ماذا لو لم تتم محاصرة قطر؟

02 يونيو 2019
الصورة
موانئ قطر فتحت أبوابها لاستقبال السلع (معتصم الناصر/العربي الجديد)

صحيح، رب ضارة نافعة، هكذا يقولون في الأمثال العربية، فقبل حصار 5 يونيو/ حزيران 2017 كانت قطر تعتمد اعتماداً شبه كامل على السعودية والإمارات في تغذية أسواقها المحلية من معظم السلع المختلفة. 

كانت قطر تستورد من السعودية الخبز والمياه والدقيق والحليب والألبان والجبن والعصائر والفواكه والخضروات واللحوم والدواجن والأسماك والمعلبات والزيوت والمعجنات والحبوب والسكر والشاي وغيرها من السلع الغذائية.

كانت هناك شركات سعودية تخصص خطوط إنتاج كاملة لتلبية احتياجات الأسواق القطرية، ومعها كانت هذه الشركات تحصد مئات الملايين من الدولارات من جيوب القطريين سنويا.

كانت قطر تستورد ما نسبته 15% من احتياجاتها من المواد الغذائية من السعودية وحدها، و11% من الإمارات، في حين تتوزع النسب الأخرى ما بين دول خليجية وعربية وأجنبية أخرى وكثيرة.

وكانت الشاحنات السعودية الضخمة القادمة من السعودية إلى قطر عبر منفذ سلوى الحدودي والمحملة بالأغذية واللحوم والحيوانات الحية يصل طولها لعدة كيلومترات، وتواصل السير ليلاً ونهاراً لتلبية احتياجات القطريين الذين يتميزون بقدرة عالية على الإنفاق والقدرة الشرائية لأن دخولهم هي الأعلى في العالم.

وكان جبل علي بالإمارات وغيره من موانئ وشركات دبي وغيرها تستورد المواد الخام والسلع الوسيطة والبضائع المصنعة للمستهلك النهائي ومواد البناء والوقود وغيرها من أسواق العالم لصالح قطر وشركاتها وتجارها ومستثمريها ومشروعاتها الكبرى والصغرى، وكانت وساطتها تدر عليها عمولات عالية.

وكانت السفن المحملة بالبضائع القادمة من موانئ دبي والفجيرة وغيرها لصالح مستوردين قطريين لا تتوقف، وكانت الشاحنات المصرية المحملة بالسلع المختلفة المتجهة نحو قطر عبر الحدود الأردنية ثم السعودية لا تتوقف يوماً واحداً.

مائدة الأسرة القطرية

ببساطة، كانت مائدة الأسرة القطرية تعتمد اعتمادا كليا على ما يتدفق إليها من سلع الدولتين الخليجيتين الجارتين السعودية والإمارات، وكانت قطر تعتمد على الدولتين في تغذية أسواقها بالكامل، بما فيها احتياجات مشروعات كأس العالم 2022. كانت 83% من واردات قطر من دول الخليج تأتي من الإمارات والسعودية بنسبة 56% و27% على التوالي.

كانت قطر لا تنتج إلا النزر القليل من السلع بما فيها السلع الغذائية، وكانت جولة سريعة على الأسواق والمحال التجارية والمولات بالدوحة وضواحيها تعطيك انطباعا سريعا مفاده أن هذه الدولة الثرية التي تمتلك إمكانيات مالية هائلة وثروات تتجاوز 350 مليار دولار تعتمد على جيرانها في سلع استراتيجية مثل الغذاء والمياه والأدوية والمواد الخام.

وكانت 18 مليار ريال قطري (بما يقارب 5 مليارات دولار)، تخرج من خزانة واحتياطي قطر النقدي للشركات السعودية والإماراتية الموردة لكافة السلع للأسواق القطرية، أضف إلى ذلك خروج مليارات أخرى كانت تذهب إلى دول الحصار الأخرى التي كانت سلعها ومنتجاتها تملأ أرفف المحال القطرية ولا يخلو منها بيت قطري، بل كان يتم تفضيلها على ما سواها من سلع دول أخرى.

خنق قطر اقتصاديا

فجأة، وفي صباح يوم 5 يونيو 2017 وجدت قطر نفسها محاطة بحصار شامل من قبل جيرانها، حصار ثلاثي جوي وبري وبحري.

كانت الدول المحاصرة لقطر تسعى من قرارها المفاجئ إلى خنق قطر اقتصاديا وتجاريا وإفراغ أسواقها ومحالها التجارية من السلع، خاصة الغذائية.

كان الهدف هو أن يجد المقيمون على الأراضي القطرية، سواء مواطنين أو وافدين، أنفسهم بلا طعام وأغذية أو شراب أو دواء أو وقود أو حتى كوب لبن، وهو ما يدفع المواطنين نحو الثورة على النظام الحاكم في البلاد الذي تركهم بلا سلع استراتيجية، واعتمد اعتمادا كاملا على الدول الخليجية الشقيقة التي خذلته وحاصرته في نهار شهر رمضان.

لكن عقب وقوع الكارثة تحرك الجميع في قطر نحو كسر هذا الحصار الظالم منذ اللحظة الأولى. فوجئ الجميع أن الحكومة لم تتركهم عراة وبلا مخزون استراتيجي كما ظن البعض، فقد كانت المخازن مليئة بالسلع الغذائية والاستراتيجية والتي تكفي احتياجات البلاد لشهور.

استعداد مبكر

كانت الحكومة تتوقع هذا الغدر منذ العام 2014، ولذا أمنت نفسها مبكراً، خزنت أطنانا من السلع التموينية والمواد الخام والسلع الوسيطة.

لم تحدث اختناقات في الأسواق ليوم واحد رغم تدافع آلاف المستهلكين على تخزين السلع الغذائية خوفا من المجهول، ولم يتعطل مشروع واحد من مشروعات كأس العالم، ولم يحدث بطء حتى في مشروعات البنية التحتية الكبرى، خاصة مترو الأنفاق والطرق والكباري.

وخصصت قطر الأيام الأولى للحصار في تلبية احتياجات الأسواق من السلع الطارئة مثل الخضر والفواكه والألبان والعصائر وغيرها.

استفادت من أسطول الخطوط القطرية في نقل السلع من العديد من الدول، وفي المقدمة الكويت وسلطنة عمان وتركيا وتونس والمغرب والهند والكويت ولبنان والجزائر والسودان وغيرها من دول جنوب شرق آسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية. 

حاصرت بشكل سريع مشكلة زيادة أسعار السلع الناتجة عن الكلفة المرتفعة لاستيراد المواد الغذائية واستخدام الطيران بدلا من الطرق البرية والبحرية البطيئة.

استوردت قطر قطعان الأبقار من أوروبا عن طريق الطيران بعد أن تم طرد أبلها وأغنامها من المراعي السعودية، حصلت على عقود لاستخراج مواد البناء من رمال وزلط وغيرها من جبال في سلطنة عمان، واستوردت مئات الأطنان من الإسمنت ومواد البناء من إيران وغيرها، كما استوردت المواد الخام والسلع الوسيطة من عشرات من دول العالم.

اكتفاء ذاتي

وبعدها سارعت قطر لتنفيذ خطة تحقيق الاكتفاء الذاتي. بدأت بالسلع الأكثر جماهيرية مثل الخبز والمياه والألبان والخضر واللحوم والأسماك، وباتت قطر اليوم تشهد تحقيق اكتفاء ذاتي عال في ما يتعلق بإنتاج الغذاء.

أقامت عشرات المزارع والصوب الزراعية، كما أقامت مئات المصانع المتخصصة في عدة أنشطة انتاجية ومشروعات البنية التحتية، فتحت موانئ عملاقة لاستقبال السفن المحملة بالبضائع والسلع، وبعدها وضعت خطة للاكتفاء من السلع الضرورية بما فيها الأدوية والسيارات والأسمدة والإسمنت وغيرها من مواد البناء، ولذا أبرمت اتفاقيات مع شركات عالمية كبرى لإنتاج السيارات الكهربائية وغيرها.

قطر تحت الحصار افتتحت مترو الأنفاق قبل موعده بشهور، وافتتحت العديد من ملاعب كأس العالم، مثل ملعب خليفة الدولي الذي افتتح في مايو/ أيار 2017، وملعب الجنوب في مايو 2019، وأنجزت مشاريع بنية تحتية عملاقة.

وفي ظل الحصار الشامل حافظت قطر على موقعها كأكبر مصدر للغاز المسال في العالم، وثاني أكبر مصدر لغاز الهيليوم على مستوى العالم، بل وباتت قطر هي الأولى خليجيا في معدل نمو الناتج المحلي في عام 2018، بشهادة تقارير البنك الدولي.

تحرير القرار الاقتصادي

والأهم من كل ما سبق أن قطر حررت قرارها الاقتصادي، وحررت أسواقها من التبعية المطلقة، وبدلا من اعتمادها على سوقين فقط، هما السعودي والإماراتي، باتت أسواق العالم تتسابق على تلبية احتياجات أسواق قطر وبأسعار تنافسية، وكما استفاد صانع القرار الاقتصادي الذي تحرر قراره، استفاد أيضا المواطن الذي تنوعت لديه الاختيارات عند اقتناء السلع.

السؤال هنا: ماذا لو لم تتم محاصرة قطر من قبل أشقائها الخليجيين وفي بدايات شهر رمضان الكريم؟

بالطبع، كانت قطر وأسواقها ومواطنوها سيظلون رهينة لأسواق ومنتجات وشركات السعودية والإمارات، وقبلها رهينة لرغبات صانع القرار في الدولتين، وكانت مليارات الدولارات ستواصل تدفقها من خزانة قطر إلى أسواق السعودية والإمارات. الآن قطر باتت حرة في قرارها الاقتصادي.
تعليق: