تحركات إيرانية واسعة لتجنب الحظر الأميركي

10 فبراير 2019
الصورة
إيران تلجأ إلى أسواق الظل لتصدیر النفط (فرانس برس)

 

تواصل إيران تحركاتها لإيجاد طرق بديلة لبيع نفطها الخام، بعيداً عن الحظر الأميركي، ولا سيما أن تصريحات الإدارة الأميركية بدت حازمة في عدم منح أي إعفاءات أخرى للدول من شراء النفط الإيراني، بينما يستمر العد التنازلي للإعفاء الذي منحته لثماني دول من أجل إفساح المجال أمامها لإيجاد بدائل في سوق الطاقة العالمي.

فقد قال برايان هوك ممثل الولايات المتحدة الخاص بإيران، في تصريحات منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، إن بلاده لا تتطلع لمنح أي إعفاءات أخرى في ما يتعلق بواردات النفط من إيران، لكنه أحجم عما تعتزم واشنطن فعله عندما تنتهي مدة الإعفاءات الحالية في مايو/ أيار المقبل.

ومنحت واشنطن استثناءات لثماني دول من المشترين الرئيسيين للنفط الإيراني، من بينها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا واليابان، وذلك بعد أن أعادت فرض العقوبات على قطاع النفط الإيراني في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018.

وبينما لم تتعاط الحكومة الإيرانية كثيراً مع تصريحات المسؤول الأميركي الأخيرة، فإن الخطط الأميركية لحظر النفط الإيراني تبدو مقلقة للكثير من المحللين الإيرانيين، غير أن منهم من أكد قدرة البلاد على تجاوز الخناق الذي تحاول واشنطن فرضه على طهران بتنويع مصادر الاقتصاد وبناء شراكات مع العديد من دول الجوار مع إيجاد آليات تسمح بالحفاظ على تصدير النفط أيضا.

وفي وقت سابق، رد الرئيس الإيراني حسن روحاني على تصريحات الإدارة الأميركية باعتزامها "تصفير عداد الصادرات النفطية الإيرانية" بأن هذا محض وهم، ملوحا بإمكانية استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره ثلثا ناقلات مصادر الطاقة وتتجه نحو العالم.

أما نائب الرئيس الإيراني، إسحاق جهانغيري، فقال إن أميركا عاجزة عن تحقيق مرادها فلا يمكن لها أن توقف صادرات نفط إيران بالكامل، فهذا سيؤدي لتخبط السوق العالمية، لكنه أكد في وقت سابق أن طهران تسعى لتجهيز العديد من الآليات للحد من الأضرار.

وكان جهانغيري واضحا حين قال إن إيران كانت تصدر في أشهر ماضية 2.5 مليون برميل نفط، وقد انخفضت هذه الأرقام مع دخول الحظر الأميركي حيز التنفيذ العملي، إثر انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي في مايو/أيار العام الماضي، بينما يرى محللون أن هذه الأرقام قد تنخفض أكثر بحال صدق هوك وأوقفت أميركا الإعفاءات.

وبدا المحلل الاقتصادي الإيراني بهمن آرمان، متشائما من مسألة تبعات وقف الإعفاءات الأميركية المخصصة لبعض الدول، واصفا الضغوط الراهنة على طهران بالكثيرة، متوقعا أن يترك الحظر النفطي الأميركي تبعات على الظروف المعيشية في الداخل الإيراني، لأن البلاد ظلت تعتمد على صادرات النفط طيلة السنوات الماضية رغم كل التهديدات.

لكن آرمان قال في حديث لـ"العربي الجديد" إنه رغم عدم وجود قدرة كبيرة لدى الحكومة الإيرانية في الوقت الحالي للمناورة، إلا أنه لدى إيران طرق للنجاة، مؤكدا أنه من الناحية الاقتصادية يوجد دائما سبل للخروج من مآزق من هذا القبيل، لكن ذلك يتطلب إدارة اقتصادية حازمة في ظل قلة الخيارات الراهنة.

وأشار إلى أن إيران تعتمد أولا على تطوير علاقاتها مع الآخرين وعلى توسيع الاستثمارات وتطوير قطاعات ثانية غير نفطية، من قبيل الزراعة وتصدير التقنيات والخبرات للخارج من قبيل تشييد الجسور والطرق، وهذا سيساعدها في الحصول على مردود، لكنه بذات الوقت يتطلب تخطيطا دقيقا وبرامج قوية فاعلة وهو أمر تفتقد له طهران في الوقت الراهن.

واعتبر أن التهديدات التي صدرت على لسان هوك ليست بالجديدة، وتشكل استكمالا للحرب النفسية التي تشنها الولايات المتحدة ضد طهران.

والشهر الماضي، قال مساعد وزیر النفط في الشؤون الدولیة والتجاریة، أمیر حسین زمانی نیا، وفق في تصريحات أوردتها وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء "إرنا" إن ظروف الاحتفاظ بسوق النفط في الوقت الحاضر لیست سهلة، لكن إیران توصلت إلي أسواق الظل التی یمكن استخدامها لتصدیر الخام.

وقال: "هناك العدید من الفرص المتاحة لتصدیر المنتجات النفطیة والتي لم یتم استخدام جمیعها، بالإضافة إلى الفرص المختلفة في دول الجوار كالعراق وتركیا وأفغانستان حیث یمكن للمصدرین الانتفاع منها".

وبدا الصحافي المتخصص بالشأن الاقتصادي محمد حسين سيف اللهي، أكثر تفاؤلا، مستندا إلى الأرقام المطروحة في موازنة الحكومة للعام الإيراني الجديد، الذي سيبدأ في 21 مارس/آذار المقبل، حيث تعتمد بنسب أقل على عائدات النفط.

وقال سيف اللهي لـ"العربي الجديد"، إن الموازنة الجديدة تعتمد على عائدات النفط بنسبة 35% فقط، وإعلان وزارة النفط عن نيتها رفع صادرات المشتقات النفطية أمر قد يساعد طهران في تجاوز تبعات الحظر وإلغاء الإعفاءات، التي تحدث عنها هوك، مؤكدا أن تحويل ذلك لسيناريوهات عملية من شأنه تقديم مساعدة لاقتصاد البلاد لكي يصمد بوجه القادم.

وذكر أن إيران تستطيع أن تعتمد على عائدات منتجات أخرى من قبيل البضائع البتروكيماوية، والحديث عن بناء وافتتاح منشآت بتروكيماوية جديدة يعني أن هناك جهدا لتحويل نظرية الاقتصاد المقاوم لواقع عملي.

ورأى هو الآخر أن التهديدات الأميركية ليست جديدة، لذا لم تترك أثرها البالغ في فترة قصيرة، وقد اختبرت إيران حظراً نفطياً مشدداً في 2011، وهددت الولايات المتحدة آنذاك بالتسبب بشلل كامل لاقتصاد طهران، وهو ما لم يحدث رغم تأثر المؤشرات سلباً ورغم انخفاض صادرات النفط.

واعتبر أن التهديدات السياسية قد لا تحقق المآرب الأميركية بالطريقة المثلى، فحتى اللحظة لا يبدو أن هناك طرف حقيقي يستطيع التعويض عن نقص النفط الإيراني في السوق، بحسب رأيه.

وأشار إلى أن واحدة من السبل الإيرانية لتجاوز تبعات القرار الأميركي إن حصل بالفعل، تتعلق بالدبلوماسية السياسية وخطوات وزارتي الخارجية والنفط خارج حدود البلاد.

وقد لوحظ في الفترة الأخيرة تكثيف الجهود الدبلوماسية الإيرانية الإقليمية بشكل عام. والأسبوع الماضي قال رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي لوفد إيراني رفيع يرأسه محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر ھمتي، إن "العراق لن يكون جزءاً من منظومة العقوبات ضد إيران وأي شعب آخر".

كما ذكرت مواقع إيرانية أن طهران وإسلام آباد تتجهان لفتح منطقة حرة تجارية في ميرجاوه الحدودية بين البلدين، وهو ما من شأنه فتح ممر للعبور نحو الهند أيضا، وبحال تم وصل خط الترانزيت البحري من ميناء تشابهار الواقع في جنوب شرق إيران بمنطقة ميرجاوه، فهذا من شأنه تأمين بضائع إيران في فترة الحظر الأميركي، والتحرك بحرية أكبر وبتكلفة أقل وبصورة أسرع نحو أسواق الصين والهند وباكستان وأفغانستان ومنها لدول آسيوية أبعد.

كما اعتمدت إيران منذ عودة الحظر النفطي إليها قبل أكثر من شهرين على الإعفاءات التي منحتها واشنطن لثماني دول تصنف من المشترين الرئيسيين للنفط الإيراني، ومن بينها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وقد ذكرت صحيفة يابانية أنه من المتوقع أن تستأنف اليابان واردات نفط إيران بعد تعليقها بسبب العقوبات، وهو ما تعول عليه طهران أيضا وخاصة من قبل الشركاء الآسيويين.