كوليرا واكتظاظ... بدء العام الدراسي في الجزائر

04 سبتمبر 2018
الصورة
إلى المدرسة (Getty)
غداً يبدأ العام الدراسي في الجزائر، حاملاً معه مشاكل مستمرة منذ سنوات، منها ما يتعلّق بالبرامج التربوية والاكتظاظ وغيرها. هذا العام، أضيفت أزمة جديدة تتمثّل في وصول الكوليرا إلى ست محافظات، ما أثار الرعب بين العائلات  

يلتحق أكثر من تسعة ملايين تلميذ في مدارس الجزائر غداً الأربعاء، بعد انتهاء العطلة الصيفية التي دامت شهرين ونصف الشهر. لكن العودة إلى المدرسة هذا العام تأتي مصحوبة بالمشاكل المتراكمة في القطاع التربوي والاكتظاظ والأزمات الاجتماعية وظهور الكوليرا، الذي أثار مخاوف العائلات والهيئات الحكومية على حدّ سواء بشكل كبير.

صحيح أنّ السلطات الجزائرية تمكّنت من السيطرة على المرض، إلّا أنّ الخوف من انتقاله إلى المدارس ما زال قائماً، في ظلّ هشاشة المؤسسات التعليمية في بعض المناطق الداخلية في الجزائر، والتي لا تحظى بالاهتمام اللازم بسبب ضعف إمكانيات البلديات التي تقع هذه المؤسسات تحت سلطتها الإدارية. وغالباً ما لا تستطيع توفير معدّات للتنظيف والوقاية بشكل مستمرّ لهذه المؤسسات التربوية.

يقول نائب رئيس الجمعيّة الوطنية لمنظمة أولياء التلاميذ رابح طبال لـ "العربي الجديد": "لدى المنظمة مخاوف من الكوليرا. لكنّها مرتاحة للتدابير التي أعلنتها وزارة التربية الوطنية والسلطات الحكومية بشأن الوقاية في المدارس والمؤسسات التعليمية". يضيف: "ربّ ضارة نافعة. إذ إن ظهور الكوليرا كان فرصة لإعادة فرض مزيد من الصرامة في ما يخص النظافة والوقاية في المؤسسات التعليمية".

هذه وسيلة نقلهم (العربي الجديد) 


خوف

أصيب عدد من الأطفال بالكوليرا، وقد استقبلت المستشفيات 74 طفلاً لن يلتحقوا بالمدارس حتّى يسمح لهم الأطباء بذلك، بعد التأكّد من شفائهم التام. وبالتزامن مع إعراب بعض أولياء الأمور عن مخاوفهم، دعت نقابات التعليم إلى إرجاء بدء العام الدراسي في المحافظات الست التي ظهر فيها الكوليرا. إلّا أن وزيرة التربية الجزائرية نورية بن غبريت أعلنت على صفحتها على "تويتر" إن "الدخول إلى المدرسة سيكون في موعده المحدد في الخامس من شهر سبتمبر/ أيلول على كامل التراب الوطني، ولا يستدعي الكوليرا إرجاء الدخول إلى المدرسة في الولايات الست، بعدما اتخذت كلّ الإجراءات حيال الكوليرا ليس فقط على مستوى الولايات التي سجلت إصابات، بل على صعيد كل ولايات الوطن. وأصدرنا تعليمات بضرورة الالتزام بقواعد النظافة للوقاية من مخاطر هذا المرض".



في هذا السياق، أصدرت وزارة التربية والتعليم بروتوكولاً خاصاً بالنظافة والأمن الصحي، عمّمته على مستوى المؤسسات التعليمية لتنفيذه بهدف الوقاية من الكوليرا، وتأمين بيئة مدرسية خالية من المخاطر والأضرار التي تنجم عن غياب النظافة. ويشدد البروتوكول على تنظيف المحيط المدرسي، وتنظيف الخزانات والصهاريج ودورات المياه والمطابخ حفاظاً على صحة التلاميذ والطاقم التربوي، خصوصاً المؤسسات التي تشهد اكتظاظاً كبيراً في الأقسام والفصول.

والتحق الموظّفون الإداريون والمدرّسون في المؤسسات التعليمية أول من أمس، استعداداً للدخول إلى المدرسة. ويوظّف قطاع التربية والتعليم في الجزائر أكثر من 700 ألف موظف، غالبيّتهم أساتذة ومدرسون، إضافة إلى الفريق الإداري والمشرفين الفنيين والأعوان. وتحظى وزارة التربية بإحدى أكبر الموازنات المالية، وإن كان القطاع ما زال يعاني من المشاكل المزمنة نفسها التي تثير الجدال مع بدء العام الدراسي.

اكتظاظ

ككلّ عام، تعاني المدارس في الولايات الداخلية في الجزائر من مشكلة الاكتظاظ، ويصل عدد التلاميذ في القسم الواحد في بعض البلديات إلى أكثر من 40 تلميذا، خصوصاً في ولايات الأغواط وأدرار جنوب الجزائر، والبيض وتيارات غرب البلاد، على الرغم من الوعود التي قدمتها الحكومة للقضاء على هذه المشكلة. وكانت بن غبريت قد تعهدت الأحد الماضي بحل مؤقت لهذه المشكلة، قائلة إن "المؤسسات التربوية التي تعاني من الاكتظاظ في بعض الولايات ستُدعم بأقسام جاهزة بشكل مؤقت، وقد تمت الاستعانة بالأقسام الجاهزة في بعض المناطق على غرار الضواحي الشرقية والغربية للعاصمة الجزائرية، ما أدى إلى توافد كبير للتلاميذ في ظل الكثافة السكانية التي شهدتها هاتان الناحيتان بسبب عمليات الترحيل التي طاولت سكان الأحياء الهشة في العاصمة الجزائرية". وأكدت أن "هذا الأمر يبقى مؤقتاً فقط، وسنعمل جاهدين بالتنسيق مع القطاعات المعنية الأخرى بهدف إيجاد حلول سريعة ودائمة وفي أقرب الآجال، لأننا لن نسمح إلا أن يكون أولادنا في ظروف مريحة وملائمة"، مشيرة إلى أن الاكتظاظ يسبب الرسوب.

من العام الدراسي الماضي (العربي الجديد) 


وتُسابق البلديات الزمن لتجهيز المدارس والمؤسسات التعليمية لاستقبال التلاميذ. ويقول رئيس بلدية الجزائر الوسطى التي تقع وسط العاصمة الجزائرية عبد الحكيم بطاش: "تسعى البلدية لإنجاح المسار الدراسي من خلال حرصها الدائم على تجهيز وتهيئة العديد من المرافق، والحدّ من المشاكل التي قد تعكّر صفو الدراسة". ويشير إلى "عملية تهيئة وترميم هذه المدارس بعد تخصيص مبالغ معتبرة لعملية الترميم، ناهيك عن الأمور الأخرى الخاصة بالتجهيز، كاقتناء المستلزمات الضرورية وتزويدها بنظام التدفئة المركزية". وتسعى البلديات الداخلية إلى الإسراع في وضع خطط للنقل المدرسي بالنسبة لتلاميذ المناطق النائية والبعيدة عن المدارس، خصوصاً أن فصل الخريف على الأبواب.

قرطاسية

بدأت العائلات التي لم تلبث أن استراحت من أعباء العطلة الصيفية وعيد الأضحى، شراء الزي المدرسي والمستلزمات المدرسية الأخرى. وتشهد الأسعار ارتفاعا طفيفاً بالمقارنة مع العام الماضي، وبلغ سعر الحقيبة المدرسية مع بعض الإضافات لتلميذ في الصف الرابع نحو 60 دولاراً، عدا عن الكتب المدرسية التي توزعها المدارس على التلاميذ بعد الدخول إلى المدرسة.

يقول خالد حباشي، الذي يقيم في حي بلكور وسط العاصمة، لـ "العربي الجديد": "المناسبات الاجتماعية والدينية المتعاقبة بدءاً من شهر رمضان، ثم عيدي الفطر والأضحى، إضافة إلى العطلة الصيفية، أرهقت العائلات وجعلتها تحاول تدبر أمورها بصعوبة، خصوصاً أن طلبات الأطفال كبيرة مع بدء العام الدراسي من ملابس وأدوات مدرسية وكتب". ويشير إلى أن "بعض العائلات ذات الدخل المحدود والتي تتقاضى 25 ألف دينار (نحو 160 دولاراً شهرياً)، ستجد صعوبة كبيرة في توفير مستلزمات بدء العام الدراسي".

وفي وقت تتعامل العائلات الميسورة مع بدء العام الدراسي كاستحقاق اجتماعي، تضطر عائلات أخرى من ذوي الدخل المحدود إلى إقناع أطفالها باستخدام مستلزمات من العام الماضي. إلا أن جزءاً يسيراً من العائلات الجزائرية محدودة الدخل لا تجد في كل موسم ما تملأ به كفها. عائلة ليلى غ. في بلدة العفرون في ولاية البليدة (100 كيلومتراً جنوب العاصمة الجزائرية) تنتظر في كل عام مبادرة خيرية تطلقها جمعية كافل اليتيم الخيرية للحصول على ملابس وحقيبة وبعضاً من القرطاسية لها ولاثنين من أشقائها. ووزعت جمعية كافل اليتيم في ولاية تيارت غرب الجزائر بعض القرطاسية على 3109 تلميذ وتلميذة موزعين في 26 بلدة السبت الماضي.



يقول الناشط في الجمعية نور الدين بسباس إن" الجمعية الخيرية تجمع المستلزمات المدرسية والملابس التي توزع على التلاميذ اليتامى من المحسنين الذين يساهمون معنا في تجهيز الحقيبة المدرسية لأبنائنا، في إطار حملة حقيبة يتيم". يضيف: "الجمعية تمكنت هذا العام من توفير المآزر لصالح التلاميذ".

ولا تنتهي هواجس أولياء التلاميذ عند مشاكل من قبيل ارتفاع أسعار الكتب والأدوات المدرسية والكوليرا والاكتظاظ ومآزق الحكومة بشأن البرامج والكتب والنقل المدرسي. ويُخيّم هاجس الإضرابات التي عادة ما تشهدها المدرسة الجزائرية على الأهالي. وفي وقت تسعى وزارة التعليم إلى أن يكون العام الدراسي خالياً من الإضرابات التي امتدت ثلاثة أشهر العام الماضي، وأثرت سلباً على التحصيل الدراسي للتلاميذ، تهدد بعض نقابات التعليم والموظفين بالاحتجاج بسبب مطالب اجتماعية ومهنية ما زالت عالقة منذ سنوات.