"عام اللغة العربية والهوية" في مدارس الداخل الفلسطيني لمواجهة عنصرية إسرائيل

03 سبتمبر 2018
الصورة
اللغة العربية ليست مسؤولية المدرس وحده بل نظام التعليم(فيسبوك)
+ الخط -
في ظل التضييق على اللغة العربية في الأراضي المحتلة عام 1948، من قبل المؤسسة الإسرائيلية، خاصة بعد قانون القومية العنصري الذي ألغى مكانتها كلغة رسمية، ومنحها مكانة خاصة رغم أنها لغة البلاد الأصلية، يشهد الداخل الفلسطيني حراكا في الآونة الأخيرة لإنقاذ اللغة الأم وإعادة هيبتها في المجتمع، لا سيما مع انطلاق العام الدراسي الجديد في الأول من سبتمبر/ أيلول الجاري.

وأعلن أخيراً عن إطلاق مشروع "عام اللغة العربية والهوية"، بمبادرة من لجنة متابعة قضايا التعليم العربي والمجلس التربوي العربي في الداخل، وبتكليف من لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، وبالتعاون مع اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، والقائمة المشتركة، واللجنة القطرية للجان أولياء أمور الطلاب العرب، ومجمع اللغة العربية، بالإضافة لعدد من مؤسسات وجمعيات المجتمع المدني.


كما أطلق ميثاق اللغة العربية لدعمها والحفاظ عليها، وتعزيز استخدامها في الحياة اليومية وفي المؤسسات العربية، بشكل سليم، يراعي قيمتها، ليس باعتبارها لغة فحسب، بل لكونها هوية تعبّر عن شعب وتحمل همومه.

وهناك من يرى أن "ما يتهدد اللغة العربية ليس المؤسسة الاسرائيلية فحسب، ولكن أيضا أبناء المجتمع العربي الفلسطيني أنفسهم، الذين يتوجب عليهم تغيير تعاملهم معها". ويأتي التحرك بعد قانون القومية العنصري الإسرائيلي، رغم أن أصوات كثيرة أكدت على أهمية التحرك لإنقاذ اللغة العربية قبل ذلك.

اللغة العربية تحتاج إلى هبة جماهيرية واسعة

في حديثه لـ"العربي الجديد"، يعترف شرف حسان، رئيس لجنة متابعة قضايا التعليم العربي في الداخل، أنّ قانون القومية سّرع الخطى لإنقاذ اللغة العربية. كما أشار إلى إرسال رسالة للمدارس مع انطلاق العام الدراسي الجديد، تحثها على الاهتمام أكثر باللغة العربية. ويرى حسّان أن "تعزيز مكانة اللغة العربية في المدارس أمر مهم، ولكن نحتاج أيضًا إلى تقويتها في مختلف مؤسسات وأطر مجتمعنا العربي الفلسطيني، فلغتنا بحاجة إلى هبة جماهيرية واسعة في السلطات المحلية العربية التي نتوقع منها سنّ قوانين مساعدة ومحفزات لتغيير لافتات المحال التجارية على سبيل المثال، والتي تطغي على كثير منها اللغة العبرية وسط تغييب اللغة العربية".

ويقول: "نتوجه لأبناء شعبنا، ولأصحاب المحال التجارية أن يبادروا بأنفسهم للتغيير، لأن الموضوع مهم وله أبعاد يجب ان نعيها، وليس مجرد لافتات".

ويوضح حسان أن "الأمر الآخر يتعلق بالحياة الثقافية الخاصة بنا، فنحن نحتاج للمزيد من العمل لخلق نهضة ثقافية حقيقية، وتعريف الجيل الشاب بالأدب الفلسطيني، بلغتنا العربية وهويتنا. وأن نتعامل مع اللغة العربية كلغة هوية في المدارس، لأن مناهج التعليم الاسرائيلية لا تتعامل معها على هذا الأساس، وهنا يكمن التحدي".

ويتابع "توجهنا إلى المدارس لتحبب الطلاب باللغة العربية ليس من أجل الامتحانات فقط. نحن لدينا لغة جميلة ولكن بسبب التعامل الفني مع وظيفة المعلم في المدارس فإن البعد العام غائب عن مدارسنا. المدارس أصبحت أشبه بمصانع علامات".


بُعد الهوية غائب

ويشدّد حسان في حديثه لـ"العربي الجديد"، على أهمية توظيف اللغة العربية في مختلف المواضيع والقضايا، وحتى المجالات المهنية، وفي مختلف المؤسسات.



ويوضح: "المدارس ليست مسؤولية معلم اللغة العربية وحده، وإنما مسؤولية كل المعلمين بأن يتعاملوا بلغة سليمة بالحد أدنى. ويمكن إبراز اللغة العربية في التاريخ والمدنيات والجغرافيا والدين ومواد كثيرة أخرى. حتى الرياضيات، وبعيدا عن المعادلات الحسابية، يمكن أن يدخل فيها مواد عن العلماء العرب.  يمكن ترغيب الطلاب باللغة من خلال الأدب والفن والشعر وغيره. وإن بعد الهوية غائب عن مدارسنا عموماً، والتركيز هو على التحصيل وهذا أمر خاطئ".

ويلفت إلى أنّ "على المهنيين العرب أن يستخدموا المصطلحات المهنيّة في شتى المجالات بالعربيّة، فاستخدام مصطلحات الآخر فيه دونيّة معيّنة وتذويت للقهر، فلغتنا غنيّة بالمفردات وليست عاجزة. ليس هذا تعصّبًا، ولكننا أحوج ما نكون إلى ذلك، فلغتنا الأم في خطر".

ويشير إلى أن "اللغة هي أداة تفكير، فكلما كان الفرد متمكّنًا من لغته فهذا يوسّع آفاقه أكثر"، مشيراً إلى أهمية دور الأهل في البيت، في تعزيز عادة القراءة عند أولادهم منذ الصغر، "فالبيت عماد المجتمع".

نتعهد أن نصون لغتنا

وترى الباحثة كوثر جابر، التي صاغت ميثاق اللغة العربية، أن إطلاق مشروع "عام اللغة العربيّة والهُويّة" لهذا العام الدراسيّ (2018-2019) "خطوة مباركة نتمنّى أن نتبنّاها جميعًا كقضيّة فرديّة وأسريّة ومجتمعيّة على السواء"، مشيرة إلى أن المشروع "مرجعيّة داعمة ومحفّزة، نتعهّد من خلاله أن نصون لغتنا ونعزّز مكانتها في البيت والمؤسّسة، وفي الثقافة والإعلام، والحيّز العام والحياة العامّة".

وعن صياغة الميثاق، كتبت عبر صفحتها على أحد مواقع التواصل: "في تأليفي للميثاق راعيت أن يكون شاملًا لعدّة أبعاد، بحيث يمكن اشتقاق مضامين وأفكار أخرى يمكن التركيز عليها في العمل مع الطلّاب أو فئات أخرى في المجتمع. منها: اللغة والهويّة (اللغة واحدة من أهمّ مركّبات الهويّة)، اللغة وامتدادها التاريخيّ العريق بين القديم والحديث، سلامة اللغة العربيّة ما بين التعليم والعمل والتعامل بها، اللغة الحيّة القادرة على مجاراة الحياة المعاصرة، اللغة ومحمولها الثقافيّ: العلميّ والروحانيّ، اللغة نافذة للانكشاف على الحضارات والثقافات المختلفة".

وختمت: "فليكن هذا العام الدراسيّ عام التوعية بأهميّة اللغة العربيّة وأبعاد قانون القوميّة الجائر ومخاطره عليها".

وصل السكّين إلى العظم

خلال إجابته عن أسئلة "العربي الجديد" بشأن عام اللغة العربية، يبدو الشَّاعر العَروضي محمود مرعي، ابن قرية المشهد غاضبًا جدًا.  ويقول: "أريد أن أنطق بالحقيقة لا أن أتباكى. يجب أن تصل السكين إلى العظم حتى نشعر بالوجع".

ويتساءل مرعي: "هذا العنوان: عام اللُّغَة العَرَبِيَّة والهُويَّة هل هو علاج أم وصفة علاجيَّة؟ برأيي ليس هذا ولا ذاك، لأَنَّهُ مجرَّد لهو ولن يجديك غير اللَّهو والتَّسلية، كون الأمر أكبر مِمَّا نتصوَّر. إِنَّ عمليَّة هدم اللُّغَة كانت وما زالت تُمارس من قبل الـمؤسَّسة، وأحيانًا كان الأمر يوكَّل لأبناء اللغة. والـمنهج الدِّراسي مثال جيِّد هنا، ويمكن الرُّجوع إليه من بداية قيام الدَّولة حَتَّى يومنا لرؤية كيف تتمُّ العمليَّة، فالـمناهج مفروضة علينا ولسنا من يضعها، واليوم لدينا جيل في غالبيَّته غريب عن لغته".

ويضيف مرعي "إِنَّ العنوان أعلاه مع صدور قانون القوميَّة في الدولة، أشبه بمن يفيق صباحًا إلى عمله بعد أَنْ يعود العمَّال من أعمالهم، وكما يقول المثل الشَّعبي (يطعمك الحِجِّة والنَّاس راجعة)، إِنَّهُ كلعب الأطفال بالحروف، لِأَنَّ لغتنا هنا دومًا كانت في خطر، والـمتباكون اليوم، نائحات مستأجرات، أي سيقبضون ثمن الدُّموع ويعودون إلى منازلهم".

ويتابع "قد يقول قائل هذا أضعف الإيمان، ونقول دعك من الإيمان فلست من أهله ما دمت تلتمس العذر في أمر يجب أَنْ تحافظ عليه بروحك ودمك، فاللُّغة معادل للوطن، هي هُويَّتنا الحضاريَّة".

ويعرب مرعي في حديثه لـ "العربي الجديد"، عن اعتقاده بأنّ "أغلب من يتصدَّرون مشهد الدِّفاع عن العربيَّة يتباكون عليها فقط ولا يبكون حال لغتنا، ولا نعمِّم هنا، فهناك غيورون بحقٍّ على اللُّغة تُحنى لهم الهامات، لكنْ أين هم وأين أصواتهم، لقد تمَّ تغييبهم عمدًا، وأُقصوا عن الـمشهد الثَّقافي، وإن قالوا لا يسمع لقولهم. كيف تريدني أَنْ أقبل أَنْ يتصدَّر مستشرق غير عربيٍّ للدِّفاع عن العربيَّة وهو ليس من أبنائها، وابن اللُّغة يستصغر نفسه ويطأطئ أمام هذا الـمستشرق، مع أَنَّ الـمستشرق حَتَّى مخارج الحروف لا يتقنها، فأيّ لغة يتحدَّثون عنها هنا

ويضيف: "كيف أصدِّق أَنَّ مستغربًا يحافظ على لغتنا وهو مهووس بلغات الغير ويقدِّمها على لغتنا"، ذاكراً "حدَّثني عمِّي (قارب التِّسعين) أطال الله عمره، أَنَّهُمْ في عهد الانتداب البريطاني على فلسطين كانوا يتمُّون تعلُّم علم العَروض في صف السَّادس ابتدائي، وحدَّثني الأمر ذاته شاعرنا الـمرحوم جورج نجيب خليل، ولو سألت اليوم أَيَّ خرِّيج جامعي عن العَروض وأوزان الشِّعر العربي، فلن يروي غليلك بشيء. هذا مجرَّد مثال، ولا ينفع التَّباكي هنا لِأَنَّنا متَّهمون، فالدَّولة لا تريد غير ثقافتها، لكن ماذا عنَّا؟ هل انعدمت لدينا الأفكار والـمبادرات للحفاظ على ما يخصُّنا؟ حَتَّى الـمساجد والكنائس يمكننا أَنْ نقيم فيها دورات تعليميَّة للُّغة والعَروض وكلِّ ما يمتُّ للعربيَّة بصلة لو أردنا وكانت لدينَّا النِّيَّة في ذلك".

ويؤكد مرعي: "نحتاج إلى ثورة على ذاتنا، إلى انقلاب في تفكيرنا الحاضر، ولن يجدينا عام اللُّغة العربيَّة، لِأَنَّه لا يكفي ولا يجزي عن الـمطلوب الحقيقي الَّذي يحقِّق لنا ما نصبو إليه. نحتاج أَنْ نعتزَّ بلغتنا أمام الآخر ولا نستصغر أنفسنا أمامه ونراه فوقنا كونه الغالب، نحتاج من يتفانى في خدمة العربيَّة، لِأَنَّ العربيَّة تستحقُّ منا هذا وأكثر".

ويختم بالقول "لا يمكننا تحقيق ما نصبو إليه بالاعتماد على الـمؤسَّسة، يجب أَنْ نأخذ أمر لغتنا بأيدينا وننهض ونبدأ، ولدينا بدائل لا تحصى".

المساهمون