إطفائي الخليج ... الكلاسيكية السياسية تنجح مجدداً

09 ديسمبر 2014
الصورة
لدى الكويت تاريخ حافل من الوساطات الناجحة (جابر عبدالخالق/الأناضول)
+ الخط -

لطالما لعبت الكويت دور الإطفائي في الأزمات البينية الخليجية. ومع أن هذه السياسة لم تكن أحياناً تروق لبعض أطراف النزاع، غير أنها غالباً ما كانت تصل إلى نهايات مقبولة من الجميع.
ولم يكن الحال مختلفاً عن سوابقه مع الأزمة الخليجية التي اندلعت في مارس/آذار الماضي، عند سحب السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من الدوحة؛ فقد صدرت إشارات من بعض أطراف الأزمة تنتقد "السياسة الكلاسيكية" التي تتبعها الكويت، بل اعتبرتها نمطاً قديماً يتسم ببرود أعصاب مفرط لم يعد صالحاً لمواكبة التطورات الحالية المتأججة. وقد يعود السبب إلى وجود "بعض الصقور الذين لم يكن يروقهم دور الكابح"، الذي تمارسه الكويت لوقف التحرك المتسارع نحو صدام أكثر عمقاً، ربما كان سيهدد وجود مجلس التعاون الخليجي بشكله الراهن. واللافت أنّ ثمة من اعتبر أنّ التوافق الأخير وعودة السفراء كان نتيجة فشل الوساطة الكويتية، وهو أمر تناقضه تصريحات زعماء دول الخليج.

صحيح أنّ تدخل العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز كان حاسماً في القمة الخماسية الأخيرة التي غابت عنها عُمان، كي لا تأخذ وصف قمة خليجية كاملة، إلا أنّ أرضية التفاهم كانت حصيلة جهد سياسي ودبلوماسي كويتي نشط، حسبما يشير تسلسل أحداث الأزمة.
فقد توصل قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ليلة 17 نوفمبر/تشرين الثاني إلى ما عرف باتفاق الرياض التكميلي، الذي ينص على عودة سفراء السعودية والإمارات والبحرين إلى قطر.

وبحسب البيان المشترك الصادر عن الاجتماع الذي عقد في العاصمة السعودية وحضره الملك عبدالله وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، ونائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، فإن اتفاق الرياض التكميلي "يعد إيذاناً بفتح صفحة جديدة".

ولم تكن هذه الصفحة الجديدة سوى النهاية السعيدة لثمانية أشهر من التوتر السياسي، سجلّت خلالها أخطر أزمة تهزّ مجلس التعاون منذ تأسيسه، وشهدت تجاذباً بين الدول الثلاث من جهة، وقطر من جهة ثانية، بينما نأت سلطنة عمان بنفسها عن أجواء الخلاف، وانخرطت الكويت في وساطة عجولة لوقف تدهور الموقف بين جاراتها.
وكانت الوساطة قد أوشكت على الانهيار، حين أجّلت دول الخليج "حتى إشعار آخر" اجتماعاً لوزراء الخارجية كان مقرراً عقده يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني في الدوحة للتحضير للقمة الخليجية.

وجاء التأجيل رغم جهود أمير الكويت لإنقاذ القمة، من خلال زيارات خاطفة، قام بها قبل ثلاثة أيام من موعد الاجتماع إلى السعودية والإمارات والبحرين.
وزادت ضبابية الصورة، حين أكد أمير قطر استضافة بلاده قمة مجلس التعاون الخليجي بعد أيام من إعلان تأجيل الاجتماع الوزاري، ووصف مجلس التعاون بأنه "البيت الإقليمي الأول". ومساء ذلك اليوم، كان الشيخ صباح قد أجرى اتصالاً بالشيخ تميم، قالت وكالة الأنباء القطرية إنه "تعلق بالعلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين وسبل دعمها وتعزيزها، إضافة إلى استعراض مسيرة العمل الخليجي المشترك والاستعدادات المتعلقة باستضافة الدوحة لقمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورتها الخامسة والثلاثين والمزمع عقدها في شهر ديسمبر/كانون الأول".


وبعد ذلك بيومين، ذكرت صحيفة "القبس" الكويتية أن العقبات التي كانت تهدد القمة الخليجية "شهدت انفراجات كبرى" في ضوء جولة أمير الكويت بين أبوظبي والدوحة والمنامة.
ويتعلق الأمر هنا، خصوصاً، بآلية توصلت إليها الوساطة الكويتية في أبريل/نيسان الماضي لتنفيذ اتفاق الرياض الذي وقع بين الدول الخليجية في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 الماضي، لتخفيف حدة الخلاف الخليجي الخليجي، ووقف الاشتباكات الإعلامية.
وتزامنت التسريبات الصحافية مع زيارة قام بها وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الخالد إلى الرياض، حيث التقى نظيره السعودي الأمير سعود الفيصل. بينما كانت مصادر خليجية قد قالت إن الرياض تستعد لاستضافة قمة مجلس التعاون نهاية ديسمبر/كانون الأول بدلاً من الدوحة، بعد اعتراض الدول الثلاث، في مؤشر إضافي على استمرار الخلافات بين الدول الأعضاء. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن مصادر خليجية لم تسمها في حينه قولها إن "الاقتراح بأن تستضيف السعودية القمة جاء حلاً (للغياب) الذي كان سيحدث، إذا انعقدت القمة في الدوحة، خاصة من قبل البحرين والإمارات".

والواقع أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تصل فيها الوساطة الكويتية، في هذه القضية، إلى نقطة تفاؤل بإنهاء الخلاف، قبل أن تتفاقم التوترات على نحو مفاجئ مجدداً، وتعيد الموقف إلى مربعه الأول. ففي منتصف أكتوبر/تشرين الأول، التقى أمير قطر في جدة مع العاهل السعودي في ثاني زيارة له إلى المملكة خلال أقل من ثلاثة أشهر. وكالعادة فقد كانت متزامنة مع تحرك أمير الكويت باتجاه أبوظبي أو المنامة. وقبل هذا بيوم واحد، أي في 14 أكتوبر/تشرين الأول، استقبل وزير الخارجية الكويتي نظيره القطري خالد العطية. وظهر وقتها أن الوساطة الكويتية حققت اختراقاً، ألمحت إليه تغريدات على "تويتر" كتبها وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش تحدث فيها عن "العودة إلى العلاقات المتوازنة والمتكاتفة".


وكان وكيل وزارة الخارجية الكويتية خالد الجارالله قد كشف مطلع أكتوبر/تشرين الأول عن قرب عودة سفراء السعودية والإمارات والبحرين إلى الدوحة، من دون أن يحدد تاريخاً لهذه العودة. كما صرح وزير الدولة للشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي، أكثر من مرة، عن انتهاء الخلاف الخليجي- الخليجي.

وشهد شهر يوليو/تموز أيضاً جولة من محاولات الدبلوماسية الكويتية والسعودية للتوصل إلى حل، إذ تبعت زيارة أمير قطر الأولى إلى جدة زيارة قام بها ولي العهد السعودي الأمير مقرن بن عبدالعزيز، إلى الكويت، شكلت نهاية جولة مكوكية شملت المنامة وأبوظبي.
وفي أغسطس/آب، وصف دبلوماسي كويتي زيارة مفاجئة لوفد سعودي رفيع إلى الدوحة والمنامة بأنها "دبلوماسية اللحظة الأخيرة" في أزمة العلاقات مع قطر، معتبراً أنها "بادرة إيجابية تعزز نجاح الوساطة الكويتية في تقريب وجهات نظر الطرفين التي ظلت متباعدة".

وفي 25 من الشهر نفسه، كشفت مصادر خليجية عن جهود جديدة تقودها سلطنة عمان لدعم الوساطة الكويتية، خصوصاً بعد صدور تقرير اللجنة الفنية الخاصة بتنفيذ "اتفاق الرياض".
ولم تقتصر دبلوماسية المصالحات الهادئة على هذا الملف، فالكويت كانت منخرطة في عدّة ملفات، وإن كانت لن تطلق عليها اسم "وساطة" بالمعنى المعلن بين السعودية وايران، وكذلك بين مصر وقطر، خصوصاً إبان ترؤسها القمة العربية. كما توسطت في الأزمة البحرينية الداخلية أكثر من مرّة، غير أنّها لم تنجح في إحداث أي تقارب بين الحكومة والمعارضة.

يذكر أنّ لدى الكويت سجلاً ناجحاً في الوساطات الخليجية، ومنها احتواء أزمة حدودية بين قطر والسعودية عام 1992، ومعالجة أزمة مقاطعة البحرين لقمة مجلس التعاون الخليجي التي استضافتها قطر عام 1996، ثم وساطة بين السعودية وقطر عام 2006.

المساهمون