عرسان في بيوت الجزائريّين

12 سبتمبر 2016
الصورة
يدلّلونها (فاروق باطيش/ فرانس برس)
+ الخط -
يقول مصدر في وزارة الفلاحة والتنمية الريفية في الجزائر، رفض الكشف عن اسمه، إن ما لا يقلّ عن أربعة ملايين رأس يذبح خلال عيد الأضحى، الذي يسمّيه الجزائريّون "العيد الكبير". وهذه تربّى في الداخل، باستثناء نسبة قليلة تدخل من دولة مالي في أقصى الجنوب. ويسمّى الكبش المالي باللهجة المحلية "أسيداون". ورغم أن سعره زهيد بالمقارنة مع سعر الكبش الجزائري، إلا أن الجزائريين لا يفضلون لحمه.

تسمح العادات في بعض المناطق بذبح الإبل والبقر والماعز. إلا أن غالبية الجزائريين يفضلون الكبش، ليس فقط تماشياً مع سيرة النبي إبراهيم، الذي ذبح كبشاً أتاه به الملاك جبرائيل من الجنة ليفدي ولده إسماعيل، وهو ما يشكل الخلفية الدينية لعيد الأضحى لدى المسلمين، بل لأن الكبش يدخل في البنية الأسطورية للثقافة الأمازيغية أيضاً.

في الميثولوجيا الأمازيغية القديمة، كان يُرمز للإله أمون، أحد آلهة الأمازيغ ما قبل الإسلام، بالكبش، نظراً إلى كونه حيواناً يوحي بالشبق والإخصاب. وما زال الأمازيغ حتى اليوم يقدمونه لأسرة العروس، وفي مناسبات الصلح والحج وولادة طفل جديد.

وتختلف معايير اختيار كبش العيد لدى الجزائريّين، خصوصاً في الشمال. هؤلاء يفضّلون الأبيض على الأسود، والناضج على الخروف، والممتلئ على الهزيل، والأقرن على الأصلع ويسمونه "الفرطاس"، والنطّاح على المسالم، والمشاكس على الهادئ.

تبدأ أسواق بيع الماشية العمل قبل نحو أسبوعين من العيد، وتستقطب الكبش الكبير والصغير، إما للمعاينة والسؤال عن الأسعار، وإما لشرائه مباشرة. انخفض سعر الكبش الممتاز هذا العام إلى نحو 600 دولار أميركي. وخلال السنوات الأخيرة، صار ممكناً لأفراد الأسرة والأصدقاء رؤية الكبش قبل وصوله إلى الحومة والبيت، بعد وضع صورته على "فيسبوك"، بل إن البعض يشاركون في اختياره من خلال الصور. وعادة ما يكون الاختيار بناء على المواصفات، بغض النظر عن القدرة الشرائية، ذلك أن الجزائريين قد يضيّقون على أنفسهم في كل شيء، أو يعمدون إلى الاستدانة، من أجل توفير كبش العيد، إذ يشكّل أحد أكثر مظاهر التفاخر الاجتماعي.

ولا يدخل "العريس السنوي" إلى البيت إلا بعدما يحظى بتحية الأطفال والجيران، الذين يلتقطون الصور معه، ويتبادلون الأحاديث عن سعره وقوته وجمال مظهره والمنطقة التي تربّى فيها. فأكثر الكباش شهرة هي تلك القادمة من حواضر السهوب، مثل الجلفة والبيّض والنعامة والمشرية والأغواط والمسيلة. وعادة ما "يكذب" الناس في ما يتعلق بسعره ومسقط رأسه، لإضفاء الدهشة والإعجاب.

ما إن يصل "المربوح" (هكذا يُسمى كبش العيد عادة) إلى باب البيت الخارجي، حتى يجد النساء في استقباله، خصوصاً الأكبر سناً. يدعين بأن يكون فأل خير على الأسرة، ويذكرن المريض والغائب والمسجون والمديون والعازب وطالب العلم، ولا ينسون البلاد والعباد، قبل تحنية جبهته ووسط ظهره.

تعدّ الأيام التي يمكثها الكبش في البيت الذي يشتريه، أكثر أيامه عناية وتدليلاً. يحظى بعلف جيد وتنظيف ونزهات يومية إلى الحومة والمساحات المفتوحة. هناك يبدأ التفاخر بين الأطفال والشباب، وقد تبدأ حربٌ بين الكباش من خلال مسابقات المناطحة التي تعرف بها الأحياء الشعبية، مثل بيلكور وباب الواد والحراش في الجزائر العاصمة وبابا علي في معسكر والحمري في وهران وسيدي مبروك في قسنطينة.

تقطع أسر كثيرة العلف عن الكبش ليلة العيد، حتى يسهل عليها تنقية معدته بعد ذبحه. تضع له الحناء ثانية. ويعتقد كثيرون أنه يرى مقامه تلك الليلة في الجنة، ويعتبرون اجتراره لما أكله سابقاً تسبيحاً، وهو مدعاة للتفاؤل والخير.

وباتت صبيحة عيد الأضحى من الأوقات القليلة الجامعة لأبناء الحومة. تُخرج كل أسرة كبشها ولا يهم أن تكون مالكة لأدوات الذبح والنفخ والسلخ، فالبخل غير وارد تماماً. يفضل الجزائريون أن يشرف على عملية الذبح الحاج ومقيم الصلاة والأكبر سناً، ويفضلون إسناد عملية السلخ والتقطيع إلى شبابهم حتى يتعلموا ذلك منذ صغرهم.

ومن طقوس ما بعد الذبح أن يصطف الأطفال لمسح وجوههم بجلد الكبش. بحسب الاعتقاد السائد، فإن ذلك يمنع حب الشباب والأمراض الجلدية. وفي بعض المناطق، يقدم شاب على وضع جلد الكبش فوق رأسه وحمل رجليه بيديه، والركض خلف الآخرين. فإن تمكن من لمس أحدهم برجل الكبش، بات لزاماً عليه دفع قطعة نقدية. تسمى هذه العادة "بوجلود"، ليبدأ بعدها الشواء.