دبلوماسيون غربيون يراقبون احتجاجات مصر: العين على الجيش

23 سبتمبر 2019
الصورة
النظام بعد 20 سبتمبر ليس كما قبله (فرانس برس)
على مدار 6 سنوات ماضية، سعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى بناء جدار من الخوف عبْر عمليات قمع واسعة لأي تظاهرات أو احتجاجات، بشكل يمنع تكرار مشهد ثورة 25 يناير عام 2011 معه، قبل أن يفاجأ بتصدّعات كبيرة أصابت هذا الجدار مساء الجمعة الماضي، بعد خروج حشود وصل مجموعها للآلاف، في عدد من الميادين بالمحافظات المصرية، استجابة للدعوة التي أطلقها الفنان ورجال الأعمال محمد علي. وتحدّثت مصادر غربية في القاهرة لـ"العربي الجديد" عن توقعاتها للمشهد الراهن الذي يكتنفه الغموض، نظراً للأوضاع الإقليمية الملتبسة، وسط توقف أحد المصادر عند وجود مؤشرات تفيد بوجود أمر ما داخل مؤسسة الجيش. وقال دبلوماسي غربي في القاهرة: "بالطبع ما شهدته القاهرة وعدد من المحافظات المصرية كان مذهلاً، لم نكن نتوقّع حجم الاستجابة لدعوات التظاهرات التي دعا لها رجل الأعمال محمد علي. كان الأمر بمثابة الحلم"، مؤكداً أنّه يصعب التكهّن في الوقت الحالي بالخطوة التالية، في ظلّ انشغال إقليمي بالأزمة في الخليج والصراع مع إيران.

وشدد الدبلوماسي على أنه "حتماً مشهد تظاهرات الجمعة سيؤخذ في الحسبان، ليس هناك مجال للسماح بمصر مضطربة أو تكرار تجارب أخرى"، مضيفاً: "في اعتقادي، سيكون هناك توافق دولي كبير على إيجاد حل يُنهي هذا الاضطراب في أسرع وقت". وحول توقّعه لطبيعة الحلول في مثل هذه الحالات، قال الدبلوماسي الغربي إنّ "الأمر يتوقّف على الشارع والحراك والقائمين عليه وما هي مطالبهم"، لافتاً إلى أنه "إذا كان الأمر يمكن حله في حزمة إصلاحات سياسية، فسيكون هناك تدخل واضح من جانب القوى الأوروبية لدفع النظام المصري إلى ذلك وتقديم ضمانات حقيقية لتحقيقه". وتابع "نأمل ألا تكون الأمور معقدة".

وتعليقاً على التطورات نفسها، تحدّث دبلوماسي آخر لـ"العربي الجديد"، قائلاً "بشكل أكثر وضوحاً، هناك معادلة بسيطة، وهي أنّ الجميع لن يقبل بسقوط دولة بحجم مصر في هذا الإقليم المضطرب، وفي سبيل ذلك سيتم تحقيق أي شيء". وأكد "بالطبع إذا استمرت مظاهر الغضب الشعبي وأخذت في التصاعد، لن يكون أمام الأطراف كافة إلا الاستجابة لمطالب هذا الحراك، خصوصاً أنها ربما تتوافق مع رؤى دولية".

وتابع المصدر نفسه أن "النظام المصري فشل على المستويات كافة في استغلال حجم الدعم الهائل الذي حظِي به على مستويات عدة لتحقيق طفرة تدفع في اتجاه استقرار الأوضاع في مصر"، مشدداً في الوقت ذاته "الكلمة الأخيرة والعليا في هذه المواقف للشعوب، والخارج دوره يكون داعماً فقط". وحول سيناريوهات المستقبل القريب، أوضح المصدر أن "الأمر صعب ومعقد وليس بالسهولة التي يتصورها البعض، ولكن من الملاحظ أنّ هناك تحللاً لعلاقات النظام الحالي في مصر مع بعض مؤسسات الدولة الفاعلة". وتابع "التقارير تواصلت على مدار الأسبوع الماضي من السفارات الأوروبية لدوائر القرار في بلادها"، مشدداً على أن "القناعة هي أنّ الرئيس المصري الحالي انتهى، لكن متى ستكون الخطوة النهائية، هذا ما يصعب التكهّن به حالياً". ورأى الدبلوماسي نفسه أنّ "الكلفة السياسية لبقاء النظام المصري بوضعه الحالي، أكبر بكثير من الاستجابة لمطالب الشارع الغاضب".

من جانبه، رأى مسؤول أوروبي في القاهرة أنّ "الخطوة التالية ربما تؤخّر بعض الشيء التعاطي مع حراك الشارع المصري؛ فهل سيتم إجبار النظام الحالي على الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة كمخرج، أم سيتم اللجوء لتطبيق التعديلات الدستورية الأخيرة التي تمنح المؤسسة العسكرية حق التدخل كضامن لتحقيق الديمقراطية؟".

وتنصّ المادة 200 من الدستور المعدل أخيراً على أنّ "القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها وصون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد، والدولة وحدها هي التي تُنشئ هذه القوات، ويحظر على أي فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية".

وقال المسؤول الأوروبي "السيسي بنفسه حصّن دور القوات المسلحة السياسي"، مشيراً إلى أنّ "المعنيين كافة، وفي مقدمتهم قطاعات شعبية كبيرة، هي من تطالب بتدخل المؤسسة العسكرية لحسم الأمر، وفي مقدمة هؤلاء صاحب دعوة التظاهر"، في إشارة إلى محمد علي. وتابع "بخلاف الرغبة في عدم وجود بؤرة اضطراب جديدة في المنطقة، هناك استثمارات أوروبية في مصر نسعى بالطبع لحمايتها، وهو ما يستوجب لعب دور من جانب الحكومات".

وقال دبلوماسي آخر إنّ هناك قلقاً متنامياً لدى الدوائر الغربية جراء تصاعد التظاهرات وما يمكن أن يصاحبها من أعمال فوضوية، وتحولها لعمليات تخريب وانفجار المشهد، متابعاً "الافتراض بأنّ السيسي، حال خرج الشعب، سيتخلى عن الحكم وبالسهولة التي يتحدث بها البعض، أمر ساذج للغاية، فانتقال الحكم في مصر مسألة تحتاج ترتيبات معقدة، واتفاق بين أطراف عدة، على رأسها بالطبع المؤسسة العسكرية".

وأضاف "الحديث عن تغييرات واسعة في بنية النظام المصري والانتقال لحكم ديمقراطي دفعة واحدة أمر شبه مستحيل، ولكن يمكن التوافق حول صيغة تسمح بحياة سياسية متزنة، وربما آليات لتداول السلطة عبر عملية سياسية جادة في مرحلة لاحقة".

ووصف الدبلوماسي الغربي نفسه الحديث عن تحوّل جذري، وإطلاق نظام ديمقراطي كامل عبْر ثورة شعبية بـ"الحالم"، مؤكداً "الأمر ليس بالسهولة التي يتحدث بها السياسيون، فهناك مؤسسات قوية في مصر تتحكّم في معظم أوراق اللعبة، وجزء آخر بيد أطراف إقليمية، وهو ما يصعّب الأمر". واستدرك بالقول "لكن المؤكد في المشهد هو أن النظام المصري بعد 20 سبتمبر/ أيلول ليس كما كان قبله"، مضيفاً أنّ "هناك مؤشرات لا يمكن الاستهانة بها، في مقدمتها عدم مواجهة قوات الجيش التظاهرات، كما كان يحدث في السابق ضدّ تظاهرات جماعة الإخوان المسلمين".

ولفت المصدر إلى أنه "طالعنا في الساعات الأخيرة بياناً صادراً عن مستشار رئيس الجمهورية لشؤون المناطق النائية والحدودية اللواء أحمد جمال الدين، لواء الشرطة ووزير الداخلية الأسبق، ركز فيه على المحاولات الرامية لإفساد العلاقة بين السيسي والمؤسسة العسكرية، ووصف ما يحدث بالمؤامرات والمحاولات للإساءة إلى رمز الدولة ومؤسساتها الوطنية من قِبل العملاء والمأجورين والهاربين". وعلّق على ذلك بالقول "كان لافتاً بالنسبة لي أن يصدر البيان عن لواء الشرطة السابق، في حين أن السيسي لديه اثنان من العسكريين السابقين ضمن الهيئة الاستشارية الخاصة به؛ أحدهما وزير الدفاع السابق ومستشار الرئيس لشؤون الدفاع، صدقي صبحي، والثاني رئيس الأركان السابق ومستشار الرئيس الحالي للتخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات الفريق محمود حجازي. والأخير كان الأوْلى بحكم طبيعة موقعه، بإصدار مثل ذلك البيان"، مضيفاً "بالطبع هناك أمرٌ ما داخل القوات المسلحة".