شهادتي على اعتصام رابعة: بأي ذنب قتلوا؟

14 اغسطس 2016
الصورة
(محمود همس/فرانس برس)
+ الخط -
منذ ثلاثة أعوام، وقبل فض اعتصامي رابعة والنهضة بنحو أسبوعين، تسنى لي أن أقوم بتغطية اعتصام رابعة العدوية ثلاث مرات في ثلاثة أوقات مختلفة نهارًا وليلًا، تمكنت من خلالها من تسجيل بعض ملاحظات وشهادات كانت دافعًا رئيسيًا لي لترديد تساؤل إنساني بسيط في جوهره، معقد في إجابته: "بأي ذنب قتلوا"؟

إنسانياً لا يوجد أية إجابة استطاعت أن تتمكن مني أو تجد مبررًا لهكذا مذبحة وهكذا تنكيل وانتقام. الإجابات كلها لا يوجد مقاربة إنسانية تجعلها صالحة، فالأمر ليس إعتداءات أو اشتباكات عادية أو صداما متصاعدا، بل هو استهداف بالقتل والحرق والقنص بطريقة انتقامية هستيرية.

لذا فالإجابات كلها سياسية، والمقاربات كلها تتعلق بالطمع في الحكم والرغبة في إبادة الخصم السياسي والتخلص منه وتدميره عبر شيطنته وإلصاق ما ليس فيه به، وتضخيم أخطائه والمبالغة فيها.

كان مدخل السؤال هو عملي الميداني، الذي جعلني أرى وجوه الغالبية من المعتصمين وكيف يتعاملون مع بعضهم ومع الحاضرين ومع المنشآت العسكرية المحيطة بهم، وكيف يديرون حياتهم اليومية، ثم مقارنتها بما يقوله إعلام النظام العسكري آنذاك عنهم.

وكانت السمة الغالبة هي امتلاء الناس بالحماس ورؤيتهم أنهم على حق فيما يفعلون. وأذكر أني رافقت مراسلي فيديو لصحيفتين أوروبيتين وكانت الملاحظة الأساسية أنه في ظل الأوضاع الصعبة للمكان لا يمكن أن يأتي أحد للاعتصام ويمكث فيه من أجل الترفيه أو المصلحة الشخصية.

وبالتالي لم يكن يمكن للاتهامات للمعتصمين بتلقي الأموال أو المنع من الخروج أو حصولهم على مزايا تعويضية مادية تدفعهم للمضي قدما فيما يفعلون، وهي الحجة الأولى للنظام في تبرير ما فعل، أن تكون حقيقية.

مشاهدتي الثانية كانت حول التعامل مع المنشآت العسكرية المحيطة، كمقر الدفاع الشعبي والعسكري التابع لوزارة الدفاع، والذي كانت بوابته الرئيسية في مدخل الاعتصام من طريق النصر. كان معتادًا أن تجد حامل أعلام بجواره، وأسرة تجلس لتتناول فطورها في رمضان وسط حياة عادية. لم يكن هناك أي محاولة أو مساس بأذى لهذه المنشآت.

ورغم أن زيارتي جاءت بعد مذبحة المنصة إلا أن بوابات الدخول لم يكن بها تفتيش صارم ولا أحد يمنعك من الدخول والخروج، نعم كان هناك تحفز نحو بعض الصحافيين الذي ينتمون لبعض المؤسسات التي شوهت من واقع الاعتصام، لكن لم يكن من السهل اكتشافهم في ظل حالة السيولة في الدخول والخروج بعكس ما روج الإعلام، وبالتالي كان من السهل على زميلاتي الصحافيات من المؤسسات الأجنبية المختلفة أن يتجولن في أمان داخل الاعتصام.

حتى ما كان يثير بعض الاستهجان لدى بعض الأطراف حول الاعتصام، كرفع شعارات "مشروع شهيد" أو سيطرة حالة "الصراع الإسلامي ضد ما هو غير إسلامي" على كثير من الحاضرين، في ظل تمسك "بالشرعية"، لم يكن له تأثير على تعامل المعتصمين مع من حولهم.

كان اعتصام رابعة أشبه بقرية صغيرة، تضم تجمعاً بشرياً ليس بالقليل، يسعى لإثبات وجهة نظره في قضيته، يتحرك كثيراً بعفوية ودون تخطيط عميق أو كبير، يمكنك أن تسجل عليه ملاحظات سلبية كحال أي تجمع بشري، لكنه لم يكن يضم أو يشمل ما يستدعي الانتقام منه والتنكيل به كما جرى. فلا هم متمردون مسلحون ولا هم أعداء للوطن، بل طبقات وشرائح ممثلة لطبقات كثيرة من المجتمع وجوههم مثل التي نرى كل يوم، وهتافاتهم ومطالبهم مشروعة سياسياً ويمكن أن تتفق وتختلف حولها.

لا يتسع المقام لتفصيل كل ما استند إليه قاتلوهم، لكن هذه ملاحظات عابرة من شهادتي، كلما تذكرتها، تساءلت محتارًا: بأي ذنب قتلوا؟

دلالات

المساهمون