رابعة والنهضة: الفنانون بين الصمت والتحريض والتنديد الخجول

14 اغسطس 2016
الصورة
من فيلم اشتباك (فيسبوك)
+ الخط -
ثلاث سنوات كاملة مرَّت على مجزرة القرن في ميداني رابعة والنهضة، والتي احتوت على مئات القصص الواقعيّة الداميّة. وبالرغم من ذلك، لم يقدم الوسط الفني على إنتاج أعمال فنية على مستوى الحدث، الذي يُعدّ زلزالاً إنسانياً عنيفاً في تاريخنا الحديث. نعم، اختفت تلك الأعمال، ولو من خلال رؤية النظام السياسي المصري، باستثناء عمل يتيم لا يزال يثير جدلاً كبيراً، وهو فيلم "اشتباك"، للمخرج محمد دياب، الذي عرض أخيراً في مهرجان "كان". 

في يوم فض اعتصامي رابعة والنهضة، تمّ اعتقال الكثيرين بشكل عشوائي، ولم يكن الجميع من مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي أو جماعة الإخوان المسلمين. وكان من بين المعتقلين من تمّ شحنهم داخل سيارة ترحيلات مشؤومة نحو سجن "أبو زعبل"، حيث تم قتل 37 معتقلاً بدم بارد داخل تلك السيارة. وقد راعت المحكمة أقصى درجات الرأفة مع القتلة من ضباط الشرطة.

اقتنص المخرج محمد دياب، المشهد وقدّم معالجة ملتبسة، في حين اصطُنِعَت حملة تشهير باعتباره مغامراً يقدم عملاً غير تقليدي في مجتمع تسيطر عليه العسكريتاريا. لكن حفاوة السلطة الحاكمة بالعمل والسماح له بالانتشار دون استعمال مقص الرقيب الحاد، في أي من مشاهد الفيلم، لفتت انتباه المراقبين، فاتهموا العمل بالمؤامرة الفنية التي تساوي بين الجلاد والضحية، وتلقي باللوم على المعتقلين من أجل تبرئة الشرطة المصرية من جريمة القتل العمد. فيما زعم دياب أنّ فيلمه يهدف إلى "نبذ حالة الهيستيريا الجماعية، ورفض الآخر التي سادت المجتمع المصري، وجعلته قريباً من حربٍ أهلية في الفترة التي تلت 30 يونيو/ حزيران". في المقابل، اختلفت الآراء حول تقييم الفيلم، وما إذا كان يسير في سياق تمرير المصالحة، أم أنّه يهدف إلى تبرير المذبحة.

وباستثناء "اشتباك"، فقد تباينت آراء صناع السينما المصرية تجاه المجزرة، ولكن اتّفق الجميع على الصمت الفني. فيبدو أن مُجرّد التطرُّق ولو من خلال صورة عابرة، يثير زوبعة لا يحاول أهل الفن إثارتها خوفاً من المجهول، فمساحة الاختلاف حول اعتصامي رابعة والنهضة في الشارع المصري لا تزال ملتهبة، وهو ما ظهر في مسلسل "القيصر"، الذي ألفه محمد ناير، وأخرجه أحمد نادر جلال، وعرض في رمضان الماضي.

ففي هذا المسلسل تم استدعاء صورة للشهيد محمد عنتر، أحد ضحايا مذبحة الفضّ، واستخدامها باعتبارها صورة لأحد مروجي العنف وتجار السلاح. وهو ما أثار موجة انتقادات شديدة ودعوات لمقاطعة المسلسل، وهو ما دفع يوسف الشريف، بطل المسلسل، إلى الاعتذار عن ذلك، بأنه خطأ غير مقصود، ووعد بمحاسبة المخطئ في مرحلة المونتاج، مُؤكّداً أنه "ليس من حق أي أحد نشر صور لأي أحد، دون الرجوع له أو لعائلته". غير أن اعتذار الشريف بعدم القصد لم يكن مُقنعاً، خصوصا بعد أن استخدمت إشارة رابعة في لقطة أخرى ضمن مظاهرة مناهضة لنظام الحكم الحالي، حيث تُرفع إشارة "رابعة" على أنها مُؤيّدة لشخصيّة تُدعى "الدساس"، وهو داعية يقوم بأعمال إرهابية إجرامية، وفقاً للمسلسل.



ما سبق يشير إلى الحساسية المفرطة من إبداء الموقف السياسي من فض رابعة والنهضة في مجال الفن، فالآثار المترتبة على ذلك غير مضمونة العواقب، حيث لا تزال الحرقة تعتمل في النفوس بذات الدرجة والتحفّز، لم يطفئها عدلٌ ولا ثأرٌ ولا مصالحة؛ لذا يؤثر الجميع التحفظ على مواقفه لحين تغيّر الظروف والمناخات. ولعلّ تعبير الممثل نبيل الحلفاوي، (وهو من أنصار فضّ الاعتصام بالقوة)، بمناسبة ذكرى رابعة العام الماضي، يكشف شيئاً من ذلك الالتباس، الذي لا تودّ الدراما الرهان عليه، حين قال: "عامان، ولا يزال الوطنيّ شريفاً، والمرتزق يرتزق، والمدعي يزيّف، والمغيّب لا يفهم، والرقيق يتخبط". 

لقد اتّخذ الجميع قراراً بالصمت؛ فالمخرج عمرو سلامة، الذي كان واضحاً في رفض عمليّة الفضّ بالقوّة، وسجّل موقفه في قوله: "احفظوا أسامي من قالوا قول الحق، ولُعِنوا من الطرفين، ستحتاجونهم يوم تملأ آثار الدم الشوارع ولا تجدون من يمسحها"، لم يتسنَّ له المشاركة والتفكير في عمل فنّي يُجسِّد قناعاته، وحتى لو فكر في ذلك، فإن الأجواء الفاشيّة ضد جميع المنتمين لثورة يناير من الفنانين، لا تسمح بالاجتماع داخل عملٍ فنّي يخالف رؤية النظام. وقد حُكم على بعض الأعمال الفنية بالموت وعدم العرض في التلفزيون المصري، لأنّ أبطاله ليسوا ممن يروقون لنظام 30 يونيو/ حزيران، مثلما حدث مع مسلسل "أهل الإسكندرية" للسيناريست بلال فضل، الذي مُنِع عرضه بأوامر أمنيَّة، وقد ربط فضل بين هذا المنع المستمر منذ عام 2014، وحتى الآن، بموقفه من بطش الشرطة في رابعة.

في المقابل، نجد أن نماذج المفوّضين من أهل الدراما هي الأخرى، لم تُقدِم على مثل هذا العمل. وعلى سبيل المثال، كان السيناريست والمنتج، محمد العدل، أحد الداعمين بقوّة لفضّ الاعتصام بدمويّة، وهو الذي دعا الفنانين والمبدعين والسياسيين، إلى أن يروجوا لفكرة إرهاب الإخوان، لحصار الجماعة داخليّاً وخارجيّاً. وكان ما قدمته عائلة العدل، هو مسلسل "حارة اليهود" الذي أثنى على بعض اليهود المصريين ووصفهم بالوطنية والإخلاص في مقابل الانتقاص المفرط من جماعة الإخوان المسلمين، ووصف أفرادها بالانتهازية والإرهاب، وهو المسلسل الذي أنتجته شركة "العدل جروب".

كما أنّ مدحت العدل قد استبق فض رابعة والنهضة، وليس بعدها، بتأليف تلك الأغنية المشبوهة "إنتو شعب واحنا شعب"، التي غناها علي الحجار، في تمهيد لعملية تقسيم المجتمع، ومحاولة لتمرير عملية الفض جماهيّرياً.



المساهمون