مصاعب الدخول المدرسي لأطفال الجالية العربية في فرنسا

03 سبتمبر 2018
الصورة
أهالي أطفال فرنسيين يرافقونهم إلى المدارس (ستيفاني ساكوتين/فرانس برس)


لم تذهب جميلة المرابطي، الباحثة في البيولوجيا بجامعة باريس السادسة، إلى عملها، صباح اليوم، كما جرت العادة. طلبت إذناً بالتغيّب، وكذلك فعل زوجها، وهو مدير فندق، والسبب مرافقة ابنيها إلى المدرسة في أول أيام الدراسة.

الشيء نفسه فعلته المغربية مريم الجندي، والتي التحقت بزوجها في فرنسا قبل أقل من عام، فيما لم يسمح لزوجها بالتغيّب رغم إلحاحه. ومثلهما فعل كثير من الفرنسيين اليوم، وخاصة من الجالية العربية، ليتمكنوا من مرافقة أبنائهم إلى المدارس. 12 مليونا و400 ألف طفل ومراهق في فرنسا، أعمارهم بين ثلاث سنوات و18 سنة، يعودون اليوم إلى المدرسة، وبينهم من سيطأها لأول مرة.
تقول المرابطي: "ابني عصام يحدثنا عن المدرسة منذ أيام طويلة، وكل يوم يفتح حقيبته المدرسية ويتفقد محتوياتها عدة مرات".

ربما يصعب وصف فرحة الأطفال بالعودة إلى المدارس، لكن بالنسبة للآباء الذين يحلمون بمستقبل واعد لأبنائهم، فإن التضحيات التي يتوجب تحملها ليست هيّنة، خاصة على العائلات متواضعة الدخل، فمن السهل على عائلة ميسورة استخدام شخص لإيصال الأبناء إلى المدرسة ثم إعادتهم إلى البيت. تقول سعاد الأحمدي: "لا نعود إلى البيت أنا وزوجي إلّا في السابعة مساءً، وهو ما يستوجب أن يكون ثمة من يحضر الأبناء من المدرسة".
ظروف عائلات أخرى لا تسمح بتلك الحلول، فعائلة السوسي قررت أن يتوقف أحد الزوجين عن العمل ليكرس نفسه ووقته للأبناء. يقول حميد السوسي: "قررت ترك العمل لأن مرتّبي أقل من مرتب زوجتي، وأن أكرّس وقتي لأبنائي. أطهو الطعام وأوصلهم إلى المدرسة، ثم أعيدهم، وأحيانا أرافقهم في نزهات مدرسية. لم نجد أفضل من هذا الحل. فتشغيل مرافقة للأبناء مُكلفٌ، إضافة إلى تأثير ذلك على تربيتهم".

وأصبح التعليم رهاناً كبيراً بالنسبة للجالية العربية، وللفرنسيين من أصول عربية، فقد بات الجميع يدرك أن أفضل طريقة للاندماج في المجتمع الفرنسي تمرّ عبر التحصيل العلمي. يقول المصري الأصل، عبد الصمد الشريف: "كل شيء يهون من أجل سعادة أبنائنا. لن نكرّر تجارب آبائنا معنا".
ولكن للتضحيات ثمنا يرهق كاهل العائلات، ويؤثر على كثير من أنشطتها، فقد يحرم بعضها من العطلة الصيفية، أو يجعل أخرى في حال تقشف دائم. وحسب التقديرات الحكومية الفرنسية، فإن الإنفاق المتوسط على طفل في مدرسة أولية يصل سنويا إلى 6300 يورو، ويرتفع بالنسبة لتلميذ في المدارس الإعدادية إلى 8580 يورو، ثم إلى 10870 بالنسبة لطالب الثانوية، ثم إلى 12380 يورو بالنسبة لطالب في ثانوية مهنية.

وتعتبر هذه التقديرات باهظة بالنسبة لكثير من العائلات العربية التي تسود بينها مستويات عالية من البطالة، أو التي تعتبر من ذوات الدخل المحدود، وتحاول الحكومة الفرنسية تقديم بعض المساعدات للعائلات.
فإذا كانت عائلة المرابطي لا تتلقى شيئا لأنّ مرتَّب الزوج والزوجة مرتفع، وهو ما يفرض عليهما دفع الضريبة على الدخل، فإن عائلات كثيرة تتلقى مساعدات تخفف عنها وطأة المصاريف المرتفعة للأدوات المدرسية.

ويؤكد المغربي سعيد المراكشي، الذي يعمل حارس سيارات، أنه حصل في نهاية شهر أغسطس/آب على مساعدة قيمتها 1157 يورو، لتحمل نفقات أبنائه الثلاثة الذين تراوح أعمارهم بين التاسعة والسابعة عشرة. ويشدد على أن "هذا المبلغ ضروريّ لبداية الموسم الدراسي. المنحة جاءت في وقتها".
وقررت عائلة المرابطي تسجيل ابنيها معاً في مدرسة خاصّة، دافعة رسوماً تقترب من 6 آلاف يورو في السنة، مبررة قرارَها بأن مستوى التعليم في المدارس العمومية لا يتوقف عن التدهور، وأن العنف يسودها، إضافة إلى التغيب المتكرر لمدرّسيها، فضلا عن كونها لا تمانع، خلافا للمدارس الرسمية، في ارتداء الحجاب.

يُقبّل عبد الواحد العزوزي طفلته أمام بوابة مدرسة إعدادية خاصة في باريس، يربت على رأسها بحنان وهو يحاول أن يبعد عن خاطره التضحيات التي يتوجب عليه أن يتحداها في السنة الدراسية الجديدة، ويقول: "لماذا لا يزال مسؤولو الجالية العربية متلكئين في فتح مدارس خاصّة، على غرار ما تفعله الجماعات الأخرى؟".

دلالات