بالأرقام والوقائع... خسائر بريطانيا من "بريكست"

بيروت
حيدر عبدالله الحسيني
15 مارس 2019
+ الخط -
أصاب الغموض المحيط بعملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) اقتصاد هذا البلد بأضرار كبيرة في أبعاد مختلفة، بين هروب أموال ونفور استثمارات وانتقال لشركات وإقفال لمصانع وانخفاض نمو وتدهور عملة وتضييع لمئات آلاف فرص العمل.

أداء الاقتصاد، المعبّر عنه بالنمو، بدا، بنتيجة كل المعطيات المتشائمة والمؤشرات السلبية، ضحية لعاملين اثنين: الأول حدة الانقسامات الداخلية حيال الخروج من الاتحاد باتفاق أو بدونه، والثاني عدم التوصّل إلى تفاهم مع المفوضية على اتفاق شامل يحد من مخاطر هذه العملية ليس على بريطانيا فقط، بل على بقية الأوروبيين أيضاً.

لكن ما هي هذه الأضرار وما حجمها وفي أي مجالات تتركّز عملياً؟

النمو الاقتصادي

خفضت بريطانيا توقعاتها للنمو المنتظر أن يحققه اقتصادها عام 2019، حيث من المتوقع أن يسجل اقتصاد المملكة المتحدة نمواً نسبته 1.2%، بتراجع حاد عن توقعات حكومية سابقة كانت تشير إلى نسبة 1.6% في أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

في السياق، أظهر مسح مديري الشركات أن اقتصاد بريطانيا اقترب من عدم النمو مجدداً في فبراير/ شباط 2019، على خلفية مخاوف "بريكست" وتباطؤ النمو العالمي، في حين تخفض الشركات في القطاع الخدمي الضخم العمالة بأسرع معدل في أكثر من 7 سنوات.

ويتوقع المسح بأن خامس أكبر اقتصاد في العالم، سينمو 0.1% فقط في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019، مقارنة بالربع الأخير من عام 2018.



وسبق ذلك قبل أقل من شهرين على موعد الخروج، أن كُشف عن تسجيل النمو تباطؤاً كبيراً عام 2018، في وتيرة هي الأضعف منذ نحو 6 سنوات، وفقاً لمكتب الإحصاء الوطني، الذي أوضح أن نسبة النمو بلغت العام الماضي 1.4%، بانخفاض عن 1.8% المسجلة عام 2017. كما سجل النموّ 0.2% فقط في الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2018.

شركة "بي.دبليو.سي" حذرت من أن بريطانيا قد تتراجع من خامس أكبر اقتصاد في العالم إلى المركز السابع هذه السنة عندما تنفصل عن الاتحاد الأوروبي، بينما تتجه فرنسا والهند لتخطيها، وتوقعت أن يسجل النمو البريطاني 1.6% عام 2019 بفرض نجاحها في تجنب صدمة الخروج من الاتحاد دون اتفاق في مارس/ آذار الجاري، مقابل نمو نسبته 1.7% لفرنسا و7.6% للهند.

التصنيف الائتماني

أعلنت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني أنها تبحث خفض علامة الديون السيادية لبريطانيا، بسبب العواقب السلبية على النمو الاقتصادي، في حالة الخروج بلا اتفاق، وقرّرت وضع تصنيف بريطانيا تحت المراقبة "السلبية"، بانتظار النتيجة النهائية للمفاوضات الجارية بين لندن وبروكسل، ما يعني أن خفض علامة الديون السيادية قد يحصل خلال 3 أشهر، وهي ستتخذ قرارها بهذا الخصوص خلال النصف الأول من العام الجاري.



نزوح المليارديرات

كشف تحقيق أجرته "ذا تايمز" أن نحو ثلث مليارديرات بريطانيا انتقلوا بالفعل، أو هم بصدد الانتقال، إلى ملاذات ضريبية، وتحدثت عن مزاعم بإخفاء أثرى أثرياء بريطانيا مليارات الجنيهات الإسترلينية خلال العقد الماضي لتجنب دفع الضرائب. وذكرت الصحيفة أن 28 من بين 93 مليارديراً بريطانياً وجدتهم من خلال السجلات العامة وقد "انتقلوا إلى ملاذات آمنة أو يقومون حالياً بالانتقال".

تحويلات مالية

كشف تقرير لشركة "إرنست آند يونغ" للخدمات المالية، أن حركة تحويلات ضخمة للموجودات المالية والموظفين إلى خارج بريطانيا تتواصل منذ استفتاء "بريكست"، وأنها تسارعت في الآونة الأخيرة.

وأوضح التقرير أن موجودات تناهز 800 مليار إسترليني (نحو تريليون دولار)، حوّلتها الشركات المالية ومصارف حي المال إلى خارج بريطانيا منذ الاستفتاء، وتحديداً إلى الدول الأوروبية.

ومن بين 222 شركة تتابعها شركة الخدمات المالية البريطانية، لاحظت الشركة، أن العديد من الشركات جمّدت خطط الاستثمار بسبب المستقبل المجهول.

هجرة شركات ومصارف

أعلنت الوكالة الهولندية للاستثمارات الخارجية انتقال 42 شركة من بريطانيا إلى هولندا بسبب غموض "بريكست"، ما يعني توفير نحو 2000 وظيفة و291 مليون يورو (330 مليون دولار) من الاستثمارات، علماً أن معظم الشركات بريطانية وبعضها من آسيا والولايات المتحدة.

ومن بين هذه الشركات بنك الاستثمار الياباني "نورينتشوكين"، وشركة الإعلام "تي في تي"، وشركات الخدمات المالية "ماركيتاكسيس" و"أزيمو"، وشركة التأمين البحري "يو كايبي أند أي".



كما أعلن بنك "فالكون" السويسري الخاص أنه سيوقف عملياته في بريطانيا، وسيبيع أصول وحدته في لندن "فالكون للثروة الخاصة" إلى "دولفين فايننشال" (المملكة المتحدة) المحدودة، علماً أن لدى "فالكون" نحو 20 موظفاً في بريطانيا ويدير أصولاً بنحو مليار دولار.

ثقة الشركات والمستهلكين

تراجعت ثقة الشركات البريطانية في فبراير/ شباط الماضي، إلى أدنى مستوياتها منذ يونيو/ حزيران 2016، شهر استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، في مؤشر جديد على أن عدم التيقن بشأن عملية الانفصال يضر بالشركات، وفقاً لمقياس "بنك لويدز" البريطاني للأعمال الذي أظهر تراجع الثقة 15 نقطة إلى 4% في فبراير/ شباط، فيما لا تزال ثقة المستهلكين في الجانب السلبي.

الجنيه الإسترليني

انخفض سعر الإسترليني منتصف هذا الأسبوع إلى 1.30 دولار، ومن المتوقع، إذا خرجت بريطانيا من التكتل من دون صفقة، أن يهوي إلى 1.15 دولار، وفقاً لشركة الخدمات المالية "يو.بي.إس" UBS، وذلك هبوطاً من 1.4734 دولار سجلها الجنيه مطلع سنة 2016 قبل أن يفاجئ الأسواق بصعوده إلى 1.4883 دولار في 23 حزيران/ يونيو 2016، تاريخ إجراء استفتاء الخروج.



الجمارك والشحن البحري


تعتزم بريطانيا إلغاء رسوم الاستيراد المفروضة على مجموعة واسعة من السلع، وتحاشي فرض قيود صارمة على الحدود بين جمهورية أيرلندا وأيرلندا الشمالية، إذا حصل "بريكست" بلا اتفاق، على أن تُعفى 87% من إجمالي قيمة الواردات من الرسوم.

كما تنوي الحكومة إنفاق أكثر من 100 مليون جنيه (130 مليون دولار)، لتسيير مزيد من الناقلات البحرية، من أجل تخفيف أي اختناقات قد تحدث إذا ما فشلت في إبرام اتفاق تجاري قبل مغادرة الاتحاد هذا العام.

خسارة الوظائف

الأرقام الرئيسية التي تظهر قوة سوق العمل البريطاني هي إلى انحسار، فيما يبيّن تدفق الوظائف في الشركات نمطاً يرتبط بظهور الركود. بحث أجراه "إنتربرايز سنتر" كشف بعض الإشارات غير الواعدة عند النظر إلى بيانات الوظائف بين الشركات الجديدة والقائمة، حيث ساهمت الشركات الناشئة بنحو مليون وظيفة عام 2018، في حين تم إلغاء 613 ألف وظيفة في الشركات القائمة.

وحذرت دراسة متخصصة من أن خروج بريطانيا بدون اتفاق يمكن أن يؤدي إلى فقدان 600 ألف شخص وظائفهم حول العالم، حيث ستكون مهدّدَة نحو 180 ألف وظيفة في شركات داخل دول الاتحاد الـ27 الباقية، تُصدّر مباشرة إلى المملكة المتحدة، في حين أن 433 ألف عامل آخرين في الاتحاد وحول العالم سيتأثرون لأن مرؤوسيهم يبيعون السلع والخدمات إلى شركات تصدر بدورها إلى بريطانيا.

شركات السيارات

حذرت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني من أن سيناريو "بريكست" من دون اتفاق، قد يضر بصناعة السيارات في العالم، مشيرة إلى أن إنتاج بريطانيا من تلك الشركات مرتبط بشكل كبير بالاتحاد الأوروبي، في حين أن "بريكست" بلا اتفاق سيؤدي إلى آثار سلبية، أهمها وقف تجارة السيارات الخالية من الرسوم الجمركية مع دول الاتحاد.

الوكالة أوضحت أن السيارات المصنعة داخل المملكة المتحدة ستدفع رسوماً جمركية نسبتها 10% حال تصديرها إلى دول الاتحاد الأوروبي، بما يتماشى مع الرسوم التي تدفعها البلدان غير الأعضاء في التكتّل.

وتشير بيانات إلى أن إنتاج بريطانيا من المركبات انخفض 9% العام الماضي، في أكبر تراجع منذ ركود 2008-2009 عند تفجّر الأزمة المالية العالمية، وأن استثمارات القطاع هبطت إلى النصف تقريباً بسبب مخاوف الخروج من الاتحاد.



شركة "هوندا موتور" اليابانية أعلنت أنها ستغلق مصنعها الوحيد في بريطانيا عام 2021، ما سيؤدي إلى خسارة 3500 وظيفة، في ما يُعد ضربة كبيرة لقطاع السيارات البريطاني قبل الانفصال.

كما ألغت صانعة السيارات اليابانية "نيسان"، أكبر منافسي "هوندا"، خططاً لإنتاج سيارتها الرياضية المتعددة الاستخدامات إكس - تريل في أوروبا. كذلك، أعلنت "جاغوار لاند روفر"، أكبر شركة لصناعة السيارات في بريطانيا، و"فورد موتور" تخفيضات كبيرة للوظائف في أوروبا.

شركات الطيران

حذرت شركة "إيرباص" الأوروبية من أنها قد تنقل عملياتها المتعلقة بتصنيع الأجنحة إلى خارج بريطانيا في حال غياب إجراءات سلسة للخروج من الاتحاد الأوروبي، وتوقعت اتخاذ "قرارات قد تلحق ضرراً بالغاً" بأنشطتها البريطانية إذا كان الخروج دون اتفاق.

وسبق ذلك أن حذرت "إيرباص" من أنه سيكون عليها اتخاذ "قرارات صعبة" بشأن استثماراتها في المستقبل إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد بلا اتفاق، مضيفة أنها أنفقت بالفعل عشرات ملايين اليوروات على استعدادات تشمل تخزين المكوّنات وتأمين أنظمة تكنولوجيا المعلومات.



أما شركة "بي.إم.آي" البريطانية فقد قالت إنها أوقفت فوراً عملياتها التشغيلية ورحلاتها، بسبب ما وصفته بـ"تحديات صعبة بسبب بريكست"، وأوضحت أن أسطولها المكوّن من 17 طائرة توقف فعلياً عن تنفيذ رحلات إلى أكثر من 25 مدينة أوروبية.

وتعرضت شركات الطيران لانتقادات بسبب إخفاقها في إخبار الناس بإمكان إلغاء تذاكر السفر وعدم صلاحية الجوازات في حال لم يتم الاتفاق على الخروج، وقد يتعين إلغاء ما يصل إلى 5 ملايين تذكرة، وفقاً لـ"اتحاد النقل الجوي الدولي" "إياتا" بموجب تشريع الاتحاد الأوروبي الذي سيصبح ساري المفعول في حالة الخروج بلا صفقة.

ذات صلة

الصورة
قمة الاتحاد الأوروبي/بروكسل/Getty

سياسة

اتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات قانونية ضد بريطانيا، الخميس، بسبب خططها لتمرير تشريع من شأنه خرق عدد من بنود اتفاق بريكست الذي توصل إليه الجانبان أواخر العام الماضي.
الصورة
رجب طيب أردوغان-مراد كولا/الأناضول

اقتصاد

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن تركيا تهدف لإطلاق 10 شركات "أحادية القرن" بحلول عام 2023. جاء ذلك في كلمة له، الثلاثاء، خلال اجتماع تقييمي لأداء "حكومة النظام الرئاسي" في العامين الماضيين بالعاصمة أنقرة.
الصورة

اقتصاد

تحظى السيارات الكهربائية التي تصنعها شركة "تسلا" Tesla الأميركية باهتمام كبير في السوق الصينية، حيث زاد تسجيل مركباتها بنسبة 32% في يونيو/حزيران الماضي قياساً بالشهر السابق، لتنافس الألمانيتين "بي.إم دبليو" BMW و"مرسيدس" Mercedes.
الصورة
traders99

اقتصاد

تعكف الحكومات في أنحاء العالم على تنفيذ عمليات تحفيز ضخمة للاقتصادات بضخ تريليونات الدولارات في النظام المصرفي وشراء سندات الشركات وربما تأميم بعضها، ضمن محاولة إنقاذ العالم من فك الكساد المالي والاقتصادي الذي يسببه الفيروس "كوفيد 19".