أسواق النفط هادئة والأسعار تحت قبضة ترامب وليس "أوبك"

30 ابريل 2019
الصورة
محطة وقود في كوريا الجنوبية (Getty)
لا تزال أسعار النفط تراوح لدى مستوى 72 دولاراً مع حلول موعد تطبيق الحظر الأميركي على كامل صادرات النفط الإيراني بعد غد الخميس، وحتى الزيادة التي حدثت في التعاملات الصباحية اليوم الثلاثاء، وبعد تصريحات وزير النفط السعودي خالد الفالح كانت طفيفة، إذ لم تتعد 21 سنتاً عن إغلاقها أمس الإثنين.

وعلى الرغم من الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على السعودية لزيادة إنتاجها النفطي وتعويض حصة إيران، إلا أن وزير الطاقة السعودي خالد الفالح أبلغ وكالة الإعلام الروسية الثلاثاء، أن اتفاق إنتاج النفط العالمي الذي تقوده روسيا والسعودية قد يتقرر تمديده لنهاية العام 2019.

وهذا يعني الاستمرار في خفض الانتاج وليس زيادته. ومثل هذا التصريح وفي ظل حظر النفط الإيراني، كان يجب أن يرفع أسعار النفط، لأنه يعني أن ما يفقده السوق العالمي من النفط الإيراني، لن يُغطى من قبل أحد.

وفي تصريح آخر، قال الفالح، في حديث لوكالة "سبوتنيك" الروسية اليوم: "بعد إعلان العقوبات من الجانب الأميركي أوضحنا نقطتين. قبل كل شيء، نحن نلبي احتياجات عملائنا، بما في ذلك أولئك الذين يستبدلون البراميل الإيرانية بالبراميل السعودية، ونحن ملتزمون بتلبية طلبات كل هؤلاء المشترين".

وهذا التصريح يعني زيادة الانتاج حسب مراقبين. كما أن هذه التصريحات المتناقضة، تعد السبب الرئيسي وراء عدم ارتفاع أسعار النفط إلا بنسبة 0.3% خلال الجلسة الصباحية في لندن، حيث أن السوق لم تعد تأبه لتصريحات السعودية بشأن النفط.

ولم تعد أسواق النفط تهتم كثيراً بمنظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك"، وإنما اهتمامها أكبر بالتغريدات التي ينشرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فهي التي تحدد مسار الإمدادات وأسعار النفط وليس "أوبك"، كما كان في السابق.

لكن كيف ينظر خبراء الطاقة لتوجهات أسعار النفط؟
أفضل التوقعات لارتفاع الأسعار، جاءت من قبل مصرف "يو بي أس" السويسري، فقد أكد خبير الطاقة بالمصرف، أدريان زوريشا، أن "سوق النفط ستظل مضطربة، ونتوقع أن يراوح سعر خام برنت 70 إلى 80 دولاراً خلال العام الجاري".

ويبني زوريشا توقعاته، على أساس الاضطرابات الجيوسياسية والحروب الأهلية التي تجتاح العديد من مناطق العالم الغنية، خاصة ليبيا وفنزويلا والحرب اليمنية المتواصلة وتداعياتها على مرور الحاويات النفطية عبر باب المندب.

يذكر أن السعودية بحاجة إلى سعر نفط مرتفع وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي الأخيرة التي تقول إن الرياض بحاجة لسعر 85 دولاراً للبرميل حتى تتمكن من تغطية مستوى الإنفاق. وربما كان حظر النفط الإيراني فرصة للحكومة السعودية للحصول على مداخيل أعلى من صادرات خاماتها.
من جانبه يرى رئيس وحدة السلع بمصرف "غولدمان ساكس" الأميركي، جيفري كوري، في مذكرة للعملاء، أن أسعار النفط لن تتخطى حاجز 75 دولاراً للبرميل.

وقال كوري،" نحن على علم أن لدى منظمة أوبك طاقة فائضة تمكنها من تغطية النقص الذي يطرأ في السوق من غياب النفط الإيراني".
وأضاف، "بالتالي نتوقع أن يراوح سعر النفط بين 70 و75 دولاراً للبرميل". ويشير كوري إلى أن ما ستخسره السوق النفطية العالمية من الحظر الأميركي للنفط الإيراني يقدر بنحو 900 ألف برميل يومياً.

لكن مؤسسة "أس آند بي ـ بلاتس"، الأميركية المتخصصة في شؤون الطاقة، ترى أن ما ستخسره أسواق النفط من الحظر الإيراني يقدر بنحو 1.3 مليون برميل يومياً. ولكن كلا الرقمين لا يشكل عقبة في الإمدادات النفطية، لأنه يمكن تغطية النقص بسهولة من قبل منظمة "أوبك"، التي تقدر وكالة الطاقة الدولية، الطاقة الانتاجية الفائضة لديها بنحو 3.3 ملايين برميل يومياً.
وحسب تعريف وكالة الطاقة، تعني الطاقة الانتاجية الفائضة، القدرة على الإنتاج فوق سقف الإنتاج الحالي لدى الدول الأعضاء، ويمكن تجهيزها في ظرف شهر واحد. وتقدر الوكالة أن لدى السعودية طاقة فائضة تقدر بنحو 2.2 مليون برميل يومياً. 

وبالتالي، فعلى صعيد منظمة "أوبك"، لا توجد مشكلة في القدرة على تغطية النفط الإيراني. ولكن هنالك عامل آخر مهم يمنع صعود النفط بسبب حظر النفط الإيراني، وهو النفط الصخري. 

في هذا الصدد يقول، البروفسور نيك بتلر، الاقتصادي بجامعة "كينغز كوليدج"، في لندن، إن السوق النفطية تغيرت كثيراً، عما كانت عليه بعد ثورة النفط الصخري، "في الماضي كان غياب صادرات النفط لدولة رئيسية مثل فنزويلا أو إيران يحدث صدمة في السوق ويرفع الأسعار بمستويات جنونية، أما الآن فلا".

ولكن رغم هذه التطمينات، هنالك اقتصاديون يرون أن المخاطر الجيوسياسية يمكن أن تؤدي إلى صدمة نفطية. من بين هؤلاء، البروفسور جيسون بيردوف بجامعة كولومبيا، الذي قال إن مخاطر ارتفاع أسعار النفط على المدى الطويل واردة. ويقول بيردوف في تعليقات نشرتها صحيفة "فاينانشيال تايمز"، إن تجهيز طاقات جديدة من النفط الصخري يحتاج إلى فترة تراوح بين 6 شهور إلى سنة.
أما خبراء "أوكسفورد أيكونومكس"، فيرون في تحليلاتهم أن أسعار النفط يمكن أن تصل إلى 100 دولار للبرميل في حال حدوث اضطراب في الدلتا النيجيرية، أو حدوث هزة في الإنتاج الليبي. لكن يلاحظ أن ترامب حتى الآن، تمكن من التحكم في أسعار النفط لدى المستويات التي تخدم مصالحه رغم الاضطرابات الجيوسياسية والحروب الأهلية التي تجتاح العديد من مناطق العالم الغنية بالنفط.

وعادة ما كانت هذه الحروب تزرع الرعب في الاقتصادات الكبرى المستهلكة للنفط في أوروبا وأميركا وآسيا. فالنفط سلعة سياسية بالمقام الأول قبل أن تكون سلعة اقتصادية، لأن من يتحكم في الطاقة وإمداداتها وممراتها وأسعارها يتحكم في السياسة العالمية.
ويكفي أن ترتفع أسعار النفط 10 دولارات فوق المستويات المتوسطة لترسل العديد من الاقتصادات إلى دائرة الركود.