مشهد من رابعة

13 اغسطس 2016
الصورة
تتشابه المشاهد وإن اختلفت التفاصيل (إد غايلز/ Getty)
+ الخط -


شريف سلطان مواطن مصري آخر، عاش "رابعة". يروي في شهادة كتبها لـ "العربي الجديد" ما حفظته ذاكرته من فظائع.. كيف اكتشف جثة صديقة افتراضية وكيف انتشلها وغيرها من الضحايا الذين سقطوا هناك. هذا ما رواه.

استيقظتُ ذلك النهار على خبر فضّ اعتصام الميدان. وبحكم سكني في مدينة نصر، وصلت في وقت قصير إلى نقطة قريبة من الميدان، انطلاقاً من شارع موازٍ لطريق النصر من مدخل ميدان عباس العقاد.

سيارة ترحيلات، وبعض أفراد سبق وأُلقي القبض عليهم، فيما يعلو صراخ النساء وكذلك التهديدات التي كانت توجّهها قوات الأمن إلى كلّ فرد على مقربة من تلك السيارة. هذا أوّل ما شهدته.

لأنّني كنت أقصد الميدان يومياً، تسللت بين الأبنية المطلة على شارع النصر وصولاً إلى منطقة قريبة من "طيبة مول". للأسف، كان المكان مدمّراً بالكامل. كانت الساعة التاسعة صباحاً. هناك، وقف بعض المواطنين يتفرّجون على ما يجري، بالقرب من ضباط شرطة مباحث قسم مدينة نصر. عرفتهم بالوجه، إذ أقصد القسم عادة لاستخراج الأوراق.

كثيرون هم الذين كانوا يحاولون الاستفسار عن أناس لهم داخل الميدان، ويطول الشد والجذب بينهم وبين رجال الشرطة. إلى ذلك، راح بعض اللصوص يتسللون إلى الداخل للاستيلاء على متعلقات المعتصمين. عناصر أمنية راحت تقوم بالمثل.

كانت الاشتباكات على أشدّها، فيما دُمّرت منطقة المول وما يقابلها تدميراً كاملاً. وبدأ عمل الجرّافات. صاح مواطن: "جثة! جثة!". دخل رجال الشرطة بلباس مدني، فيما رحنا نطالب، بعض الواقفين بإخراجها قبل أن تمضي الجرافات بعملها.

بعد مشادات كلامية، وافق رجال الشرطة وبدأنا نبحث عن جثث أخرى مع أمين شرطة لا أذكر اسمه. كانت الجثة الثانية لفتاة لُفّت بحصيرة وأخرجت إلى نقطة تجميع الجثث التي راحت تتكدّس. عشر جثث.. تسع لذكور، وواحدة لأنثى.

نظرة واحدة إلى وجه الشابة كانت كافية. هي حبيبة أحمد عبد العزيز. لم أعرفها إلا كصديقة افتراضية على "فيسبوك"، من خلال دردشات بسيطة في أيام الثورة. تطوّعت شابة لربط الجثث. لُفّت جثة حبيبة بحصيرة.




بعد ساعة أو أكثر، كنّا قد تواصلنا مع جميع أهالي الذين قضوا هنا، بطريقة ودية عبر هواتف المتوفين المحمولة. كان أيضاً اتصال بوالد حبيبة. وصل بعد مدة. تكلمت معه. لم أكن أعرفه، ولا هو يعرفني. نظر إليها ولم ينبس ببنت شفة. لم أرَ رجلاً في مثل قوته، وقد رأى ابنته مقتولة بهذه الطريقة. جلس على مقربة من المكان. تحدّثت إليه الشرطة، من دون أن تعرف من هو. لوعرفت، لكانت ألقت القبض عليه في الحال.

استدعي إسعاف إلى المكان، لنقل الجثث. انتظرنا أكثر من ستّ ساعات، قبل أن تصل سيارة إسعاف واحدة عند الثالثة من بعد الظهر، لنقل كلّ الجثث دفعة واحدة إلى مشرحة زينهم. رفض والد حبيبة ذلك، بحجّة أنّه يريد مركبة للتوجّه إلى المستشفى وتحرير محضر. لحسن الحظ، وقعنا على ضابط من القوات الخاصة أظهر في حديثه تعاطفاً مع ضحايا الاعتصام. وراح يتواصل مع اللواءات. بدا الانهيار عليه واضحاً.

طلب منّا سحب الجثة إلى أوّل ميدان عباس، على أن يعمل على تأمينها. تطوّعت وثلاثة شباب لنقل الجثة على عربة حديد تُدفع باليد، شبيهة بعربة نقل الإسمنت. كان النار يُطلق خلال مرورنا. أمر صعب جداً. فقرّر الضابط السير بسيارة "بوكس" من الأمام ونحن من الخلف نجر العربة الحديد ونخفض رؤوسنا تفادياً لإصابة محتملة بالرصاص. أمّا الأكثر صعوبة، فكان النظر إلى الجثة ونقلها في ظروف مماثلة.

عادة، يستغرق الطريق ثلاث دقائق سيراً على الأقدام. تطلّب منّا أكثر من نصف ساعة، نظراً لاضطرارنا إلى التوقّف المتكرر وثقل العربة والرصاص الذي كان يطلق على المتظاهرين في أول ميدان عباس، أمام الأسلاك الشائكة التي وضعها الجيش.

وصلنا إلى بنزينة (محطة محروقات) أوّل عباس، لنرى جمهور التفويض مع بعض مؤيّدي الاعتصام. انتظرنا سيارة الإسعاف إلى جانب الجثة لمدّة ساعة ولم تأتِ. حضر خطيب الشهيدة، بحسب ما أظنّ، وقرر نقلها فى سيارة خصوصية. بينما كنّا نتشاور في الأمر، طلب منّا والد الشهيدة ترك الجثّة على الرصيف والعودة للمساعدة في انتشال جثث أخرى.

الطلب صعب، لكن لا بدّ من ذلك. وانطلقنا في رحلة بحث عن جثة جديدة.