الاقتصاد القطري ... تطوُّر رغم الحصار

10 يونيو 2019
الصورة
مترو قطر احد انجازات ما بعد الحصار (العربي الجديد)
فرض الثلاثي الخليجي "السعودية والإمارات والبحرين" حصارا على قطر في 5 يونيو/ حزيران 2017 أدَّى إلى عرقلة الحركة الجوية والبحرية والبرية وزيادة تكاليف الواردات الغذائية والأدوية الأساسية في قطر التي تنتمي لمنظمة مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه عام 1981.

والغريب في الأمر أنّ قرار الحصار الرباعي لقطر لم يصدر عن الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي الذي لم يتدخَّل كذلك كوسيط لحلّ الأزمة الدبلوماسية، مما يعني أنّ هذه المنظمة مُجرَّد إطار فارغ من محتواه لا نفع منه في الأوقات العصيبة، كما أنّها غير حيادية وتخضع لسيطرة بلد واحد هو السعودية.

ورغم الحصار لم يتمكَّن الاقتصاد القطري من المقاومة فحسب، بل استطاع أيضاً أن يتطوَّر ويصبح أقوى من ذي قبل، حيث أفاد تقرير صندوق النقد الدولي رقم 19/164 الصادر في 3 يونيو 2019 بأنّ الأداء الاقتصادي لقطر شهد تحسُّناً ملحوظاً في 2018 بفضل نجاح الاقتصاد في استيعاب الصدمة المزدوجة المتمثلة في انخفاض أسعار النفط خلال الفترة ما بين 2014-2016 وأزمة الحصار.

كما قُدِّر نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي، حسب الصندوق، بـ 2.2% في العام 2018 صعوداً من 1.6% في العام 2017، ومن المتوقع أن يواصل ارتفاعه ليصل إلى 2.6% في العام الجاري 2019.

ويعود الفضل في ذلك للسيولة الجيدة والقطاع الخاص القوي والوتيرة التدريجية لعملية الضبط المالي، حيث سيُمكِّن الارتفاع الكبير في إنتاج الغاز من حقل الشمال (والمُقدَّر بـ 40%) من دعم ذلك النمو لاسيَّما على المدى المتوسط، ومثل هذه المشاريع الاستثمارية الضخمة هي التي عزَّزت الاقتصاد القطري ومكَّنته من التصدِّي للحصار والتأسيس لحقبة الاعتماد على الذات وحصد النجاحات.
كما حافظت قطر على معدل تضخم منخفض قُدِّر بـ 0.22% ومن المُقدَّر أن ينخفض إلى 0.13% في 2019، وقد تحوَّل العجز المالي الكبير سنة 2017 إلى فائض مالي قدره 2.3% من إجمالي الناتج المحلي في 2018، ومكَّن انتعاش ودائع غير المقيمين والتمويل من البنوك الأجنبية من زيادة القروض الممنوحة من البنوك إلى القطاع الخاص.

كما عرف رصيد الحساب الجاري قفزة نوعية من 3.849% من إجمالي الناتج المحلي في 2017 إلى 9.335% في 2018، وكخطوة دالة على الانتعاش الاقتصادي أصدرت قطر مؤخراً سندات دولية بقيمة 12 مليار دولار، وقد تجاوزت طلبات الاكتتاب حجم السندات المطروحة بما يفوق أربعة أضعاف.

ويرجع تطوُّر الأداء الاقتصادي لقطر أيضاً إلى قوّة قطاعها المصرفي الذي حافظ على تحسُّنه ومساره الجيد الذي يعكس بشكل جلي وواضح الجودة العالية التي تتميز بها الأصول وقوّة الرسملة، فقد حقَّقت البنوك القطرية رسملة عالية وبلغت نسبة كفاية رأس المال فيها 16% وهي نسبة تحاكي نسب الدول المتقدمة.

كما حافظ القطاع المصرفي في قطر على ربحيته المرتفعة حيث بلغ عائد الأصول 1.6%، علاوة على تمتُّعه بحصانة عالية نظراً لمحافظته على مخصصات جدّ معقولة لمواجهة خسائر القروض وصلت نسبتها إلى 83%.

وفي نفس السياق لم يسع تقرير صندوق النقد الدولي إلا الإشادة بالمستوى المريح من السيولة الذي يتمتَّع به القطاع المصرفي القطري حيث قدِّرت نسبة الأصول السائلة إلى مجموع الأصول بـ 29.7% في 2018.
كما تمكَّنت قطر أيضاً من إيجاد بدائل لكسر ذلك الحصار وزادت من تعاونها التجاري مع عدة دول أخرى الأمر الذي سمح للواردات بالارتفاع بنسبة 4.32% في 2018، وحقَّقت الصادرات نموا قُدِّر بـ 5.45% السنة الماضية، حيث سجل الفائض التجاري في قطر نحو 53 مليار دولار سنة 2018.

كما ارتفعت احتياطيات قطر الدولية وسيولتها من العملة الصعبة إلى 48.4 مليار دولار في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني سنة 2018، وهو أعلى مستوى نجحت قطر في تحقيقه منذ حوالي 30 شهراً، ويرجع سبب هذا النجاح إلى البنية التحية القوية لقطر وخصوصاً مطار وميناء حمد الدوليين اللذين يعتبران بوابة قطر للعالم والرئة التي يتنفَّس من خلالها الاقتصاد خلال الحصار، وتجب الإشارة أيضاً للدور الكبير الذي تلعبه السياسات التجارية الانفتاحية التي تنتهجها الحكومة منذ عقود.

ومن الواضح أنّ قطر استمدَّت من اﻟﺤﺼﺎر ﻗﻮّة، ومن هذه المحنة صلابة ومتانة، وتمكَّنت بذلك من خلق فرص عديدة لتحقيق الاكتفاء والسير بخطى متسارعة نحو التنمية الاقتصادية المستدامة، فقد خفَّفت المخزونات المالية الكبيرة لقطر وسياساتها الاقتصادية الكلية الرشيدة كثيراً من وقع الحصار وتداعياته وخاصة أنّ هذا الحصار تزامن مع انخفاض أسعار النفط.

ويبدو أنّ دول الحصار أغفلت حقيقة أنّ مفعول الحصار يتلاشى تماماً أمام الاقتصاد المدعوم بالسياسة الرشيدة للمالية العامة والتنظيم والرقابة الماليين الحصيفين والمرتكز أيضاً على هوامش أمان مالية كبيرة وطويلة المدى.

وهكذا برهنت الأزمة الخليجية القطرية على انهيار مجلس التعاون الخليجي، وأدَّت كنتيجة لذلك إلى انتهاء الاتحاد الجمركي وتَبخُّر كل أحلام إنشاء بنك مركزي مشترك وإصدار عملة خليجية مُوحَّدة، وحتى إن حدثت معجزة وتمكَّنَ مجلس التعاون الخليجي من تجاوز هذه الأزمة فسيظلّ هشّاً ومزعزعاً بسبب انعدام الثقة وخوف الدول الخليجية الأخرى من الهيمنة السعودية. 

كما أثبتت أزمة قطر أنّ ذلك المجلس مُجرَّد فقاعة لا أهمّيّة لها ولا جدوى منها في الأوقات العصيبة، علماً أنّ أزمة قطر ليست بداية ولا نهاية مثل هذه الصراعات داخل منظمة دول مجلس التعاون الخليجي التي ستنضَمّ إلى قائمة المنظمات العربية الفاشلة وستبقى أكبر دليل على خرافة التعاون العربي لغيّاب الرغبة السياسية لدى الحكومات الخليجية في إعداد قاعدة مؤسساتية متينة تسمح باستمرار هذا المجلس.

ولن تُلبِّي قطر أياً من مطالب دول الحصار التي تهدف إلى إلغاء السيادة الوطنية، ولن تتنازل دول الحصار عن موقفها لأنّ ذلك يعني ببساطة إعلان انهزامها وقيامها بتقديم العديد من التنازلات.

لذلك تستدعي استحالة تسوية هذه الأزمة الإعلان الرسمي عن انتهاء منظمة دول مجلس التعاون الخليجي، على الأقلّ هكذا ستعرف تكتُّلات إقليمية جديدة طريقها نحو الظهور وسيصبح التوجُّه السعودي الإماراتي أكثر وضوحاً وعلانيةً، فقد أعلنت السعودية والإمارات عن نيتهما لتشكيل تكتُّل ثنائي على شكل لجنة عسكرية واقتصادية خارج إطار المجلس حتى تمضيا براحة أكبر في طموحاتهما المُتعلِّقة بالهيمنة في المنطقة.