اقتصاديات الحافّة

25 ابريل 2019
الصورة
الإنتاج يؤثر على أسعار النفط (Getty)
ارتفعت أسعار النفط، خلال الربع الأول من العام الحالي (2019) بنسبة تقارب 30%، وما تزال تميل إلى الارتفاع. ولعل السبب وراء هذا يقع على جانب العرض بشكل رئيسي، وعلى جانب الطلب بشكل أقل.

فمن ناحيةٍ، نرى أن المملكة العربية السعودية قد خفّضت إنتاجها النفطي، واستمرت الولايات المتحدة في إجراءاتها العقابية ضد كل من إيران وفنزويلا، ولكن بعض الجهات البحثية، مثل لافورج، تقول إن الولايات المتحدة قد تمكّنت، حسب هذه المصادر، من جعل نفسها المنتج على الهامش، أي اللاعب الذي يستطيع زيادة الإنتاج أو تقليله بكميات قليلة، وأن يؤثر على الأسعار هبوطاً أو صعوداً.

ولقد شهدت الولايات المتحدة، في شهر مارس/آذار من هذا العام، هبوطاً في إنتاج النفط من الصخر الزيتي، بسبب هبوط الأسعار في نهاية العام الماضي 2018 إلى ما بين 45 و48 دولاراً للبرميل، ما انعكس على إنتاج النفط الصخري، والذي يتطلب إعادة زيادة الإنتاج منه فترة، قبل أن يعود إلى الزيادة المبتغاة.

وفي المقابل، عاود الطلب على النفط ارتفاعه بعد فترة تراجع العام الماضي، بسبب التنبؤات الكبيرة بشأن احتمالات دخول العالم في فترة تراجع اقتصادي كبير، كان من المقدّر أن يبدأ العام الحالي (2019)، ثم يصل إلى أقصى درجاته خلال العام المقبل (2020).

ولكن يبدو أن الأصوات التي حذّرت من هذه الانتكاسة عادت وخفتت حيال التوقعات بأن النمو العالمي خلال هذا العام سيبقى إيجابياً، على الرغم من أن معدلات النمو العالمية قد أعيد تقديرها إلى مستوى أقل مما كان متوقعاً في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

وقد أكدت هذه المعلومة كريستين لاغارد، المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، في الاجتماع نصف السنوي لحكام البنك والصندوق في واشنطن، خلال الشهر (إبريل/نيسان).

ومن الواضح أن التغيرات في أسعار النفط تعتمد على الانتقال في منحنى الطلب، أو منحنى العرض، على السلع الاستراتيجية، أو في تغير بسيط على المنحنى نفسه مع بقائه ثابتاً في مكانه.

وعندما تعقد منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" اجتماعاً من أجل الاتفاق على تخفيض إنتاج النفط، فإن هذا ينقل منحنى العرض للنفط السائل إلى مكانٍ أدنى. وإذا بقي منحنى الطلب مكانه، فإن نقطة التقاء المنحنيين تكون عند سعرٍ أعلى من السابق.

ولكن دولة، كالولايات المتحدة، تستطيع أن تؤثر على تقلّب أسعار النفط، عن طريق زيادة مخزونها من النفط الخام، أو أحد مشتقاته الرئيسية، أو عن طريق التغيير بكمياتٍ بسيطةٍ في إنتاج النفط من الصخر الزيتي.

وبالمنطق نفسه، تسعى إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى التأثير على أسعار الفوائد نحو الانخفاض، أو على الأقل عند مستواها من دون زيادة. كما كان يخطط البنك الفيدرالي الاحتياطي (البنك المركزي الأميركي) إجراءه خلال هذه السنة والسنة المقبلة.

وقد شنّ الرئيس ترامب حملة على البنك الاحتياطي، دفعت الأخير إلى الامتناع عن رفع أسعار الفوائد حتى نهاية العام. وعلى الرغم من أن أسعار الفوائد كان من المفترض أن ترفع بمعدل ربع نقطة مئوية كل فصل، بهدف الخروج من حالة النقود الرخيصة، إلا أن هذا المسار ربما يكون قد توقف.

وقد لوحظ أن البنك المركزي الأوروبي لم يرفع أسعار الفوائد منذ فترة، بهدف دفع نسب النمو إلى الأعلى، وتحسين قدرة الاقتصادات الأوروبية على زيادة الإنتاج والتوظيف. ولعل اقتصادات بعض الدول الأوروبية تمر بفترة نمو متواضعة، مثل ألمانيا، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، وإسبانيا وفرنسا، وغيرها.

ولذلك، يرى الرئيس ترامب ضرورة ألا يتحرّك سعر الفائدة الأميركي إلى الأعلى، ولو بهامش بسيط، حفاظاً على المنافسة، ليس حيال أوروبا فقط، وإنما حيال الصين التي يتهمها بممارساتٍ غير عادلة، مثل عدم السماح لسعر صرف اليوان الصيني بالارتفاع، وبتقديم الدعم للصادرات، وبالقرصنة في مجال التكنولوجيا.

وفي مقال منشور على موقع "سي إن إن" (CNN)، انتقد الصحافي الشهير، فريد زكريا، في برنامجه الأسبوعي "الميدان العام العالمي" (GPS)، قيام الرئيس ترامب بهذه المناورة، باعتبارها تدخلاً سافراً في أمرٍ هو من اختصاص البنك المركزي الفيدرالي الأميركي.

وقد انتقد زكريا، للأسباب نفسها، رؤساء دول آخرين، قاموا بالمناورة نفسها، مثل رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، الذي يريد تحقيق معدلات نمو أعلى، عن طريق توفير وسائل تمويل رخيصة للمنتجين والمستثمرين، بهدف الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة، وضمان النجاح في الانتخابات الهندية التي جرت خلال شهر إبريل/نيسان الحالي. وانتقد دولاً أخرى، مثل جنوب أفريقيا.

إذن، الدول الكبرى في العالم والمؤثرة في أسعار سلعه وخدماته وعملاته وفوائده صارت تتصرّف على هواها، وبما يخدم المصالح السياسية للأحزاب، أو الجهات الحاكمة فيها.

وهذا بالطبع يخلق حالةً من التشويش غير الحميد على مجريات الاقتصاد الدولي، ويجعل الدول الصغيرة خصوصا في حالة ترقب واستنفار، تحسباً للآثار غير المتوقعة على أداء اقتصاداتها واتجاهات هذه الاقتصادات، بفعل قراراتٍ يأخذها آخرون على الهامش، من دون سابق إنذار، ومن دون مراعاة لمصالح الدول الأخرى.

وقد تؤدي هذه التطورات إلى جعل الفوضى والهامشية في القرارات عنصراً إضافياً لانفلات التحكم في المجريات الاقتصادية، بالإضافة إلى ما تحدثه الآن منتجات التكنولوجيا الحديثة والثورة الصناعية الرابعة والإرهاب السايبري، وإحلال الآلة مكان الإنسان، من قلقٍ لم يجد العالم بعد له حلولاً، أو حتى اتفاقاتٍ، تحول دون وقوع كوارث عارمة، لا قِبَلَ لأحدٍ بها.
تعليق: