس.

وإذ تبدأ مراسم الرحلة مبكراً، إذ ينطلق الحجاج لشراء مستلزماتهم وتجهيزها منذ شهر رجب؛ فإن بيوت الحجاج تستقبل طوال تلك الشهور، حفلات ذكر وإنشاد ديني بصورة دورية، وحتى موعد سفرهم. ويأتي المنشدون والمداحون والدراويش، ويحيون أمام دار الحاج حلقات الذكر والإنشاد، وهذه تكون احتفاليات خاصة بالرجال.

أما النساء فلهم حفلاتهم الخاصة، إذ يجتمع حريم العائلة والجيران والصديقات، قبيل السفر وقبيل العودة أيضاً، ويغنين الأغاني الشعبية الخاصة التي تطرب الناس في هذه المناسبة، وتسمى في مصر "حنون الحاج". وكان من أشهر مطربي أغاني الحج، الذين يستدعيهم الأهالي في الصعيد لإحياء تلك الليالي المطربة الحاجة، نعيمة القنائية، والمعلم، جابر العزب، وغيرهما. ويصاحب ذلك طقوس أخرى تخص الحاج، تسمى "تجهيز الزوادة"، وهي ما يحمله الحاج معه في رحلته ذهاباً وعودة، من طعام وشراب وثمار ومخبوزات جافة. ولا تخلو طقوس تجهيز الزوادة من الغناء والرقص والإنشاد.



في حين تكون لاحتفالية العودة مكانة خاصة في القرى المصرية، ففيها يقوم الحاج بتوزيع الهدايا التي أحضرها معه من الأماكن المقدسة، على أهل بيته وجيرانه وأصدقائه المهنئين له، وذلك على سبيل البركة. ومن أهم تلك الهدايا: أولاً، صور الحرمين الشريفين، أي المسجد الحرام في مدينة مكّة، والمسجد النبويّ في المدينة المنوّرة. في الواقع، تُشكّل هذه الصور الهدايا التي تحظى بأكبر شعبيّة من قبل الحجّاج، إذ إنّها تُذكّرهم بالرّحلة الجميلة التي عاشوها خلال زيارتهم الروحيّة إلى الديار المقدّسة. ثانياً، التّمر والعسل، إذ يحظى التمر والعسل وكلّ أنواع الحلويات الأخرى بشعبيّة كبيرة بين الحجّاج. ثالثاً، العطور التي يتم استخراجها من زيت العود، وتفوح لتمتّع حواس الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، يحظى زيت العود بأهميّة ثقافيّة ودينيّة كبيرة لدى الحضارات العريقة. رابعاً، ماء زمزم، وهو أوّل ما يخطر على أذهان الحجّاج لدى زيارتهم مكّة، ويشير البعض بأن مياه زمزم هي أفضل مقوّى للعقل والجسد. في الماضي، كان الحجّاج يحملون معهم زجاجات فارغة لتعبئتها بالمياه، قبل أن تُسهّل شركات المياه الأمر على الجميع، عبر بيع زجاجات معبّأة سلفاً. خامساً، سجّادات الصّلاة، تشكل تلك التي تحمل صوراً لمكّة والمدينة المنوّرة ورسوماً وأشكالاً مستوحاة من الإسلام هدايا شعبيّة. في الواقع، إنّ السجّادات التي تحتوي على كتابات إسلاميّة هي المفضّلة لدى الحجّاج، لأنّها تمكّنهم من تزيين منازلهم بقطعٍ ذات قيمة روحيّة. سادساً، مسابح الصّلاة، وهي هي خيار جميل للحجّاج. وينظر بعض الأشخاص إلى هذه المسابح التي تُستعمل للدّعاء على أنّها علامة جاه، خصوصاً إذا ما كانت مصنوعة من الأحجار الكريمة.

وإضافة إلى تلك المراسم الشعبية، توجد احتفالات رسمية، مثل احتفالات المحمل المصري، والذي كان يسمى في مصر "موكب الحجيج". وتقام الاحتفالية على مرحلتين، الأولى: "طلعة المحمل"، وتكون بصحبة القوافل المتوجهة إلى الأماكن المقدسة، والثانية تسمى "نزلة المحمل" العائدة مع القوافل الراجعة إلى أرض الوطن. وكان أهالي مكة والمدينة والأطفال يشاركون في الاحتفال باستقبال الموكب بالأغاني والأهازيج.

ووفقاً للدكتور، محمد رجب النجار، في كتابه "فولكلور الحج"؛ فقد كان للاحتفال بموكب المحمل طقوس خاصة رسمية وعادات وتقاليد شعبية، ويشارك في تلك الطقوس والعادات كبار رجالات الدولة والجيش، وأرباب الصناعات والحرف الشعبية، إلى جانب المداحين والمنشدين وزعامات الطرق الصوفية وجموع الشعب، ويكون ذلك في احتفال مهيب، يتقدمه حامل البيارق (الأعلام الكبرى) والسنجق (بيرق المحمل).
كما كانت "احتفالية الكسوة" من أشهر الاحتفالات الشعبية التي كانت تقام في مصر حتى وقت ليس بالبعيد، وكانت تقام كل عام بمناسبة توديع كسوة الكعبة المشرفة التي كانت تبعث بها مصر، وهي احتفالية مهيبة، تشبه احتفالية الموكب، يغني فيها الناس وينشدون على امتداد الطريق البري من مصر للحجاز، إضافة إلى أحد المراسم الرسمية الخاصة به، وهو عزف موسيقى "سلام المحمل" التي كانت تعزَف خصيصاً عند توديع المحمل في مصر، وعند استقباله في الأراضي الحجازية.





المساهمون