مركز لندن المالي صامد رغم تزايد مخاطر "بريكست"

05 فبراير 2019
الصورة
معتصمون أمام مقرّ مجلس العموم البريطاني (فرانس برس)

أظهر مسح جديد أجرته "رويترز" أن صناعة الخدمات المالية في بريطانيا لم يمسسها سوء إلى حد كبير حتى الآن من تطورات مسألة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، إذ يتوقّع نقل أو خلق حوالي ألفي وظيفة في الخارج حتى مع تنامي خطر انفصال مصحوب باضطرابات.

وكان كثير من المصرفيين والساسة قد تنبأوا بأن تصويت الناخبين في بريطانيا في 2016 بالموافقة على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى نزوح مؤسسات ونقل وظائف ويوجه ضربة موجعة تهز مكانة لندن في عالم المال.

غير أن عدد الوظائف التي تقول مؤسسات مالية عاملة في بريطانيا إنها تتوقع فعليا أن تنقلها للخارج في حالة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق انخفض من 5766 وظيفة في المسح السابق الذي أجري في سبتمبر/ أيلول.

والعدد الجديد حوالي خُمس العشرة آلاف وظيفة التي خلص إليها أول مسح أجرته "رويترز" في سبتمبر/ أيلول 2017.

وتسير بريطانيا في الوقت الحالي في طريق قد يؤدي بها إلى الخروج من الاتحاد دون اتفاق، وذلك لأن صفقة تتيح للندن وبروكسل فترة انتقالية مدتها 21 شهرا للتفاوض على علاقة تجارية جديدة معرضة لخطر الانهيار.

إلا أن معظم المصرفيين يشعرون بالثقة بأنه سيتم التوصل إلى حل وسط. وهم ينتظرون لمعرفة ما سيتم الاتفاق عليه وطبيعة العلاقة الجديدة قبل أخذ أي قرارات نهائية بشأن نقل الوظائف.

وتقوم نتائج المسح المُعلن عنه اليوم الثلاثاء، على إجابات 132 من أكبر أو أغلب البنوك وشركات التأمين وشركات إدارة الأصول وشركات الاستثمار المباشر والبورصات التي تركز على النشاط الدولي. وأُجري المسح بين 3 و28 يناير/ كانون الثاني الماضي.

ويعادل عدد الوظائف الذي خلص إليه المسح 0.5% من 400 ألف موظف يعملون في قطاع الخدمات المالية في لندن.

أفضلية التوظيف في العاصمة البريطانية

وفي الوقت نفسه، أظهر مسح منفصل أجرته "رويترز" أن بنوك الاستثمار الكبرى تعتزم تعيين عدد أكبر بكثير من العاملين في لندن مقارنة بأي مدينة أخرى في أوروبا، ما يشير إلى أنها تتوقع أن تظل بريطانيا المركز الإقليمي الرئيسي في الأجل القريب على الأقل.

المسؤولة السياسية الفعلية عن الهيئة البلدية التي تساعد في إدارة حي المال في لندن المعروف باسم "سيتي"، كاثرين مكجينس، قالت إن هذه العملية ستكون أشبه بعملية "احتراق بطيء. لن ندرك ما سيكون عليه الأثر الكامل قبل عشر سنوات على الأقل". وأضافت "غير أن سيتي يتغير باستمرار وسيجد وسيلة للازدهار".

مناورات الخروج من الاتحاد الأوروبي

تأتي التوقعات المتفائلة لدى المصرفيين في وقت تسير فيه بريطانيا في مسار يؤدي بها إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي بعد 52 يوماً من دون اتفاق، في خطوة قد تتسبب في اهتزاز أسواق المال.

وأصدر مجلس العموم البريطاني الأسبوع الماضي تعليمات لرئيسة الوزراء تيريزا ماي لإعادة التفاوض على اتفاق الانفصال، وهو ما تعارضه بشدة الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يُرجح أن تشهد الأسابيع المقبلة مناورات سياسية محفوفة بالمخاطر.

وتشير نتائج المسح إلى أن لندن، التي يوجد بها أكبر عدد من البنوك وأكبر سوق للتأمين في الاتحاد الأوروبي، ستبقى على الأرجح مركز صناعة المال العالمية في المنطقة.

وكان قرار الانفصال عن الاتحاد الأوروبي قد هزّ صناعة المال في لندن التي ظلت على مدى قرون تمثل شرياناً حيوياً للتدفقات المالية في مختلف أنحاء العالم.

وتتمتع البنوك وشركات التأمين في بريطانيا في الوقت الحالي بإمكان التواصل من دون أي عوائق تذكر مع عملائها في أنحاء الاتحاد الأوروبي في أغلب الأنشطة المالية. غير أن أسساً كانت تعتبر بديهية منذ فترة طويلة، مثل الحق في شراء المنتجات وبيعها في سوق واحدة، أصبحت فجأة في حالة تغير.

وفي ظل أسوأ سيناريو يمكن تصوره للانفصال من دون اتفاق، تنبأت شركة "أوليفر وايمان" الاستشارية بنقل ما يصل إلى 75 ألف وظيفة للخارج، في حين أشارت بورصة لندن للأوراق المالية قبل عامين إلى أن هذا الرقم قد يبلغ 232 ألفاً.

ويعد مستقبل لندن كمركز لصناعة المال في أوروبا من أهم نتائج محادثات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، لأن هذه الصناعة تشكل أكبر مصادر دخل للصادرات في بريطانيا وأكبر مصدر للدخل من ضرائب الشركات.

ومن المتوقع أن تكون بنوك الاستثمار الكبرى قد نقلت حوالي 890 وظيفة، أي أقل من نصف الرقم المتوقع، في نهاية مارس/ آذار، حسبما بينته مقابلات مع نحو 25 مصدراً في الصناعة.

وقالت مصادر إن "بنك أوف أميركا" سينقل نحو 200 من العاملين فيه إلى باريس في نهاية فبراير/ شباط، فيما امتنع البنك عن التعليق.

غير أن العديد من الشركات المالية الأخرى تحجم عن نقل العاملين لحين اتضاح الوضع السياسي.

مصادر في "إتش.إس.بي.سي" قالت إن البنك لم ينقل أياً من العاملين حتى الآن، رغم أنه سبق أن قال علنا إنه قد ينقل ما يصل إلى ألف وظيفة إلى باريس، فيما قال مصدر في "رويال بنك أوف سكوتلند" إنه لم ينقل أي موظف، رغم ما قاله من قبل عن إمكانية نقل 150 موظفاً إلى أمستردام.

وتقضي شروط اتفاق الانفصال الحالي بالحفاظ على مستوى بسيط من الاتصالات بأسواق الاتحاد الأوروبي، غير أنه إذا قررت بريطانيا الانفصال في الشهر المقبل من دون اتفاق تجاري فسيعني ذلك عدم وجود فترة انتقالية تخفف من حدة الاضطرابات.

مسؤول تنفيذي كبير في بنك استثماري أميركي، قال إن البنك سيضطر ربما لمضاعفة عدد العاملين الذين ينقلهم إلى الخارج أو يرفع العدد لثلاثة أمثاله إذا حدث الانفصال من دون اتفاق تجاري.

وقال المسؤول التنفيذي إن أثر الانفصال حتى الآن أقل كثيرا من المتوقع، وإنه مصدر قلق أقل من الاقتصاد المتباطئ في الصين والاضطراب السياسي في الولايات المتحدة، مضيفاً: "هو مصدر إزعاج حقيقي، لكنها مشكلة فنية ويمكن حلها".

وقالت 90 شركة من الشركات التي شاركت في المسح إنها ستضطر لنقل موظفين أو تعيد هيكلة أعمالها بسبب الانفصال، رغم أن 59 شركة منها فقط ذكرت أرقاما محددة، فيما ذكرت بقية الشركات أن الانفصال لن يكون له أثر أو أنها لم تتخذ قراراً بعد بشأن ما ستفعله أو امتنعت عن التعليق.

وللمرة الأولى منذ بدأت "رويترز" إجراء المسح الخاص بخطط الوظائف في صناعة المال، قال عدد يعد على أصابع اليد الواحدة من المشاركين فيه إن ثمة احتمالا ألا يحدث الانفصال بسبب غياب اتفاق على المسرح السياسي البريطاني بخصوص سبل تحقيقه.

لكن الشركات قالت إنها لن تتراجع عن قرارات نقل الوظائف إذا ما بقيت بريطانيا عضوا في الاتحاد الأوروبي. وقالت مكجينس "مسألة الخطر السياسي أصبحت قضية مهمة فعليا. وحتى إذا ما تراجعت عن الانفصال، وهو ما لا أتوقع أن يحدث فأنا أعتقد أننا ألحقنا الضرر بصورتنا الدولية وسيتعين علينا بذل جهد كبير لإعادتها لما كانت عليه".

استقرار اقتصادي مع تقليص الوظائف

في غضون ذلك، أظهر مسح اليوم الثلاثاء أن الاقتصاد البريطاني يواجه خطر التعثر أو الانكماش مع اقتراب انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتباطؤ الاقتصاد العالمي فيما تعلن شركات في قطاع الخدمات، المهيمن على الاقتصاد، تقليص وظائف للمرة الأولى في ستة أعوام وتراجع الطلبيات.

ونزل مؤشر "آي.إتش.إس ماركت/ سي.آى.بي.إس" لمديري المشتريات في قطاع الخدمات في بريطانيا إلى 50.1 في يناير/ كانون الثاني من 52.1 في ديسمبر/ كانون الأول، وهو أقل مستوى منذ يوليو/ تموز 2016. لكنه أعلى قليلاً من مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش، وهو مقياس يُتابع عن كثب لخامس أكبر اقتصاد في العالم، وتوقع استطلاع لآراء خبراء اقتصاديين أجرته رويترز قراءة عند 51.0 نقطة.

وتحدى اقتصاد بريطانيا توقعات بعض الاقتصاديين بأن يشهد كسادا عقب استفاء 2016 بشأن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. لكن النمو تباطأ بشدة في أواخر 2018 مع تنامي المخاوف بشأن خروج مفاجئ بدون اتفاق من الاتحاد.

وبصفة عامة، يشير المسح إلى أن اقتصاد بريطانيا مستقر بعدما خسر قوة الدفع في أواخر العام الماضي.


زيادة إنفاق المستهلكين

كذلك، أظهر مسح اليوم الثلاثاء زيادة وتيرة مشتريات المتسوقين في بريطانيا في يناير/ كانون الثاني لتسجل أكبر نمو في 7 أشهر، ما سيبعث على الارتياح لمتاجر التجزئة بعد أسوأ مبيعات لعيد الميلاد في 10 سنوات.

وقال كونسورتيوم التجزئة البريطاني إن الأعضاء أعلنوا زيادة إجمالي مبيعات التجزئة 2.2% على أساس سنوي بفضل زيادة الإنفاق على الغذاء وانخفاض الأسعار في العام الجديد.

الرئيسة التنفيذية للكونسورتيوم، هيلين ديكنسون، قالت: "ساعدت تخفيضات التجزئة على إغراء المستهلكين الحذرين لكن ليس هناك ما يضمن استمرار قوة الدفع بعد انتهاء التخفيضات".

ضعف نمو أعمال منطقة اليورو

وفي منطقة اليورو، نما الاقتصاد في بداية العام الجاري بأضعف وتيرة منذ منتصف عام 2013 مع هبوط الطلب لأول مرة في 4 سنوات وامتداد التباطؤ من قطاع الصناعة إلى قطاع الخدمات.

ونزلت القراءة النهائية لمؤشر "آي.إتش.إس" ماركت المجمع لمديري المشتريات في منطقة اليورو، الذي يعد مقياسا جيدا لسلامة الاقتصاد الكلي، إلى 51.0 من 51.1 في ديسمبر/ كانون الأول وهي أقل قراءة منذ يوليو/ تموز 2013.

والرقم أعلى من القراءة الأولية الصادرة في وقت سابق والتي بلغت 50.7، ولكنه يزيد قليلا عن مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش.

وأظهرت بيانات رسمية اليوم أن مبيعات التجزئة في منطقة اليورو نزلت كما هو متوقع في ديسمبر/ كانون الأول بفعل أكبر هبوط لعمليات التسوق في ألمانيا في 11 شهرا.

وأظهرت مسوح فردية لمؤشرات مديري المشتريات أن النشاط في ألمانيا تسارع ولكن بدا ضعيفا بينما نزلت القراءة المجمعة في فرنسا إلى 48.2، وهو أقل مستوى فيما يزيد عن 4 أعوام.

(رويترز)