النموّ الاقتصادي في قطر محصّن بالاستثمار والمتانة المالية

05 يونيو 2019
الصورة
ارتفاع التداول في بورصة قطر (فرانس برس)
لم تكن فترة سهلة، حين فُرض الحصار الجائر على قطر في 5 يونيو/ حزيران 2017. ساد الخوف في البلاد، الأمر كان مفاجأة غير متوقعة، والقصد منه خلخلة اقتصاد الدوحة بضربة مباغتة من أربع دول؛ ثلاث منها هي الإمارات والبحرين والسعودية تجاور قطر جغرافياً وتشكل معها امتداداً اقتصادياً خليجياً، إضافة إلى مصر التي ترتبط مع قطر بعلاقات اقتصادية قديمة.
فُرض الخناق الخليجي على الدوحة، وأُغلقت المجالات البحرية والبرية والجوية أمام اقتصادها، ارتفعت حدة القلق من قدرة قطر على الخروج من المأزق الذي ترافق مع انخفاض مهيب لأسعار النفط الدولية بدأ منها العام 2014، وكان أن خرجت.

إذ حققت الدوحة عجزاً في الميزانية في العام 2017، كأحد نتائج الحصار، إلا أن الاتجاه التنازلي انقلب فائضاً في الميزانية عام 2018. كذا، شهدت الأشهر القليلة الأولى بعد الحصار سحباً كبيراً للودائع الرأسمالية.
وقد قام مصرف قطر المركزي وصناديق حكومية أخرى، بضخ ما يقرب من 38.5 مليار دولار من احتياطيات البلاد البالغة 340 مليار دولار في الاقتصاد الوطني، لتخفيف الضغط على سعر الصرف وتخفيف أثر سحب الاستثمارات، لتعود الأخيرة إلى الارتفاع مجدداً. أيضاً، أظهرت بيانات مصرف قطر المركزي أن صافي احتياطي النقد الأجنبي تراجع 10.4 مليارات دولار في شهر يونيو/حزيران 2017 إلى 24.4 مليار دولار من نحو 34.8 مليار دولار بسبب الحصار، وبعد التدخل الرسمي عادت الاحتياطات للارتفاع.
كذلك الحال بالنسبة إلى التضخم الذي عرف ارتفاعاً خلال الأشهر الأولى من الحصار، ليعود إلى التراجع في ما بعد. 
أما السياحة، فقد وقعت في أزمة طاولت غالبية قطاعاتها. وفي مايو/ أيار من العام الماضي، أكد الرئيس التنفيذي لمجموعة الخطوط الجوية القطرية أكبر الباكر، أن الحصار الجائرالمفروض على دولة قطر قلص عدد الرحلات اليومية للناقلة الوطنية للدولة من 600 إلى 440 رحلة، أي ما نسبته 27 في المائة من الرحلات في اليوم.

وقال الباكر، إن الحصار قلص عدد الممرات الجوية التي تستخدمها الشركة من 18 ممراً إلى ممرين فقط، فيما تم إغلاق مكاتب الخطوط الجوية القطرية في دول الحصار بالقوّة وبدون سابق إنذار.
ومن جانبه، أكد نائب رئيس غرفة تجارة قطر السابق، عبد العزيز العمادي، لـ"العربي الجديد" أن الاقتصاد القطري شهد العديد من الصعوبات والتحديات، الأمر الذي دفع الحكومة إلى البحث عن بدائل في مختلف القطاعات التي تأثرت بالحصار من أجل مواجهة المتغيرات الجديدة.

وقال العمادي إن التجارة والعقارات والنقل والسياحة من أكثر القطاعات تأثرا بالحصار في بدايته، إلا أن قطر استطاعت ان تتعامل بشكل حرفي وسريع لتذليل الصعوبات التي واجهت البلاد.
وأشار إلى أن الدوحة اعتمدت في المواجهة على محورين، الأول تقوية الجبهة الداخلية للقطاعات الإنتاجية، والثاني الاتجاه نحو التحالفات الخارجية العربية والدولية في مختلف المجالات الاقتصادية.

في المقابل، تصدرت البورصة القطرية قائمة أفضل الأسواق العالمية أداءً في 2018، بارتفاع مؤشرها بواقع 20.65 في المائة. وقال المحلل المالي أحمد عقل لـ "العربي الجديد"، إنه "في الأيام الأولى للحصار ظهرت تأثيرات طفيفة على مستوى المصارف وسوق الدوحة للأوراق المالية، سرعان ما بددتها الحنكة الاقتصادية للقيادة القطرية، التي حولت الحصار إلى مصدر قوة".
وأكد أن بورصة قطر اليوم، ورغم الانخفاضات في الأسواق الدولية، تعود إلى مستويات تفوق مستوى ما قبل الحصار. وأظهرت بيانات "بلومبيرغ"، أن بورصة قطر استطاعت جذب 2.47 مليار دولار العام الماضي من الاستثمارات الخارجية مقابل 794 مليوناً للسعودية و506 ملايين لأبوظبي، في حين شهدت دبي خروج 245 مليوناً.

وأوضح عقل أنه في ظل الحصار المستمر، شهدت بورصة قطر نقلات نوعية بفضل الإجراءات والأدوات التي طبقتها، من بينها إدراج شركات جديدة وصناديق مؤشرات، ومنها إدراج شركة قطر لصناعة الألومنيوم "قامكو" في نهاية 2018، إضافة لقرارات تمكين الأجانب برفع نسبة مساهمة الأجانب إلى 49 في المائة، إلى جانب توزيع أرباح الشركات.

وأضاف عقل: "العديد من المحافظ الأجنبية الجديدة سوف تقوم بالدخول والاستثمار في البورصة القطرية، وستزيد مستوياتها كلما اقتربت نهاية العام الجاري واقترب موسم التوزيعات والحصاد بالنسبة إليها، ولا سيما أن المحافظ الأجنبية تقوم ببناء مراكز استراتيجية على عدد من الأسهم وخاصة القيادية منها، للاستفادة من التوزيعات المرتقبة للشركات التي ستؤدي دوراً هاماً للغاية في رفع منسوب السيولة ودفع السوق إلى الأمام، في ظل نظرة المحافظ الأجنبية إلى معدل العائد إلى السعر الذي يعدّ من أعلى المستويات في دول المنطقة".

وقد أثبت القطاع المالي والمصرفي القطري، صموداً قوياً في وجه الحصار، وحققت جميع المصارف العاملة في قطر أرباحاً، وشهد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً خلال عام 2018، يقدر بنحو 2.5 في المائة مقارنة بـ1.6 في المائة في عام 2017، كما قفز الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لذات الفترة بنحو 14.6 في المائة، مع استمرار معدل التضخم في مستواه المنخفض الذي لا يتجاوز 1 في المائة، وهو ما انعكس إيجاباً في تحسين الموازين الداخلية والخارجية، بحسب محافظ مصرف قطر المركزي الشيخ عبدالله بن سعود آل ثاني.

وسنّت قطر خلال العامين الماضيين، حزمة من التشريعات الاقتصادية لتحسين بيئة الأعمال والاستثمار وجذب مستثمرين أيضاً، ويأتي في مقدمتها قانون يسمح بتملك غير القطريين للعقارات والانتفاع بها، وحددت الحكومة القطرية المناطق والأماكن معلنة مجموعة من الحوافز الاستثمارية، أبرزها ما يتعلق بتقديم الإقامة طوال فترة تملك عقار، تفوق قيمته 200 ألف دولار، والاستفادة من مزايا الإقامة الدائمة لمالكي العقارات فوق المليون دولار.
كما أقرت الحكومة قانون تنظيم الاستثمار الأجنبي، والذي يجيز لغير القطريين الاستثمار في جميع القطاعات بما فيها البنوك وشركات التأمين.


تعليق: