سيناريوهات تركية تجاه حظر النفط الإيراني

03 مايو 2019
الصورة
ناقلة نفط بالقرب من ميناء بندر عبّاس (فرانس برس)
في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2018، استثنت أميركا 8 دول من العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، فيما يخص استيراد النفط، هي الصين، اليابان، الهند، إيطاليا، اليونان، كوريا الجنوبية، تايوان، تركيا، وكان المبرر أن من بين هذه الدول 6 دول من كبار مستوردي النفط الإيراني.

إلا أن دونالد ترامب أعلن مؤخرًا أن أميركا لن تسمح بالاستثناءات بدءًا من الخميس 2 مايو/أيار، ولن يُسمح بتصدير إيران للنفط، والقرار ستكون له عواقب مختلفة، ومن المحتمل أن تختلف حوله ردود فعل الدول المستوردة للنفط الإيراني.

فهذه الدول كانت تحصل على ميزة من ناحية الأسعار، في ظل فرض العقوبات الاقتصادية خلال الفترة الماضية، في إطار استراتيجية إيران "النفط الرخيص"، فضلًا عن مصالح اقتصادية أخرى تربط هذه الدول بطهران. وكان رد الفعل الهندي الأسرع من بين هذه الدول، إذ تمنّت نيودلهي على واشنطن أن تسمح لها باستيراد كميات، ولو قليلة، من النفط الإيراني.

ولم تتأخر تركيا كثيرًا، إذ أعلن وزير خارجيتها، مولود جاووش أوغلو، أن القرار الأميركي تجاوز الحدود، وأن بلاده تعارض مثل هذه الخطوات والإملاءات، ورفضت القرار منذ فترة، لأن العقوبات من طرف واحد، وهي ضد المصالح الاقتصادية لبلاده، وأكد أن شراء النفط بالنسبة لتركيا من دول أخرى غير إيران مكلف للغاية، وأميركا تعلم ذلك، وأن أنابيب النفط الممتدة بين تركيا والعراق كبديل تضررت كثيرًا بسبب ممارسات "داعش"، وأن إصلاحها يستغرق بعض الوقت.
وبنظرة للعلاقات الإيرانية التركية، نجد أن التبادل التجاري بين البلدين بلغ 9.30 مليارات دولار في العام 2018، متراجعًا عما كان عليه في العام 2017، حين كان التبادل يبلغ 10.7 مليارات دولار، حسب بيانات وزارة الخارجية التركية، والتي أفادت بأن الميزان التجاري عادة في صالح إيران، وهو ما ظهر في 2018 بنحو 4.5 مليارات دولار.

ومن أهم الصادرات التركية لإيران، وسائل النقل، المنتجات المعدنية، المشغولات الذهبية، المنسوجات، بينما تستورد تركيا من إيران النفط والغاز الطبيعي، والمواد الأولية البلاستيكية، والمواد الكيماوية، والمعادن والحديد.

وتفعيل العقوبات الاميركية على النفط الإيراني، وإلغاء الاستثناء الممنوح لتركيا، سيؤثر على طبيعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل سلبي، فالأمر لا يتوقف فقط على التبادل التجاري، لكن هناك السياحة، والاستثمارات المباشرة لإيران في تركيا، كما أن تركيا كانت تأمل في أن يكون لها موضع قدم في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية في إيران، في ظل رفع العقوبات، وفتح مجالات للاستثمارات.

كما يُعد السياح الإيرانيون مصدرًا مهمًا لتركيا، إذ بلغ عددهم مليوني سائح في 2018، والسياحة من القطاعات المهمة التي يعوّل عليها الاقتصاد التركي.

سيناريو التصعيد

رسم الموقف التركي الذي عبر عنه وزير الخارجية، مسار السيناريو الأول، تجاه الأزمة، وهو ما يضعنا أمام احتمال إعادة أميركا النظر في قرارها، للاعتبارات الاقتصادية التي تحدثت عنها أنقرة، لارتفاع تكلفة استيراد النفط من دول بديلة لإيران، وإما أن تأخذ أميركا رد فعل مختلفا وتشرك تركيا في العقوبات الاقتصادية على إيران.
وهذا الاحتمال سيؤدي إلى تصعيد سلبي بين تركيا وأميركا، إذ هدد ترامب وإدارته غير مرة بفرض عقوبات اقتصادية على تركيا، بسبب خلاف على أمور سياسية بينهما، أبرزها صفقة المنظومة الدفاعية (أس 400 الروسية).

وإذا ما اتخذت أميركا الخطوة فستكون الليرة أول المتأثرين، خاصة أنها تعاني من انخفاض في قيمتها منذ مطلع إبريل/نيسان 2019، وزاد من ضعف موقفها في سوق الصرف، توقعات البنك المركزي التركي، بأن تواصل الليرة الاتجاه نحو الانخفاض لتصل إلى 6.2 ليرات مقابل الدولار بنهاية العام 2019.

وهنا، سيتوقف قياس الأضرار الاقتصادية على تركيا، حسب طبيعة العقوبات التي قد تفكر أميركا في اتخاذها. إلا أن ارتباط الاقتصاد التركي بمصالح اقتصادية كبيرة مع الاتحاد الأوروبي، قد يجعل أميركا تُراجع خطوة فرض عقوبات على تركيا، وتجعلها في أضيق نطاق إذا ما اضطرت إلى ذلك.

ومن المهم أن نتذكر أن ملف قضية مدير بنك خلق التركي، محمد خاقان عطا الله، الذي لا يزال رهن الاعتقال في أميركا، يرجع إلى ارتباطه باتهام البنك بتمرير صفقات مالية لصالح إيران، وهو ما تنفيه أنقرة.

ولعل التصعيد بين الطرفين لرفض تركيا القرار الأميركي بمنعها من استيراد النفط الإيراني، يزيد من تعقيد قضية مدير البنك، والتي كان يعتقد أنها في طريقها للحل، عقب تسوية قضية القس الأميركي أندرو برونسون في نهاية 2018.

سيناريو التهدئة

كما هو معلوم، فإن لغة المصالح هي التي تحكم الكثير من الصراعات السياسية. وثمة خلافات عدة بين أميركا وتركيا، وقد طفت هذه الخلافات على السطح، واشتدت وتيرتها إبان أزمة القس. كما أن صفقة منظومة الدفاع الروسية، التي تعتزم تركيا استيرادها، تمثل حجر عثرة في عودة العلاقات الأميركية التركية إلى ما كانت عليه من قبل.
ولذا فثمة احتمالات بأن تقبل تركيا التعاطي الإيجابي مع القرار الأميركي وتتراجع عن استيراد النفط الإيراني، في حالة تقديم تسهيلات من قبل أميركا وحلفائها في المنطقة تتعلق بالإمدادات النفطية، من حيث الكميات، والأسعار المنخفضة، مقارنة بالسوق الدولية، التي يتوقع لها أن تلامس سقف 80 دولارا للبرميل، عقب تفعيل العقوبات الأميركية على النفط الإيراني بشكل كامل. ولكن قد يكون ذلك سهلا إذا ما قبلت باقي الدول التي كانت مستثناة من هذه العقوبات بوقف استيراد النفط الإيراني، وحصولها على بدائل تعوّض مصالحها الاقتصادية.

وكما أسلفنا، فإن الاقتصاد التركي الذي يعاني من معدل بطالة اقتربت من نحو 15%، وتضخم 20% تقريبًا، وعملة محلية تتأثر سلبيًا بشكل كبير، بسبب النزاعات السياسية، الخارجية أو الداخلية، كما أن معدل النمو المنتظر لعام 2019 يقدر بنحو 0.6%.

كل ذلك قد يدفع الإدارة التركية، إلى أن تُجري حالة من الموازنة بين المكاسب والخسائر، لتجنيب اقتصادها المزيد من الصعوبات، وقد تقبل بالتعاطي الإيجابي مع قرار أميركا بمنع استيراد النفط الإيراني. وثمة تداعيات أخرى تتعلق بالداخل التركي، بعد نتائج انتخابات البلديات غير المرضية التي حققها حزب العدالة والتنمية، ولا يتوقع أن يقبل الحزب بأن يدفع فواتير أكبر من ذلك نظير الدخول في صراعات إقليمية ودولية.

وأخيرًا قد تكون عقوبات أميركا على النفط الإيراني، واحدة من القضايا التي تخلق جبهة جديدة ضد أميركا، كما هو الحال في قضية حماية التجارة.