المدرسة الفلسطينية... تعليم يشتمل القضية خارج الحدود

28 سبتمبر 2018
الصورة
سعيد بالعام الدراسي الجديد (عباس موماني/ فرانس برس)
في ما يشبه فعل مقاومة، تتمدّد المدارس الفلسطينية إلى خارج الوطن المحتلّ. اليوم، مع انطلاق العام الدراسي الجديد، ثمّة ستّ "مدارس فلسطينية" في أربع دول تفتح أبوابها لاستقبال تلاميذها، وقد رفعت العلم الفلسطيني واعتمدت اللغة العربية

منذ نحو خمسة أعوام، تواصل وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة منح تراخيص لمدارس فلسطينية خاصة تُنشأ في عدد من الدول، في إطار حاجة الجاليات الفلسطينية إلى مثلها، خصوصاً تلك المتمسّكة بالقيم الفلسطينية والثقافة الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني والراغبة في الحفاظ عليها وتعزيز الانتماء إلى فلسطين.

ستّ مدارس فلسطينية خاصة تقدّم اليوم خدمة التعليم إلى تلاميذ فلسطينيين وعرب في أربع دول هي قطر وتركيا ورومانيا وبلغاريا، وتشمل مراحل التعليم كلها والفرعَين العلمي والأدبي في المراحل العليا. ويطبّق المنهاج الفلسطيني في مختلف المراحل التعليم، بينما تُعَدّ اللغة العربية اللغة الرسمية، وذلك تحت إشراف السفارات الفلسطينية في تلك الدول ووزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية. ولا تختلف آلية عمل تلك المدارس عن المؤسسات التربوية الفلسطينية الخاصة العاملة في الضفة الغربية المحتلة وكذلك في قطاع غزة. هذا ما يؤكده المدير العام للتعليم العام في وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية يوسف عودة لـ"العربي الجديد".




والوزارة، بحسب عودة، تأمل في أن ترى مدارس فلسطينية خاصة أخرى النور مستقبلاً في عدد من الدول، وفقاً لحاجة الجاليات الفلسطينية في دول العالم، حتى يصل المنهاج الفلسطيني إلى كل الفلسطينيين، علماً أنّ هذه المدارس تقدّم خدمة التعليم ليس إلى الجاليات الفلسطينية فقط بل كذلك إلى الجاليات العربية. وتخاض نقاشات في الوقت الحالي حول تراخيص تُمنح لمدارس أخرى في كل من ألمانيا وماليزيا والصين.

أمان
يوضح عودة أنّ "لكلّ دولة في العالم أهدافها وفلسفتها في التربية، وهذا أمر مهم في حال أردنا الحفاظ على القيم الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني، حتى يبقى انتماء الفلسطيني إلى وطنه"، مشيراً إلى أنّه "لا تُنشأ أيّ مدرسة إلا بعد مطالبة من قبل الجاليات الفلسطينية في الدول التي تعيش فيها، وبدعم من المستثمرين الفلسطينيين". يضيف أنّ "وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية تهدف من خلال منح التراخيص إلى غرس القيم الفلسطينية لدى الجاليات الفلسطينية للحفاظ على الثقافة والقيم بين الجاليات، وتحقيق فلسفة التربية والتعليم لديها، ومنح فرصة التعليم لكل تلميذ فلسطيني أو عربي". ويشرح أنّ "ثمّة أطفال ولدوا في المهجر، آباؤهم إمّا فلسطينيون وإما عرب، ما يعني أنّ هذه المدارس تحقق للفلسطيني في الخارج شعوراً بالأمان في ما يتعلق بتربية أبنائه".

يوسف عودة/مجتمع (العربي الجديد) 













في العاصمة الرومانية بوخارست، نجد مدرسة القدس الفلسطينية التي تستقبل 463 تلميذاً وتلميذة، وفي العاصمة البلغارية صوفيا مدرسة ابن سينا الفلسطينية التي تستقبل 150 تلميذاً وتلميذة. أمّا في مدينة إسطنبول التركية، فثمّة مدرستان هما مدرسة الياسمين الفلسطينية ومدرسة الفينار الفلسطينية، وتستقبلان 520 تلميذاً وتلميذة. وقبل أيام، افتتحت مدرسة الفينار فرعاً آخر لها في العاصمة التركية أنقرة. وتبقى المدرسة الفلسطينية الكبرى في العاصمة القطرية الدوحة، وتستقبل نحو ألف تلميذ وتلميذة.

كلمة "فلسطينية"
ويقول عودة إنّ وزارة التربية والتعليم الفلسطينية تشترط من أجل حصول المستثمرين من أبناء الجاليات الفلسطينية في العالم على التراخيص اللازمة لإنشاء مدارس، أن يكون اسم المدرسة عربياً ومقترناً بكلمة "فلسطينية" للدلالة على هويّتها، وأن تطبق المدرسة المنهاج الفلسطيني، وتعتمد الخطّة الدراسية المقررة في وزارة التربية واللغة العربية للتدريس، وتسمح بتدريس لغات أخرى غير الإنكليزية. ويُسمح بتدريس مقرّر إضافي آخر على ألّا يكون بديلاً عن المقررات الدراسية الأساسية في المنهاج الفلسطيني.

كذلك، تشترط الوزارة رفع العلم الفلسطيني والسماح برفع علم الدولة المضيفة، وإنشاد النشيد الوطني الفلسطيني والسماح بإنشاد النشيد الوطني للدولة المضيفة، بالإضافة إلى التزام المدرسة بإبراز الرموز الوطنية الفلسطينية، مع إمكانية إجراء تعديل عليها تقرّه الوزارة. أمّا اللباس، فتحدده المدرسة، على أن يتماشى مع العادات والتقاليد. وتلتزم المدرسة بالعطل الرسمية في الدولة المضيفة والأعياد والمناسبات الفلسطينية.

وفي ما يتعلّق بالرسوم، يشرح عودة أنّ "المدارس الخاصة تتبع وزارة التربية الفلسطينية بكل شيء، باستثناء رواتب الموظفين التي تُحدّد عادة بحسب قانون العمل في الدولة المضيفة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى رسوم الدراسة، إذ إنّ الوزارة تشترط التزام المدرسة بتحصيل الرسوم المحددة منذ حصولها على الترخيص، في حين يُسمح لها برفع الرسوم بقرار من الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني".

ويشير عودة إلى أنّه "قبل منح المدارس الخاصة التراخيص، تحصل الوزارة على الكشوف الهندسية وعلى خطط إنشاء المدرسة من المستثمرين، ثمّ يذهب وفد من الوزارة لفحص الموقع والاطلاع على الخطة والكادر التعليمي بما يتواءم مع ما تشترطه الوزارة، بينما تحصل الجهات الاستثمارية للمدرسة على تراخيص من قبل الدولة المضيفة". وتشترط الوزارة، بحسب عودة، أن "يكون مبنى المدرسة موائماً لما تفرضه الوزارة على بقية المدارس الخاصة في فلسطين في ما يتعلق بالمساحات والبيئة وطبيعة المباني، وعدد التلاميذ بحسب المبنى". يُذكر أنّ مساحة المباني لا تقلّ عن 750 متراً مربعاً، في حين يصل أكبرها في العاصمة القطرية الدوحة إلى ثلاثة آلاف متر مربع، وهو مبنى مؤلّف من ثلاث طبقات.

السفارة والوزارة
وفي ما يتعلق بالإشراف على المدارس الخاصة في خارج فلسطين، يقول عودة إنّ "المسؤولية تقع على عاتق السفارة الفلسطينية في الدولة المعنية، وتتبع المدارس من الناحية الإدارية للسفير الفلسطيني الذي يتولى مسؤولية رئيس مجلس أمناء تلك المدرسة، علاوة على إشراف وفود وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية التي تزور تلك المدارس. والإشراف يكون كذلك على سير امتحانات الثانوية العامة، الذي يُعدّ من صلب مهام الوزارة".

مدرسة في رومانيا (دانيال ميخاليسكو/ فرانس برس) 













وخلال فترة امتحانات الثانوية العامة "الإنجاز"، ترسل وزارة التربية والتعليم الفلسطينية وفداً إلى كل مدرسة لمتابعة الامتحانات من أجل الحفاظ على جودة الشهادة الفلسطينية، على أن تطبق كل إجراءات امتحانات "الإنجاز" كما هي الحال في فلسطين. ويبدأ الوفد بإرسال الأسئلة والإشراف على المراقبين، ثمّ استعادة دفاتر الإجابات ونقلها إلى الضفة الغربية من أجل تصحيحها والإعلان عن النتائج في الموعد المعلن من قبل الوزارة، بعد المصادقة على الشهادة بشكل رسمي من قبل الوزارة الفلسطينية.

تجدر الإشارة إلى أنّ نحو مليون وثلاثمائة ألف تلميذ وتلميذة توجهوا هذا العام إلى مدارسهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، من بينهم نحو 20 في المائة التحقوا بمدارس خاصة. ويصل عدد تلك المدارس إلى 384 مدرسة في الضفة الغربية و57 مدرسة في قطاع غزة، بالإضافة إلى ست مدارس خاصة خارج فلسطين.

وطواقم المدارس الخاصة في الخارج، من مدرّسين وإداريين وعاملين آخرين، كلها من الجنسية الفلسطينية. وفي حال وجود نقص ما، تُستقبل طلبات الراغبين من الجاليات العربية. وربّما ينضم إلى تلك الطواقم مدرّسون أجانب في حال كانت ثمّة حاجة إلى مدرّسين يتقنون اللغات. يُذكر أنّ الحكومة التركية تشترط وجود نسبة معيّنة من الأتراك بين الموظفين.




في السياق، ومنذ أربع سنوات، بدأت ثلاث دول عربية، هي قطر والسعودية والكويت، تعاقداً مع مدرّسات ومدرّسين فلسطينيين من تخصصات مختلفة، أبرزها اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنكليزية والفيزياء، بهدف العمل في مدارسها، خصوصاً الحكومية منها. وفي قطر حالياً، نحو 200 مدرّس ومدرّسة تمّ التعاقد معهم للعمل هناك، و200 في الكويت و15 في السعودية، مثلما يوضح رئيس قسم التوظيف في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية رائد منصور لـ"العربي الجديد". ويشير منصور إلى أنّه "بعد تنسيق تلك الدول مع المعنيين من خلال السفارات الفلسطينية، وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، تحضر وفود إلى الضفة الغربية لاختيار المتقدّمين إلى تلك الوظائف التعليمية، بينما تسهّل وزارة التربية الفلسطينية بالتنسيق مع الجهات المعنية سفر المدرّسين".