ثورة الشعوب ورضوخ الأنظمة الحاكمة

07 أكتوبر 2019
الصورة
المرأة العراقية خرجت للتظاهر ضد الفساد والفقر (Geety)

عندما يطالب المواطن بحقه في ثروات بلاده وبشكل هادئ يكون رد فعل الحكومات عليه عنيفاً مستفزاً متعالياً قائلاً: "لا توجد موارد مالية، الخزانة العامة فارغة وتعاني من عجز حاد، أعباء وفوائد الديون تلتهم إيرادات الدولة، نقترض لتغطية القطاعات الأساسية مثل الصحة والتعليم والرواتب والدعم".

بل وقد يصل الأمر بالسلطة الحاكمة إلى حد معايرة المواطن بفقره المزعوم والمفتعل والتأكيد أن بلده فقير "أوي أوي أوي"، بل ويخرج الإعلام الرسمي لسانه للمواطنين حينما يقول لهم: "أحمدوا ربنا أن الحكومة توفر لكم رغيف الخبز والأمن".

وعندما يثور المواطن محتجاً على أحواله المعيشية والاقتصادية المتردية، وغاضباً من الغلاء والفساد ويخرج للشارع رافضاً سياسات الإفقار والتجويع والالهاء، تسارع الأنظمة العربية لتلبية احتياجات رجل الشارع الثائر خوفاً من أن يطيح بها كما أطاح قبل 8 سنوات أنظمة حسني مبارك ومعمر القذافي وزين العابدين بن علي وعلي عبد الله صالح، وأطاح أخيراً نظامي عبد العزيز بوتفليقة وعمر البشير.

حدث ذلك السيناريو قبل أيام في 3 دول عربية هي مصر والعراق والأردن، وفي توقيت متقارب جدأ، 

مصر

في مصر مثلاً ومنذ تطبيق اتفاق مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016 طبقت الحكومة سياسة تقشفية عنيفة أفقرت نحو 35 مليون مواطن، حيث رفعت الحكومة الأسعار بنسب قد تصل إلى 600% كما حدث في الوقود وربما بنسب تصل إلى ألفي في المائة.

كما رفعت الحكومة أسعار سلع وخدمات رئيسية مثل المياه والكهرباء والمواد الغذائية، وضاعفت الضرائب والجمارك والرسوم الحكومية، وذلك بحجة أن الخزانة العامة خاوية وتعاني من عجز حاد.

وعندما ظهرت فيديوهات الفنان والمقاول محمد علي، تأكد للمصريين أن البلد فيه ثروات ضخمة تقدر بمليارات الجنيهات لكنها تذهب نحو الطريق الخطأ، حيث شراء الطائرات الرئاسية وإقامة الفنادق والقصور والاستراحات والمقار الحكومية ودار للأوبرا في عاصمة سيسكنها الأثرياء.

بعدها خرج المصريون في انتفاضة 20 سبتمبرـ وكان رد النظام عليها سريعاً "وصلتنا رسالتكم، وسنعمل على تلبية طلباتكم"، وقد كان، إذ تمت إعادة 1.8 مليون مواطن إلى بطاقات التموين التي حذفوا منها خلال الفترة الماضية.

كما تم خفض سعر البنزين للأفراد والغاز للمصانع، وضم نحو 270 قرية لنطاق مبادرة "حياة كريمة" لإصلاح المرافق، وزيادة المشمولين بمعاش "تكافل وكرامة"، كما تم التلويح بزيادات في الحصص التموينية وخفض في الأسعار.

العراق

في العراق كان النظام أكثر كرماً وأسرع استجابة، فعقب اندلاع مظاهرات عارمة في أنحاء من البلاد سارعت الحكومة بإعلان قرارات مهمة قالت إنها ستعالج أزمات الفقر والبطالة ومشاكل اقتصادية أخرى.

وشملت القرارات تخصيص مرتبات لعشرات آلاف من العاطلين عن العمل، والتعهد بتوفير مليون فرصة عمل وإعادة تشغيل 50 ألف مصنع وإعفاء الفلاحين من مبالغ استئجار الأراضي الزراعية، وإيقاف هدم العشوائيات وإيجاد أكشاك بديلة لتلك التي تمت إزالتها من على الأرصفة.

ومن بين القرارات فتح باب التقديم على الأراضي السكنية المخصصة لذوي الدخل المحدود والفئات الأخرى في المحافظات، واستكمال توزيع 17 ألف قطعة سكنية على أهالي البصرة، وإعداد وتنفيذ برنامج وطني للإسكان يشمل بناء 100 ألف وحدة سكنية موزعة على المحافظات، ومنح الأولوية للمحافظات والمناطق الأكثر فقراً.

وشملت قرارات الحكومة العراقية إنشاء مجمعات تسويقية حديثة (أكشاك) في مناطق تجارية في بغداد والمحافظات تتوزع على العاطلين عن العمل، وإعداد برنامج لتدريب وتأهيل 150 ألف شاب مع صرف منحة مالية خلال فترة التدريب البالغة 3 أشهر قدرها 175 ألف ديناراً (ما يعادل 146 دولارا تقريباً) لكل شخص، وتشغيل من يجتاز منهم الدورات التدريبية في الشركات الاستثمارية العاملة في العراق، أو منحهم قروضاً ملائمة لتأسيس مشاريع متوسطة أو صغيرة.

الأردن

في الأردن استجابت الحكومة لمطالب نقابة المعلمين بزيادة الرواتب بنسبة تتراوح ما بين 35% إلى 75% اعتباراً من العام المقبل تحت ضغط الإضراب الذي نفذه المعلمون واستمر 4 أسابيع، كما أعلنت الحكومة عن زيادة رواتب المتقاعدين العسكريين الذين كانوا يلوحون بإضراب خلال الفترة الماضية.

ويشكل النجاح الذي حققه إضراب المعلمين حافزاً لنقابات وموظفين آخرين للضغط على الحكومة لتحسين رواتبهم وتحقيق مكتسبات أسوة بموظفي القطاع العام الآخرين.

تخطئ الأنظمة العربية عندما تتخيل أن تلبية المطالب المعيشية هي نهاية الطريق، وأن توفير المياه النظيفة والكهرباء والرعاية الصحية وبطاقات التموين هي صدقات يجرى توزيعها على المواطن، فهناك حقوق أساسية يجب على الحكومات توفيرها للمواطن، منها مثلاً التوزيع العادل للثروات، وتوفير حياة كريمة، واحترام الحريات العامة وحقوق الإنسان وآدمية المواطن.