تلاميذ تونس... قلق من عودة مدرسية ساخنة

15 سبتمبر 2018
الصورة
تعود بفرح (العربي الجديد)

يستعد التلاميذ في تونس إلى بدء عامهم الدراسي الجديد اليوم، وسط خوف من عودة الاضطرابات التي رافقت العام الدراسي الماضي، خصوصاً أن العديد من المشاكل ما زالت عالقة 

يعود أكثر من مليوني تلميذ تونسي إلى مقاعد الدراسة، اليوم 15 سبتمبر/ أيلول، بعدما ثبتّت وزارة التربية التونسية هذا التاريخ بغض النظر عن اليوم الذي يصادفه. وتؤكّد وزارة التربية أنه لم تطرأ أي تغيّرات على الروزنامة الدراسية المعلن عنها نهاية العام الدراسي الماضي، خلافاً لما تمّ تداوله في بعض المواقع الإخبارية. ويأمل التونسيون أن يمر العام الدراسي بسلام وهدوء، خلافاً للأعوام الدراسية الماضية التي عصفت بها الإضرابات، ما أدى إلى اضطرابات وقلق لدى العائلات التونسية بسبب الخلافات التي لم تنجح الحكومة في فضّها مع المدرسين في قطاعي التعليم الابتدائي والثانوي.

وشهدت العودة إلى المدرسة هذا العام تجديداً كبيراً تمثّل في انطلاق التسجيل عن بُعد لجميع التلاميذ، ما مكّن من تفادي الطوابير الطويلة أمام المدارس والمعاهد، وأحدث تقدماً مهماً في كيفية إحصاء وترتيب التلاميذ وتوزيعهم على الأقسام. وأحدث هذا نقلة نوعية على الرغم من صعوبات التسجيل التي كانت متوقعة.

90 في المائة

أعلنت الوزارة أنّها تمكنت من تسجيل نحو 90 في المائة من التلاميذ حتى الآن، وقد مدّدت فترة التسجيل ثماني وأربعين ساعة إضافية. وتأمل الوزارة إحداث تغيّر كبير على هذا المستوى، ما سيمكّن أولياء الأمور من متابعة سلوك أبنائهم ومعدّلاتهم خلال العام الدراسي، ويوفّر عليهم الجهد والوقت. وتعمل وزارة التربية على إدخال تغييرات مهمة في المناهج المدرسية، مؤكدة أنها ستبدأ في تدريس اللغتين الفرنسية والإنكليزية على التوالي بدءاً من الثاني والرابع ابتدائي في العام الدراسي المقبل.

في المقابل، تؤكّد أنه بدءاً من العام الدراسي الجديد، سيكون هناك اعتماد لتجربة نموذجية في بعض المدارس الابتدائية لإقرار السبت كيوم عطلة، وتخصيصه للأنشطة الرياضية والثقافية داخل المدرسة، وتقييم هذه التجربة لاحقاً، والعمل على تعميمها وفقاً للإمكانيات البشرية والفضاء المتاح في كل مدرسة. وعقدت الحكومة مجلساً وزارياً خُصّص للنظر في الاستعدادات للعودة إلى المدرسة. وتمّ التطرّق إلى الاستعدادات، خصوصاً المتعلّقة بصيانة المؤسسات التربوية، وتوفير الكتب المدرسية، وتأمين الخدمات المدرسية، وتوفير المساعدات الاجتماعية للعائلات محدودة الدخل.



ودعا المجلس إلى ضرورة تحسين الأوضاع الاجتماعية للمدرّسين النواب، من خلال الترفيع في المنح المخصصة لفائدتهم، واستفادتهم من التغطية الاجتماعية، وتحسين مراقبة التلاميذ في المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية وسكن التلاميذ من خلال دعم الإطار البشري في سلكي القيّمين والمرشدين التطبيقيين. وشدّدت الحكومة على تطوير جودة الخدمات المقدمة في المطاعم المدرسية عبر دعم الإطار البشري العامل فيها وزيادة الأسعار.

مشاكل عالقة

في المقابل، ومع بداية كل عام دراسي، يتساءل الأهل عن العلاقة ما بين النقابة والحكومة، وإن فُضّت المشاكل العالقة منذ سنوات. ويتوقّع الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، في أحد تصريحاته الصحافية، أن "تكون العودة إلى المدرسة هذا العام ساخنة، نظراً للبنى التحتية والأشغال غير المكتملة المرتبطة بالتزود بالمياه الصالحة للشرب في المدارس والمعاهد العامة، إضافة إلى أن مطالب التعليم الثانوي ما زالت تراوح مكانها".

من جهته، يؤكد الكاتب العام المساعد لنقابة التعليم الثانوي نجيب السلامي، لـ "العربي الجديد"، أنّ إشكاليات عدة ما زالت عالقة ولم تحل. بالتالي، فإنّ العودة إلى المدرسة لن تخلو من مشاكل. ويبين أن هناك شغوراً في التعليم الأساسي والثانوي، وبالتالي لا بد من العمل على سدّه. كما أنّ الأعمال لم تنتهِ في المعاهد على الرغم من بدء العام الدراسي. ويبين أنّ أبرز الإحصائيات تؤكّد الارتفاع في الأسعار بنسبة 30 في المائة في غالبية الأدوات المدرسية. كما أن الملف التربوي في القطاع الثانوي، والذي أدى إلى تعطل الدروس، ما زال عالقاً.

أحلامهم كبيرة (العربي الجديد) 


وحول قرار وزارة التربية الجديد القاضي بالتسجيل عن بعد، يقول إنه ليس ضد التطور العلمي والتكنولوجي، لكن يبدو أن الإجراء الذي اتخذته وزارة التربية، والذي يهدف إلى تسهيل التسجيل، سبب ازدحاماً كبيراً في مكاتب البريد وضاعف الأعباء على الأهل. يضيف: "النقابة مع التطور لكن لا يجب إثقال كاهل المواطنين وإضافة الأعباء على عاتقهم. بدا أن هذا الإجراء خلق مشكلة كبيرة وأثر سلباً على عملية التسجيل"، مشيراً إلى وجوب مراجعة هذا القرار بطريقة يكون فيها التسجيل عن بعد أكثر بساطة وسلاسة.

وفي تقييمه للإحصائيّات التي أشارت إلى أنّ 69 في المائة من التونسيّين يثقون في المؤسسات التربوية العامة، يقول إنه على الرغم من محاولات ضرب المؤسسة العامة، إلّا أنها حافظت على موقعها، مبيناً أن نسبة المقبلين على القطاع الخاص لا تتجاوز 6 في المائة، ما يشير إلى أن الإقبال على المؤسسة العامة هو الأصل، لكن يجب الاهتمام أكثر بهذه المؤسسات من خلال منحها الميزانيات اللازمة، خصوصاً أن بعض الميزانيات تتقلص من عام إلى آخر. كما أن هناك مشاكل عدة تتمثل في غياب المواد الأساسية كالطباشير والأوراق التي يحتاجها المدرسون.
ويلفت إلى أن الأولوية في العام الدراسي الحالي هي لسد الشغور وانتداب 1200 مدرس من النواب، ودعم الميزانيات الضعيفة.

اختارت حقيبة زهرية (العربي الجديد) 


الكتب على ما هي عليه

من جهة أخرى، يؤكّد مدير عام المركز الوطني البيداغوجي في وزارة التربية بلقاسم الأسود، أنه لا وجود لأي تغيير في محتوى الكتب المدرسية والوثائق والمنشورات البيداغوجية بالنسبة لهذه السنة الدراسية، وأن أسعار الكتب تحافظ على استقرارها منذ عام 2009. ويوضح لوكالة الأنباء التونسية أن تغيير المضامين البيداغوجية للكتب المدرسية يبقى رهن المصادقة على مشروع الإصلاح التربوي الذي تنجزه الوزارة بالتعاون مع مختلف الشركاء، موضحاً أن الإدارة العامة للبرامج والتكوين المستمر في وزارة التربية هي الجهة التي تتولى الإشراف على صياغة وإعداد البرامج البيداغوجية التربوية. ويؤكّد أن المركز الوطني البيداغوجي انطلق منذ شهر أبريل/ نيسان الماضي في طباعة 340 عنواناً لكتب مدرسية ووثائق بيداغوجية، وقد تولى المركز حتى الآن إصدار 13 مليون نسخة من الكتب المدرسية.

يضيف أن المركز سيوفّر نحو 15 مليون نسخة من هذه الكتب والوثائق، بزيادة تقدر بمليون نسخة بالمقارنة مع حجم الإنتاج السنوي من الكتب خلال العام الدراسي الماضي، من أجل تغطية طلبات نحو 4500 مكتبة خاصة. ويبيّن أن هذا الإجراء يهدف إلى تلافي المشاكل الناجمة عن نشاط جمعيات تتولّى اقتناء كميات من الكتب وتوزيعها على التلاميذ في إطار أنشطة خيرية.

ويلاحظ مدير عام المركز الوطني البيداغوجي أن عدد التلاميذ الملتحقين هذه السنة بمؤسسات التعليم الأساسي والثانوي سجل زيادة تقدر بنحو 100 ألف تلميذ، مؤكداً أن هذه الزيادة في عدد التلاميذ لن تؤثر على تأمين الكتب المدرسية.

جاهزون للصورة (العربي الجديد) 


إصلاح تربوي

ويبقى ملفّ الإصلاح التربوي معلقاً منذ سنوات بسبب الخلافات العميقة بين الحكومات المتعاقبة والنقابات وبقية الأطراف المعنية. ولم يطرأ أي تغيير على أوقات الدراسة أو المناهج أو اعتماد أساليب أكثر تطوراً لرفع مستوى التعليم في تونس الذي تراجع بعض الشيء، بحسب كل المؤشرات الوطنية أو الدولية. واستفاق التونسيون مؤخراً على خبر أثار لديهم مرارة كبيرة، بعدما أعلن وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي، خلال توقيع اتفاقية في مجال محو الأمية وتعليم الكبار بين وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التكوين المهني والتشغيل، أنّ نسبة الأمية في تونس بلغت 19.1 في المائة، وهي الأعلى منذ استقلال البلاد في عام 1956.
ويقول وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي إن نسبة الأمية ارتفعت من 18.2 في المائة عام 2010 إلى 19.2 في المائة حالياً، وذلك للمرة الأولى منذ الاستقلال. ويقول إنّ "الحرب ضد الأمية أخذت نسقاً تصاعديًا منذ بداية الاستقلال، وتراجعت إلى 18.2 في المائة بين عامي 2010 و2011".

وبلغت نسبة الأمية في صفوف النساء في الريف 41 في المائة، وتجاوزت 30 في المائة من مجموع السكان في الشمال الغربي والوسط الغربي، في حين تجاوزت 25 في المائة لدى مجموع الإناث في البلاد. وعلى مستوى القطاعات، فحلّ قطاع الزراعة (لناحية الأمية) في الصدارة بنسبة 53 في المائة، في وقت بلغت 22.4 في المائة في قطاع الخدمات. وبالنسبة للمنقطعين مبكراً عن التعليم، ناهز عددهم 120 ألفاً، من بينهم 20 في المائة مهددون بالأمية.
ولا يخفي التونسيون حقيقة أن مدارسهم و معاهدهم شهدت تراجعاً كبيراً منذ عقدين من الزمن، بسبب فشل مشاريع الإصلاح التربوي، والخلافات الداخلية حول المرجعيات في إصلاح التعليم، ما أدى إلى مشاكل كبيرة في تكوين التلاميذ من ناحية، وتوسعها إلى المحيط المدرسي عموماً، إضافة إلى زيادة العنف في الوسط المدرسي، وتراجع مكانة المدرسين، والتخلي عن وظيفة التربية، عدا عن انتشار المخدرات، وانقطاع عشرات الآلاف عن التعليم سنوياً، في وقت تتواصل الأزمات السياسية والاقتصادية التي تحول دون دعم موازنات التعليم الضرورية لصيانة المدارس وتحديثها وتجهيزها بالمعدات التكنولوجية الضرورية.



تجدر الإشارة إلى وزارة التربية ستعتمد العام الحالي نظام الأسبوع (خمسة أيام بالنسبة لتلاميذ السنوات الأولى والثانية والثالثة والرابعة ابتدائي). وفي العام المقبل، سيعمم أسبوع الخمسة أيام على مستوى سنتي الخامسة والسادسة ابتدائي على أن تتم مراسلة الأهالي لاحقاً لتخييرهم بشأن إلحاق أبنائهم في مدارسهم يوم السبت لمتابعة دروس التدارك أو الأنشطة الثقافية والاجتماعية. ويعد هذا الإجراء مطلباً مهماً من الأهالي والمربين منذ سنوات لتخفيف كاهل التلاميذ من جهة، وفتح مجالات جديدة أمامهم من ناحية أخرى لممارسة الرياضة والأنشطة الثقافية في المؤسسات التربوية، وإعادة النوادي الثقافية التي ساهمت في الماضي في تكوين أجيال من المثقفين والرياضيين.

وأكد وزير التربية حاتم بن سالم أنه سيتم بدءاً من العام الدراسي المقبل منع المدرسين في المدارس الحكومية من تقديم دروس خصوصية في المدارس والمعاهد الخاصة. وقال إن العقوبات قد تصل إلى العزل النهائي من التدريس، مؤكداً أن الوزارة تخوض حرباً في هذا المجال، وقد كونت لجاناً لإثبات تقديم الدروس الخصوصية خارج الصيغ القانونية.
وكشف أنّ إجمالي عدد التلاميذ في مستهل السنة الدراسية الحالية يبلغ 2.121 مليون تلميذ، في مقابل 2.078 مليون تلميذ خلال السنة الدراسية الماضية، أي بزيادة تقدر بـ 2% (نحو 43 ألف تلميذ)، موزّعين على 85635 فصلاً، بتراجع يقدر بـ 0.6% مقارنة بالسنة الماضية.