انتفاضة مصر: اتهامات متباينة للمتظاهرين والشرطة تنتزع اختصاص التعامل الميداني

24 سبتمبر 2019
الصورة
من تظاهرات 20 سبتمبر بوسط القاهرة (فرانس برس)
بدأت نيابة أمن الدولة العليا المصرية أول من أمس الأحد، تحقيقات في واحدة من أكبر القضايا منذ انقلاب 3 يوليو/ تموز 2013 من حيث عدد المتهمين، وهي الخاصة بأحداث تظاهرات يومي الجمعة والسبت الماضيين ضدّ نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في القاهرة والسويس ومحافظات أخرى. وبحسب مصادر قضائية، أحالت الشرطة حتى الآن أكثر من 200 معتقل إلى النيابة، في حين ما زال أكثر من 150 معتقلاً آخرين في معسكرات الأمن المركزي بالقاهرة حيث يتم التحقيق معهم بمعرفة جهاز الأمن الوطني، الذي يلعب دوراً ترشيحياً للمعتقلين الذين سيتم الإفراج عنهم من دون تحقيق، وأولئك الذين سيحالون إلى النيابة بتهم مختلفة.

وأضافت المصادر أنّ النائب العام الجديد، المستشار حمادة الصاوي، الذي عينه السيسي مطلع الأسبوع الماضي، أمر بالاستعانة بوكلاء النيابة من نيابة استئناف القاهرة ونيابة الأموال العامة ونيابة الشؤون المالية والتجارية، لمساعدة وكلاء نيابة أمن الدولة العليا في التحقيق مع هذا العدد القياسي من المعتقلين. وتابعت أنّ دائرة السيسي بالتنسيق مع الصاوي ووزير الداخلية مجدي عبد الغفار، ارتأت جمع المتهمين كافة في قضية واحدة لتوحيد مركزهم القانوني، وتلافي المشاكل التي حدثت لدى إحالة المعتقلين في قضية التظاهرات الرافضة للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية عام 2016 إلى نيابات مختلفة، إذ أدى ذلك إلى إطلاق سراح البعض ومواصلة اعتقال آخرين من قبل دوائر المشورة والمحاكم الجزئية، على عكس رغبة الأمن الوطني في بعض الحالات.

وذكرت المصادر أنّ الاتهامات الموجهة للمعتقلين، وفقاً لمذكرات التحريات، تشتمل على التظاهر والتجمهر وتعطيل المرور. وهناك بعض من وجهت لهم اتهامات إضافية، مثل الانتماء لجماعة إرهابية محظورة، أو التحريض على التظاهر وقلب نظام الحكم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتداول ونشر بيانات ومعلومات كاذبة هدفها تأليب الرأي العام وزعزعة الاستقرار، وذلك من واقع مشاركة هؤلاء لتدوينات أو صور أو مقاطع فيديو تتعلق بالدعوة للتظاهر أو تسخر من السيسي أو تحتفي بالمقاول الممثل محمد علي، عبر صفحاتهم الشخصية على موقعي "فيسبوك" و"تويتر".

وأوضحت المصادر أنه لن يتم البتّ في مصير من يتم التحقيق معهم أولاً بأول، بل سيصدر بشأنهم قرار جماعي يرجح أن يكون الحبس لمدة 15 يوماً على ذمة القضية، بعد الانتهاء من التحقيق، وذلك أيضاً حتى يحصل النائب العام على فرصة للتباحث مع دائرة السيسي والأجهزة الأمنية حول القرار المناسب، وما إذا كان سيتم إخلاء سبيل بعض المتهمين، بناءً على معايير متعددة من بينها تطورات الأوضاع الميدانية، وما إذا كانت ستتجدّد التظاهرات مرة أخرى خلال الأسبوع الحالي.

ويخيّم القلق على دائرة السيسي من دعوة محمد علي لتظاهرة مليونية يوم الجمعة المقبل، وقد غيّرت الأجهزة الأمنية استراتيجية التعامل التي اتبعتها بناء على إدارة نجل السيسي ضابط الاستخبارات محمود السيسي للمشهد، الأسبوع الماضي. ووفقاً لمصادر أمنية واسعة الاطلاع، فإن السيسي بنفسه أصدر تعليماته لمستشاره للشؤون الأمنية، أحمد جمال الدين، ووزير الداخلية اللواء محمود توفيق، بعودة الاستراتيجية المتبعة منذ 2016 في التصدي للتظاهرات، وذلك بالاعتماد على الوجود الكثيف لقوات الأمن في الشوارع، وإقامة الكمائن الثابتة والمتحركة لاصطياد الشباب الأصغر سناً، وتفتيش المواطنين وهواتفهم، وهو الأمر المتبع حالياً في محيط ميدان التحرير بالقاهرة وميدان الأربعين بالسويس.

وقد استمر الوجود الكثيف للضباط من أعلى الرتب إلى المجندين وعربات الترحيلات ومصفحات الأمن المركزي في جميع الميادين التي شهدت تظاهرات 20 سبتمبر بمختلف المحافظات، في رسالة تعلن أن النظام على أهبة الاستعداد، ولن يسمح بالخروج عليه مرة أخرى.


ويبدو أنّ مسألة سحب "تفاصيل" ملف التعامل الميداني مع المتظاهرين من الاستخبارات وإعادته إلى الشرطة من جديد، كان لها عامل حاسم في إبداء الأخيرة مزيداً من الحماس للتصدي للتظاهرات؛ إذ أصدر وزير الداخلية تعليماته بعودة تسيير الدوريات الأمنية طوال اليوم في وسط القاهرة وعلى الطرق الرئيسية والمحاور المؤدية للطرق السريعة، فضلاً عن ظهور مركبات جديدة للشرطة لم يتم استخدامها من قبل في عمليات التفتيش والمراقبة الميدانية، في ظلّ غياب كامل للجيش أو الشرطة العسكرية عن المشهد. وهو ما فسرته المصادر الأمنية بالتأكيد أن "السيسي يريد أن يحافظ على الحد الأدنى من الصورة المعتادة للشارع المصري، من دون الانجراف إلى إبداء مظاهر استثنائية تشعر الرأي العام بالقلق أو بأن أحداثاً مشابهة لوقائع 2011 و2013 في طريقها للحدوث".

وما زالت الاستخبارات العامة، وهي الذراع الأقوى للسيسي في النظام، تحاول أخذ زمام المبادرة الإعلامية بالتشكيك في وسائل الإعلام المعارضة للنظام والسعي لهز مصداقيتها في الشارع المصري، لمحاولة تأكيد سهولة "فبركة" مقاطع الفيديو الخاصة بالمتظاهرين. وأشرف الجهاز على نشر العديد من المقاطع المفبركة التي تزعم أن قنوات معارضة للنظام بثتها، وذلك على عكس الحقيقة. وبلغت ذروة هذه الحالة الهيستيرية من الرغبة في هزّ المصداقية، بإعلان الإعلامي عمرو أديب مساء الأحد أنه سيستضيف محمود عبد الفتاح السيسي، ليتصوّر المتابعون بما في ذلك مواقع الصحف الموالية للنظام، أنه يقصد نجل رئيس الجمهورية والرجل الثاني في الاستخبارات، قبل أن يتبيّن لاحقاً أنه يستضيف صيدلياً يدعى محمود حمدي عبد الفتاح السيسي، مصحوباً باحتفاء واسع من قبل الإعلاميين الموالين للنظام ولجانه الإلكترونية وترويج لما وصفوه بـ"الانتصار على قنوات قطر وتركيا والإخوان" لأن أديب نجح في تضليلها.

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر حكومي مطلع إنّ تصرف عمرو أديب جاء بتنسيق كامل مع محمود السيسي ومكتب اللواء عباس كامل مدير الاستخبارات، وإن صاحب الفكرة هو نفسه الذي خطط لإعداد فقرة توضح سهولة "فبركة" الصور ومقاطع الفيديو أمام السيسي نفسه في مؤتمر الشباب الثامن أخيراً، لهز ثقة الرأي العام بشكل عام في وسائل الإعلام ومواقع التواصل.

إلّا أنّ استعانة الاستخبارات مباشرة وحصرياً بعمرو أديب، الذي يقدم برنامجه على قناة "إم بي سي مصر" السعودية، تطرح بالأساس قضية فشل دائرة السيسي في صناعة الإعلام المؤثر الخاص بها، على الرغم من تملكها بواسطة الاستخبارات والجيش والداخلية العديد من القنوات على مدار السنوات الخمس الماضية، ثمّ غلق بعضها ودمجها، وتدوير عشرات المذيعين وإبعاد آخرين والدفع بموجتين من الإعلاميين الشبان القريبين من دائرة السيسي ونجله تحديداً. لكن الأمر انتهى بها بعد كل هذا الإنفاق والتقلب الإداري إلى استمرار الاستعانة بأديب، الذي كان محسوباً لسنوات على نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك على الرغم من محاولاته المستمرة للتبرؤ منه وانقلابه على نجليه علاء وجمال، إذ تؤكد الإحصائيات أنه لا يزال الأكثر مشاهدة من بين مقدمي البرامج المصريين على الرغم من تراجع شعبية القنوات المحلية بشكل عام.