اصطفاء مدارس الحرب

09 سبتمبر 2018
الصورة
تفتيش على الأظافر عام 1991 (ليلي فراني/ فرانس برس)
المرايل الكحلية الداكنة التي تصل إلى الركبة، بأكمامها الطويلة أيضاً، لم تكن تميز بين صبي وفتاة. الجميع يرتديها من الأول الابتدائي إلى الرابع المتوسط (الصفوف الأساسية التسعة)، قبل أن يتسنى لبعضهم الانعتاق إلى عالم أكثر ألواناً. في الثانوية يرتدي الصبيان قمصاناً بيضاء، وتتخفف الفتيات من الأكمام الطويلة واللون الداكن إلى مرايل قصيرة، بلا أكمام، زرقاء سماوية. حتى المبنى في الثانوية مضيء وصفوفه واسعة، وتلاميذه قلة، وملعبه المجهز لكرة القدم مكشوف على الشمس.

كأنّ الانتقال من المتوسطة إلى الثانوية في أعوام الحرب الأخيرة تلك في لبنان نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، كان يخضع كلّ واحد منا - نحن الذين يفترض بنا أن نكون أطفالاً ولا نعتبر أنفسنا كذلك ولا أحد ينتبه إلى طفولتنا المفترضة تلك - إلى اختبار في قدرة التحمل، بدلاً من الاختبارات المدرسية المعتادة.

الحياة داخل المدرسة كئيبة وخطيرة تصل إلى حدّ الأذى والمهانة، فخمسون تلميذاً في كلّ صف من الصفوف المتوزعة على أربعة طوابق أحدها أرضي في مبنى سكني في الأصل.

هي صفوف متكدسة بتلاميذ من الجنسين؛ بأنفاسهم وروائحهم المختلطة، تلك التي تحتاج كلّ فترة إلى حملة نظافة تديرها دائرة الصحة في الوزارة. حملات تبدأ بالتفتيش على الأظافر، وترصد الأمراض الجلدية، وتمرّ على الرؤوس واحداً واحداً فتحمل المعلمة قلمي رصاص تغوص بهما في شعر الفتى أو الفتاة أمام رفاقهما، وتكون جاهزة لقتل القملة ما إن تصادفها، ثم تقول لأحدهم: "أخبر والدتك أنّ في رأسك سيبانا. لا تأتِ إلى المدرسة قبل أن تنظفك تماماً" داعية الآخرين إلى الابتعاد عنه فوراً، بانتظار دورهم في التفتيش.

الطرد من المدرسة لا يقتصر على النظافة الغائبة، فهي أهون الشرور بالمقارنة مع عدم دفع القسط. المدرسة المجانية تطلب القسط إذ لا تصل رواتب مدرّسيها من الدولة كما تزعم إدارتها. لا بدّ من صفّ التلاميذ الذين لم يدفع أهلهم في الملعب أمام الجميع في الطابور الصباحي بعد إنشاد "كلنا للوطن" وضربهم بالخيزرانة عقاباً لأهلهم الذين لم يدفعوا، قبل طردهم.

تلك الخيزرانة لها طابع المزاج لدى بعض المدرّسين الذين يعشقون استعمالها على أيدينا وسيقاننا... وأقدامنا عندما يضطرون. بعضهم يزينها بالجلد فتغدو أجمل وأكثر إيلاماً. الضرب يمتد إلى "الكسل"، والمشاغبة التي تصل إلى حدّ صفع المعلم والمعلمة والهرب من الفصل، وشعر الصبيان الطويل، وأظافر الفتيات الطويلة والملونة، وطلب الذهاب إلى المراحيض خلال سير الحصة حتى.




لعلّ المتوسطة إذ كانت على هذه الحال، كانت تمثل آلية اصطفاء مبكرة، هدفها تسرّبٌ مباشر منها لأكبر عدد ممكن من التلاميذ قبل الوصول إلى الثانوية. فالمعامل والأسواق تحتاج إلى أطفال من الجنسين، والحرب لا بدّ لها من مقاتلين وإن كانوا قاصرين، وزواج الفتاة ليس من الغريب بشيء أن يكون في الثالثة عشرة.

في أوطان الحروب الحالية، انتبهوا إلى أطفالكم، فهم ما زالوا أطفالاً.