"نخبة" السيسي الفنية: صناعة أجهزة المخابرات

20 سبتمبر 2019
الصورة
هاني شاكر من أبرز الفنانين الموالين (عمرو أحمد/فرانس برس)
مع اتساع مجال تأثير الفيديوهات التي يصورها ويبثها المقاول المصري، المقيم في إسبانيا، محمد علي، وحصدها ملايين المشاهدات بشكل يومي، والتفاعل الكثيف لنشطاء وسائل التواصل الاجتماعي معها، وآخرها ترند: "الرحيل_ يا سيسي_أو_النزول_ للشارع"، لم يجد النظام في مصر وأجهزته الأمنية سوى اللجوء إلى حيلة قديمة تتلخص في تجنيد بعض الفنانين من أجل دعم النظام. وهو ما حدث قبل ذلك إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011.

أخيراً، سجّل عدد من الفنانين الموالين لنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (أُطلق عليهم: نخبة السيسي) فيديو، بُثّ على يوتيوب، يحمل رسائل موجهة تتهم المعارضين بالخيانة وتعلن تأييدها للسيسي تحت عنوان "إحنا معاك يا ريس".

من هؤلاء الذين استعانت بهم أجهزة السيسي وأطلق عليهم "النخبة"، المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم، وهاني شاكر، وأحمد بدير، ومحمود عبد الغني، وحكيم، وحجاج عبد العظيم، وطارق الشيخ، وعدد آخر من المغمورين.

علمت "العربي الجديد" أن تعليمات صدرت من جهاز الاستخبارات المصرية الذي يشرف عليه اللواء عباس كامل، مدير مكتب السيسي الأسبق، ويساعده العميد محمود السيسي نجل الرئيس المصري، إلى قيادات شركة "إعلام المصريين" التي تتحكم في صناعة الدراما والإعلام منذ فترة، من أجل حشد بعض الفنانين للدفاع عن السيسي.

وقالت مصادر من داخل الشركة إن التعليمات نُقلت إلى هؤلاء الفنانين عبْر بعض الصحافيين العاملين في المؤسسات التابعة للشركة، وكانت عبارة عن ضرورة تسجيل فيديوهات قصيرة بها جمل محددة مثل "احنا معاك يا ريس" و"يسقط الخونة"، ثم إرسال تلك الفيديوهات لجمعها في فيديو واحد.
وبحسب مراقبين، فإن الفارق بين طريقة حشد الفنانين إبان الثورة على مبارك، وحشدهم الآن للدفاع عن السيسي، أنه في الحالة الأولى كانت العملية تتم بطريقة محترفة؛ إذ يتم استدعاء الفنانين إلى الحديث عبْر برامج تليفزيونية يتم الإعداد لها، كما كانت تترك لهم مساحة للتعبير عن آرائهم، ولكن في حالة السيسي وفيديو أمس، فقد تم الاتصال بالفنانين على عجل، وتم التنبيه عليهم بتسجيل الفيديوهات بواسطة كاميرات هواتفهم الخاصة وبجمل محددة، وهو الأمر الذي أدى إلى خروج التسجيل بشكل رديء، يعبر عن ارتباك واضح في إدارة الموقف.

وكانت الفنانة عفاف شعيب من بين أشهر النجوم الذين أعلنوا مساندتهم للرئيس الأسبق حسني مبارك في أثناء ثورة 25 يناير 2011، وهي صاحبة التعليق الشهير بشأن عدم قدرتها على توفير "بيتزا" لابنة شقيقتها، ووجبة كباب لابن شقيقها بسبب "عدم استقرار الأوضاع الأمنية خلال تلك الفترة"، وهو التصريح الذي أثار سخرية واسعة بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فضلا عن الفنان أحمد بدير الذي ظهر وهو يبكي ويعلن أنه ضد مطالب الثوار برحيل مبارك.

تأتي الفيديوهات التي يبثها نظام السيسي رداً على اتهامات بالفساد وجهها المقاول محمد علي للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والجيش المصري.

قال محمد علي في تغريدة على "تويتر": "احفظوا أشكالهم وملامحهم علشان يوم الحساب هنجيبهم من بيوتهم ونحتفل بيهم هم دول اللي يستحقون الاحتفال وأنا بكتب التويتة دي بجزّ على سناني والله".

لم تكن المرة الأولى التي يلجأ فيها النظام السياسي في مصر، للاستعانة بنجوم الدراما والغناء لتجميل وجهه، إذ سار نظام يوليو على نفس النهج، واستعان بهم في المناسبات الوطنية المختلفة، مثل عيد الثورة والنصر بعد دحر العدوان الثلاثي، مروراً بالوحدة بين مصر وسورية.



جاء السادات، وكان صاحب فكرة "عيد الفن" وكرّم عديداً من الفنانين، مثل زينات صدقي، الموسيقي محمد الموجي، ومحمود المليجي، والمخرج كمال الملاخ، وتم في عهده دخول الفنانين لأول مرة مجلس الشعب، كالمطربة فايدة كامل، ومحمود المليجي ومحمد عبد الوهاب لعضوية مجلس الشورى.

وحين تولى مبارك الحكم، استمر على نفس النهج رغم إلغائه عيد الفن واستبداله بـ"عيد الإعلاميين"، المرافق للاحتفالات السنوية بذكرى نصر أكتوبر 1973؛ إذ بدأت بالغناء الفردي لمصر وللرئيس، ثم تبعها أوبريتات غنائية مثل "مصر البنائين" والذي ختم بالأغنية الأشهر "اخترناه" وكذلك أغنية "أول طلعة جوية". واستمر وجود الفنانين في مجلس الشورى، مثل محمد عبد الوهاب وأمينة رزق ومديحة يسري التي حلت مكان محمد عبد الوهاب بعد رحيله.



بدأت علاقة السيسي بالفنانين قبل تولي رئاسة الجمهورية بعد دعوتهم للقاء ضمن حملته الانتخابية، وحضر العديد من النجوم، أمثال الفنانة الراحلة فاتن حمامة وعادل إمام والراحل محمود عبد العزيز ويسرا وإلهام شاهين ومحمد هنيدي ونيللي كريم ووحيد حامد وغيرهم. كان اللقاء الثاني بعد توليه الرئاسة عندما دعا يسرا وأحمد السقا في احتفالات عيد الشرطة، وقال لهما: "والله هتتحاسبوا على اللي بتعملوه"، محمّلا إياهما المسؤولية تجاه ما يقدمانه من فن.
جاء اللقاء الثالث؛ إذ سافر وفد كبير من الفنانين في طائرة خاصة لدعمه خلال زيارته الأولى إلى ألمانيا، منهم: إلهام شاهين ويسرا وهالة صدقي والمخرج خالد يوسف وأحمد بدير وخالد سليم وهشام عباس ومدحت صالح ولقاء الخميسي وإيهاب توفيق ولبلبة وماجد المصري والراحل ممدوح عبد العليم وزوجته الإعلامية شافكي المنيري.

أخيراً، وفي محاولةٍ منه لمواجهة مقاطع الفيديو التي يسجلها المقاول المصري محمد علي، اشتغل نظام الانقلاب المصري على مقطع فيديو مدته أقل من دقيقة، يضم مجموعة من الفنانين والمطربين المصريين ممن كانوا صفا أول وتراجعوا، ولأول مرة فنانين من الصف الثاني والثالث، حتى إن المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، استفسروا عن أسماء بعض الوجوه التي ظهرت في المقطع الأخير.

الفيديو هدفه دعم السيسي ضد ما يدّعيه النظام الحاكم، من هجمة شرسة الهدف منها إسقاط الجيش والدولة، الفيديو يضم أحمد بدير، هاني شاكر، شعبان عبد الرحيم، أحمد فلوكس وآخرين، لترديد جمل معدة سلفا:
"معاك يا سيسي، كلنا في ضهرك يا سيسي، إحنا مع جيشنا وشرطتنا، الجيش خط أحمر، يسقط كل خائن، يسقط كل الخونة"، وفي ختام الفيديو قاموا بترديد "تحيا مصر"، هذا بالإضافة للمقاطع المستقلة للمطربة أنغام، والمطرب محمد فؤاد، والممثل بيومي فؤاد.
لم يكن هذا الفيديو هو الأول، بل سبقته أغنية "تسلم الأيادي" بعد مذبحة رابعة مباشرة أغسطس / آب 2013، كلمات الأوبريت من تأليف وألحان مصطفى كامل، غناء إيهاب توفيق، حكيم، هشام عباس، غادة رجب وآخرين.

تلاها فيديو خاص بحملة مواجهة الإرهاب والتي شارك فيها مجموعة من الفنانين مثل يوسف شعبان، إلهام شاهين ويسرا، لطفي لبيب وهشام عباس وغيرهم، كان هو الأول من نوعه من حيث كتابة الجمل المعدة سابقا، والمكتوبة داخل أروقة أجهزة الدولة الأمنية، والتي يتم ترديدها بأفواه الفنانين وهي "كفاية إرهاب". 
بنسبة كبيرة كان أغلب الفنانين آكلين على موائد كل قابع على كرسي الرئاسة في مصر، وقليل جدا من يسجل لهم التاريخ التغريد خارج السرب، كتحية كاريوكا وشكري سرحان والمخرج يوسف شاهين، ومؤخرا عمرو واكد وخالد أبو النجا.