3 سنوات على "رابعة والنهضة": عجز عن تدويل القضية

14 اغسطس 2016
الصورة
بين 900 و1400 شخص سقطوا بفض الاعتصامين (إد جيلز/Getty)
+ الخط -
جاءت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، عشية الذكرى الثالثة لجريمة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في مصر، حول ضرورة محاسبة الجناة، لتذكّر العالم بأن الجريمة التي راح ضحيتها عدد غير معلوم من الضحايا يُقدّر بين 900 و1400 من أنصار الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، تطوي اليوم سنتها الثالثة من دون توجيه أي اتهام محلي أو دولي للمسؤولين الفعليين أو المحرضين على ارتكاب ما شهده ذلك اليوم من جرائم بحق المعتصمين. لكن كلام بان كي مون، يوم السبت، حول ضرورة إجراء تحقيقات كاملة بشأن مقتل مئات المدنيين على أيدي قوات الشرطة والجيش المصري، ترك البتّ بالدعوات لإنشاء لجنة دولية للتحقيق في المذبحة على عاتق "مجلس حقوق الإنسان" (التابع للأمم المتحدة)، على اعتبار أنه هو "المخول بإنشاء لجنة للتحقيق في جميع انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن القتل الجماعي للمحتجين (في مصر) خلال ذلك اليوم"، على حد تعبير نائب المتحدث الرسمي باسم الأمين العام، فرحان حق. 

تبلغ المأساة والمفارقات ذروتها بأن الذكرى الثالثة لهذه المذبحة، تتزامن مع محاكمة 739 من قيادات وأعضاء "الإخوان" والمواطنين الذين تواجدوا في مكان الاعتصام بغرض التضامن أو المشاركة أو التغطية الإعلامية، بل إن النيابة العامة المصرية نسبت للمتهمين، الذين فَقَد كثير منهم عدداً من ذويهم ورفاقهم، 100 جريمة، من بينها قتل 17 شخصاً منهم 10 أفراد شرطة وإصابة 120 شرطياً بطلقات نارية على مدار أيام الاعتصام.

هذا التناقض بين التحرك القضائي الرسمي في القضية، وبين الأحداث الدموية للواقعة ذاتها، وتجاهل العدد الهائل غير المعروف من الضحايا الذين سقطوا، يثير علامات استفهام عديدة حول أسباب عدم انتقال هذه القضية من حيّز التضامن والتعاطف الصامت داخل مصر وخارجها، إلى ساحة العدالة في الداخل والخارج، وعلامات استفهام أخرى حول ما إذا كان من الممكن مستقبلاً مساءلة الجناة الحقيقيين والمحرضين على ارتكاب هذه المذبحة والقصاص لضحاياها أو أداء جزء بسيط من التعويض لهم عما عصف باستقرار حياتهم من مصائب.
وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة ومعظم دول العالم المهتمة بمصر دانت بشدة أحداث المذبحة وأبدت قلقها من سلوك السلطات المصرية من شرطة وجيش ضد المدنيين، إلا أن أحداث السنوات الثلاث التالية لم تنبئ بأي مساءلة أو محاسبة، بل إن بعض الدول التي دانت ما حدث بلهجة قاسية في حينه، كفرنسا وإيطاليا، فتحت ذراعيها في ما بعد استقبالاً لصاحب قرار الفض، الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي.

ومنذ اليوم الأول بعد المذبحة، كان السيسي قلقاً للغاية من تدويل القضية أو نجاح جماعة "الإخوان" في استصدار أوامر قضائية بحق السيسي كقائد عام للجيش المصري الذي قام بالتغطية وإدارة مداخل ومخارج الموقع، وعدلي منصور كرئيس مؤقت للجمهورية، ومحمد إبراهيم كوزير للداخلية وقائد لقوات الشرطة التي اقتحمت الموقع، وحازم الببلاوي رئيس الوزراء الذي اعترف بأن قرار الفض اتُخذ في اجتماع لمجلس الوزراء.
وسارع السيسي، مدعوماً بآراء عدد من مستشاريه القانونيين، إلى البحث عن طرق لتأمين موقفه أمام أي احتمالات لتدويل القضية، فتم تشكيل لجنة حكومية لتقصي حقائق الأحداث في محاولة لاصطناع استقلال التحقيقات في القضية أمام الرأي العام العالمي، ودرست الحكومة آنذاك إصدار قانون لمحاسبة المتهمين في جرائم الإبادة الجماعية والوقائع غير الإنسانية لتحصين المسؤولين المصريين من المحاكمة الدولية المحتملة. كما أعاقت الحكومة بين عامي 2015 و2016 جهود المنظمات الحقوقية الضاغطة للتصديق على معاهدة روما بشأن المحكمة الجنائية الدولية، والتي وقّعت عليها مصر عام 2001 لكنها لم تصدّق عليها حتى الآن.

غير أن هذه الاحتياطات الحكومية تخوفاً من نجاح جهود تدويل القضية أو نقلها لساحة قضائية عالمية، لم تقابلها جهود منظمة على الطرف الآخر، فاقتصرت تحركات المعارضة الموجودة في الخارج من "الإخوان" وغيرهم من التيارات، على مبادرات فردية في معظم الأحوال لمخاطبة جهات قضائية دولية أو محاكم أوروبية، لكنها افتقرت إلى التنظيم والتركيز، وضاعت بعض الجهود أيضاً بين تفاصيل الخلافات القانونية حول المختصين في ما إذا كانت القضية صالحة للتدويل من عدمه.

طريقان للنفاذ إلى "الجنائية الدولية"
يقول مسؤول قانوني سابق في الحكومة المصرية كان على علاقة بالقضية قبل تشكيل لجنة تقصي الحقائق الحكومية، لـ"العربي الجديد"، إن "أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة هي أحد النماذج الكلاسيكية التي ينبغي للمحكمة الجنائية الدولية التصدي لها بالتحقيق والمحاكمة، بغض النظر عن تلكؤ مصر في التصديق على معاهدة روما، وبغض النظر عن محاولات حكومة السيسي للإفلات من احتمالات المساءلة باصطناع وجود نظام تشريعي داخلي في مصر يمكن أن يحل بديلاً لمعاهدة روما، لأن العالم لا يعتبر القضاء المصري مستقلاً، وسمعته الراسخة كجزء من السلطة التنفيذية تفاقمت بعد أحداث 2013".
يضيف المسؤول السابق أن مذبحة رابعة تُصنّف تحت بعض بنود المادة السابعة من معاهدة روما، إذ تم ارتكاب جرائم القتل العمد والسجن والحرمان الشديد من الحرية البدنية والتعذيب وإخفاء بعض الأشخاص قسرياً، وذلك كله في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي من قِبل النظام الحاكم ضد مجموعة محدودة من السكان المدنيين، وبعلم كامل من المسؤولين عن الهجوم وأضراره وما قد يترتب عليه.
ويشير إلى أن المادة الثانية عشرة من المعاهدة تُخضع مصر كإحدى الدول التي تختص المحكمة الجنائية الدولية بنظر ما حدث فيها من جرائم بعد إصدار المعاهدة عام 2002 باعتبار أن مصر كانت من الدول المؤسسة لهذه المعاهدة وطرفاً في نظامها الأساسي، بغض النظر عن مسألة عدم التصديق.

ويوضح أن هناك طريقين لإيصال قضية المذبحة إلى المحكمة لمباشرة التحقيقات فيها وتحديد المسؤولين، الأول من خلال مجلس الأمن الذي يمكنه إحالة أي جريمة يعترف بارتكابها إلى المدعي العام، والطريق الثاني من خلال علم المدعي العام للمحكمة بنفسه بوقوع جرائم تدخل في اختصاص المحكمة. ويستطرد: "السودان ليس عضواً مؤسساً في المعاهدة، ولم يصدق عليها في عهد النظام الحاكم حالياً، لكن المدعي العام الدولي اتخذ قراراته بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير بناءً على قرار إحالة مباشر من مجلس الأمن بسبب قضية دارفور"، واصفاً هذا الطريق الأول بأنه "سياسي بدرجة كبيرة، لكن يمكن لعائلات ضحايا المذبحة وقيادات الجماعات والتيارات المتضررة منها ممارسة الضغوط السياسية من خلال دول حليفة لهم للضغط على مجلس الأمن في هذا الموضوع، وعلى الأقل، وحتى إذا لم يحرك مجلس الأمن أمر إحالة للمدعي العام، فسوف يكون العالم قد أحيط علماً بهذه المذبحة وبرغبة ضحاياها في تدويلها".

أما الطريق الثاني، فهو من خلال التواصل والضغط على المدعي العام نفسه، لتصبح هذه الجريمة واقعة أمامه بكل تفاصيلها، وهذا لن يتأتى إلا بعمل إعلامي وسياسي كبير في الأوساط الأوروبية تحديداً، للتأثير على الادعاء بما يدفعه لمناقشة طرح القضية على المحكمة أو هيئتها العليا الداخلية التي تقرر مدى إمكانية المضي قدماً في نظرها، وفق المسؤول نفسه.
ويصف الطريق الثاني بأنه "الأقل صعوبة سياسياً، على الرغم من توافر العنصر السياسي أيضاً، فليس من المتصور مثلاً تحريك دعاوى جرائم ضد الإنسانية إزاء رؤساء أو مسؤولين تربطهم علاقات وثيقة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي".

ويبدو من التطورات السياسية الأخيرة في علاقات السيسي بالقوى الغربية، أن الوقت أصبح ملائماً أكثر من العامين الماضيين لزيادة احتمالات تفاعل الأوساط السياسية والقانونية الدولية مع القضية، خصوصاً في ظل استمرار تدهور أداء مصر في الملف الحقوقي، والانتقادات اللاذعة التي توجّه لإدارة السيسي سياسياً واقتصادياً من الدوائر الغربية، لا سيما بعد مقتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة مطلع العام الحالي. ويسيطر الفتور على علاقات السيسي الخارجية، عدا ما يستخدم فيها الأموال والصفقات لدعمها وضمان صمت بعض الدول عن تجاوزاته، فقد ظهرت في الآونة الأخيرة تغييرات سلبية في تعامل ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وحتى روسيا معه، مقابل صمت فرنسي على بعض التجاوزات المهمة في ظل توسع السيسي في استيراد الأسلحة الثقيلة من باريس.

ويشير المسؤول السابق إلى أن النجاح الذي أحرزته المنظمات الراعية لضحايا دارفور في القضية المتهم فيها الرئيس السوداني، يعود إلى تضافر الجهود بين الأوساط السياسية والحقوقية المؤمنة بعدالة هذه القضية، والتحرك المركّز فيها بإعداد ملفات كاملة بالصور والتسجيلات للانتهاكات التي وقعت من القوى النظامية السودانية، وهو نفسه ما حصل في القضايا التي تنظر فيها المحكمة الخاصة بالكونغو الديمقراطية ودول أفريقية أخرى. ويواجه المدانون في قضايا المحكمة الجنائية الدولية عدداً من العقوبات، كالسجن لأقل من 30 سنة، والسجن المؤبد في حالة الخطورة البالغة، والغرامة المالية المتروك تقديرها للقضاة، أو مصادرة العائدات والأملاك والأصول.

أخطاء الماضي وخريطة مستقبلية
شاب المبادرات الفردية التي حركها "الإخوان" وغيرهم من معارضي النظام الحاكم في مصر لتوسيع مساحة الإدانة الدولية لمذبحة رابعة، عدد من الأخطاء من حيث الشكل والمضمون، وذلك بحسب مصدرين؛ أحدهما قاضٍ سابق كان على صلة ببعض هذه المبادرات، والآخر دبلوماسي مصري ما زال في الخدمة كان متابعاً لبعض هذه المبادرات بحكم علاقاته وعمله في عدد من العواصم الأوروبية المعنية.

المسؤولان اللذان طلبا عدم نشر اسميهما، يؤكدان لـ"العربي الجديد"، أن المشكلة الأولى التي واجهت تدويل القضية هي عدم مركزية التحرك، وعدم وجود إدارة موحّدة تضم عدداً من السياسيين والقانونيين والدبلوماسيين المختصين والإعلاميين لأداء الرسالة المتكاملة وصولاً إلى الهدف المنشود.
غياب المركزية أدى إلى تشتيت الجهود بين أشخاص مؤمنين بحظوظ القضية في المحكمة الجنائية الدولية، وآخرين سعوا خلف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، على الرغم من أنها غير مختصة قانوناً بالنظر في القضية، وآخرين سعوا خلف المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان على الرغم من ضعفها وضآلة تأثيرها وتبعيتها المطلقة للاتحاد الأفريقي، بينما سعى آخرون لاستصدار أوامر قضائية بتوقيف السيسي من محاكم أوروبية، وعلى الأخص من القضاء البريطاني.

ويعتبر المصدران أنه يجب على المهتمين بالأمر تشكيل لجنة مركزية للتحرك المشترك، وترتيب الأولويات وفقاً لإمكانية قيد القضية في أي من المحاكم الدولية والأوروبية بشرط أن تكون مختصة ابتداءً بالواقعة، حتى تكون القرارات الصادرة عنها مؤثرة وذات مصداقية، وليست مجرد بيانات إعلامية. وفي هذا السياق، يُجمع المصدران على أن الاحتمال الأفضل للتجريب في الفترة المقبلة هو محاولة ممارسة الضغوط على كل من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سياسياً، والمدعي العام في المحكمة الدولية، سياسياً وقانونياً، مع ترجيح إمكانية التأثير الأقوى على المدعي العام.

ويشير المصدران أيضاً إلى أن تحركات "الإخوان" والمعارضين للسيسي بين عواصم العالم "كانت أسيرة للخطاب السياسي، وليس الخطاب القانوني أو الحقوقي، نظراً لأن الوضع آنذاك كان يبدو أخطر وأكثر تأثيراً من الناحية السياسية"، غير أن هذه الاعتبارات السياسية طغت على الطروحات القانونية التي يجب التركيز عليها لتحويل "مذبحة رابعة" إلى قضية رأي عام عالمي. ويذكر القاضي السابق أنه يجب على أي لجنة مركزية تُشكّل لقيادة التحرك، أن تعدّ ملفاً "ضخماً" بالصور ومقاطع الفيديو والوثائق المتاحة، من شهادات وفاة وتحقيقات محلية وشكاوى وبلاغات قضائية، كما فعلت المنظمات الحقوقية المساندة لقضية دارفور أمام المحكمة الجنائية الدولية، وإرسالها جميعاً إلى المدعي العام للمحكمة الدولية أو أي مسؤول آخر ترى اللجنة مخاطبته. ويستطرد بالقول: "هناك العديد من العقبات أمام إعداد هذا الملف، مثل قلة الوثائق وصعوبة الوصول إلى عدد كبير من شهود الواقعة، لكن يجب البدء فوراً في مراجعة المتاح من الصور والمقاطع المصورة، وهي متوفرة بكثافة، كما يجب تأطير هذه المشاهد والوثائق قانونياً من واقع معاهدة روما".

في المقابل، يوضح المصدر الدبلوماسي أن التقرير الذي أعدته منظمة "هيومان رايتس ووتش" عن الواقعة وغيره من التقارير التي أعدّتها منظمات حقوقية مصرية لها رصيد من المصداقية في المجتمع الدولي، "لم يتم استغلالها جيداً من القائمين على مبادرات تدويل القضية أو أهالي الضحايا"، مبرراً ذلك بـ"حالة البرود التي تخيّم على علاقة الإخوان وغيرهم من الفصائل الإسلامية بالمنظمات الحقوقية واليسارية". ويحذر المصدر نفسه من أن تقترن التحركات بأي من الدول الأجنبية، بل أن يظهر الأمر على نحو يطابق أحد أسباب إنشاء المعاهدة، وهو أن تغلق أبواب القضاء المحلي أمام المتضررين والضحايا لظروف سياسية، بما يخلق حاجة إلى قضاء دولي أعلى نافذ القرارات لاسترداد حقوقهم ومعاقبة المسؤولين.
ويقلل المصدران من أهمية اللجوء لمحاكم عادية أجنبية لاستصدار قرارات توقيف بحق السيسي ومسؤولين مصريين، باعتبار أن هذه القرارات في الغالب لا تكون مُلزمة للشرطة المحلية طالما ليست مستندة إلى جريمة وقعت في أراضي الدولة نفسها، بالإضافة إلى اعتبارات سياسية ودبلوماسية، كتلك التي تمنع بعض الدول الموقّعة على معاهدة روما من القبض على الرئيس السوداني على الرغم من مذكرة التوقيف الملزمة بحقه.

آفاق التحرك الداخلي
في خضم العدد الهائل من الدعاوى التي حركتها النيابة العامة التابعة لنظام السيسي على مدار ثلاث سنوات ضد قيادات وأعضاء "الإخوان" في كل محافظات مصر بتهمة "ارتكاب أعمال عنف وإرهاب"، لم يتخذ دفاع جماعة "الإخوان" أو أي محامين مستقلين إجراءات جادة للتحقيق في ما جرى في ميداني رابعة والنهضة، ولا توثيقه من الناحية القانونية.
ويقول محامٍ حقوقي شارك في إعداد بعض التقارير المحلية عن المذبحة، إنه "يلتمس العذر للمحامين الإخوان بسبب ضخامة الأعباء الملقاة على كاهلهم بسبب عدد القضايا غير المسبوق واتساع توزيعها جغرافياً"، مطالباً بأن يكون التحرك القانوني الداخلي في القضية "حقوقياً وجماعياً، وليس إخوانياً فقط".

ويضيف المحامي نفسه: "المنظمات الحقوقية اليسارية والليبرالية على خلاف مع الإخوان، ويتهمها بعض أعضاء الجماعة بالمشاركة في التغطية السياسية على المذبحة لتأييدها انقلاب 3 يوليو 2013، إلا أن اللحظة الحالية يجب أن توحّد الفرقاء لا أن تزيدهم خصومة، فكل طرف لديه ما يمكن تقديمه في القضية باعتبارها قضية إنسانية في المقام الأول تخص مواطنين مصريين قبل أن يكون لهم أي تصنيف سياسي".
ويكشف المحامي عن أن النيابة العامة لم تنظر حتى الآن في أي دعاوى أو بلاغات مقامة من أسر ضحايا أو مصابي المذبحة، واصفاً ذلك بـ"المهزلة"، داعياً إلى تحرك جماعي حقوقي - إخواني لإقامة دعاوى تعويض أمام مجلس الدولة أو القضاء المدني وبلاغات للنيابة العامة، بغض النظر عن الجدل حول إمكانية تحريكها في الفترة الحالية التي تخفت فيها أصوات المصالحة وتنعدم فيها جهود العدالة الانتقالية.

وترتبط كل التقارير القضائية الخاصة بقضيتي اعتصامي رابعة والنهضة المنظورتين حالياً أمام القضاء، باتهامات موجّهة للمعتصمين أنفسهم، بمن فيهم أشخاص لقوا حتفهم ومفقودون، وتتدرج الاتهامات من تعطيل الطريق العام وتحطيم أملاك خاصة للدولة، إلى قتل أفراد الشرطة عمداً وقتل وإصابة بعض المعتصمين عن طريق الخطأ. ولا توجد بحوزة النيابة العامة أي مقاطع فيديو أو صور حية من داخل الاعتصامين خلال ساعات الفض، لأنها اعتمدت فقط على التصوير التلفزيوني الذي تم في حماية الجيش والشرطة من الخارج وبعد الواقعة، كما أن الرواية الرسمية المطروحة على القضاء في أمر الإحالة وأدلة الثبوت تتناقض بشكل تام مع رواية الضحايا والمتهمين، ما قد يتيح مستقبلاً إعادة التحقيق في القضية برمتها في مرحلة نظرها موضوعياً أمام محكمة النقض، ولكن بعد سنوات عدة، إذ ما زالت القضية منظورة أمام محاكم أول درجة. ويعتبر مراقبون أن التحرك في إجراءات مقاضاة الدولة على ما حدث بات أمراً ضرورياً، ليكون مضموناً على الأقل عدم تزوير التاريخ في المستقبل القريب، ولإتاحة التحرك القضائي الجاد في حال تغيّرت الظروف السياسية والقضائية.

المساهمون