النازحون العراقيون وسط التوتُّرات الأميركية الإيرانية

15 أكتوبر 2019
الصورة
ما يقرب من مليوني نازح داخلي يعانون ظروفاً صعبة(Getty)
+ الخط -

 

مع اندلاع موجة الاحتجاجات في العراق، تحتاج الحكومة إلى تجنُّب الهروب الكبير المتمثل في مواجهة المشكلة بتجنُّب مواجهتها، لا سيَّما المشاكل المتعلقة بالبنية التحتية المتهالكة، البطالة المرتفعة وتردِّي نوعية الخدمات المقدمة.

ولكن ماذا عن القضايا المتعلقة بالمشرَّدين داخلياً في العراق الذين هم في وضع أسوأ بكثير من العراقيين الذين لهم مأوى، حيث يجد الأشخاص النازحون داخلياً أنفسهم تحت رحمة التوتُّرات المستمرّة بين الولايات المتحدة وإيران والسياسات المتغيرة التي تؤثِّر سلباً على حياتهم ومعيشتهم.

فقد أدَّى قرار الولايات المتحدة بترك خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في مايو/ أيار 2018 إلى اشتداد حدّة الأعمال القتالية الأميركية الإيرانية، وبالتالي إلى وقوف العراق في معركة شرسة بين اثنين من مؤيديها الرئيسيين.

وتهدِّد التوتُّرات المشتعلة بين الولايات المتحدة وإيران بهدم التقدُّم الذي أحرزه العراق على مدى السنوات الماضية، وتزداد درجة الخطورة عندما يتعلق الأمر بـ1.96 مليون شخص من المشرَّدين داخلياً.

يعيش ما يقارب 2 مليون نازح داخلي، أي ما يزيد عن 100 ضعف الحدّ الأقصى للاجئين في الولايات المتحدة لعام 2020، في العراق الأصغر بـ8.5 مرات من الولايات المتحدة، والذي يعاني بشكل كبير من عدم الاستقرار.

وعلى الرغم من أنّ عدد الأشخاص النازحين داخلياً قد انخفض في السنوات الأخيرة، إلّا أنّه يمكن أن يرتفع جرّاء الصراع الأميركي الإيراني والذي سيعزل العراق عن مصدره الرئيسي للطاقة والقوة الاقتصادية المتمثلة في إيران.

وعلى الرغم من أنّ الحكومة الأميركية تريد أن يتخلَّى العراق عن واردات الطاقة الإيرانية على الفور، إلا أنّ العراق غير قادر على ذلك. ووفقاً لوزير الكهرباء العراقي، ستحتاج بلاده إلى ثلاث سنوات ليصبح مستقلاً عن الواردات الإيرانية.

لذلك تلعب الولايات المتحدة على حبل التساهل من جهتها مقابل التنازل من جهة العراق، حيث تتفاوض إدارة ترامب على العقود الأميركية العراقية لإجبار العراق على فرض قيود على الجماعات شبه العسكرية المدعومة من إيران، وهكذا تسبِّب أميركا آثاراً كارثية على الاستقرار السياسي للعراق وقدرته على الوصول إلى الموارد.

فقد أصبح من الواضح أنّ مصير العراق يعتمد على المدى الذي يمكنه فيه الحفاظ على الحياد الذي يستحيل أن تسمح به الولايات المتحدة. 

إذا قام العراق بدعم إيران ضدّ مصالح الولايات المتحدة، فسيتم توطين عدد أقل من العراقيين في الولايات المتحدة. فمنذ عام 2003، حدَّدت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة عدد 24 ألف عراقي لإعادة توطينهم في الولايات المتحدة، لكن الواقع المرّ يفيد بأنّ أقل من 6 آلاف عراقي تمّ قبولهم في أميركا.

وينادي بعض مسؤولي البنتاغون في الوقت الحالي بإعادة توطين أكبر للاجئين العراقيين، فالكثيرون منهم خاطروا بحياتهم لخدمة الولايات المتحدة، وإهمالهم سيضرّ بالأمن القومي الأميركي نتيجة لفقدان متعاونين استراتيجيين مع الولايات المتحدة، ولا سيَّما أنّ المصالح الإيرانية العراقية في ازدهار مستمرّ، وهذا ما سيؤدِّي إلى تراجع التعاون العراقي مع الولايات المتحدة، وبالتالي سيتلاشى اهتمام الولايات المتحدة بتوفير ملاذ آمن للنازحين العراقيين واللاجئين.

قيام العراق بتوطيد علاقاته مع إيران سيجعل الحكومة الأميركية أقل ميلاً لتوفير المساعدات الأمنية للعراق والتي استمرّت منذ غزو العراق عام 2003، ففي السنوات الخمس التي تلت النهاية الرسمية لحرب العراق، قدمت الولايات المتحدة 6.3 مليارات دولار كمساعدات أمنية للعراق.

كما أنّ الارتباط العراقي بإيران سيشجِّع الولايات المتحدة على تقليص دعمها لمئات الآلاف من الأشخاص النازحين داخلياً، وبالتالي ستعود الأوضاع إلى ما كانت عليه في فترة ما قبل بوش، أي قبل أن يضغط الكونغرس والمنظمات غير الحكومية على الحكومة الأميركية لتسهيل إعادة توطين العراقيين.

لا يمكن للعراق أن يتخلَّى عن علاقته مع إيران لمجرَّد أنّ أميركا لن ترضى عن الصفقات التجارية العراقية الإيرانية وتسحب تعهدها بتوطين ودعم النازحين العراقيين. فقد بلغت قيمة التجارة بين العراق وإيران 12 مليار دولار سنة 2018، كما وقَّع الرئيس الإيراني حسن روحاني العديد من الصفقات مع العراق لزيادة التجارة إلى 20 مليار دولار في مارس/ آذار 2019، وهذا ما يؤجِّج غضب إدارة ترامب التي ستقطع حتماً مساعداتها المالية التي تمكِّن نسبة كبيرة من النازحين العراقيين من تلبية احتياجاتهم الغذائية والمنزلية على المدى القصير.

وعلاوة على ذلك، تسيطر إيران على العديد من الموارد في العراق، لذا فإنّ العلاقات المقطوعة لن تؤدِّي إلا إلى تفاقم أزمة النازحين، خصوصاً أولئك الذين يعتمدون على الزراعة في المناطق الريفية ويعانون في الوقت نفسه من انقطاع الكهرباء التي تشغِّل أنظمة الري الخاصة بهم. حيث تسيطر إيران على القطاع الزراعي العراقي بطريقتين:

أولاً، من خلال سدود إيران التي تتدفَّق على شط العرب في العراق، ما يحدّ من توافر المياه في الأراضي الزراعية العراقية، وثانياً، لكون إيران المصدر الرئيسي للكهرباء في العراق الذي أصبح يعتمد على مصادر الطاقة الأجنبية بعد سنوات من الحرب ضدّ تنظيم داعش الذي دمَّر محطات الطاقة الكهربائية المحلية، بمعنى آخر تسيطر إيران حالياً على الموارد التي تمنع العراقيين من أن يصبحوا مشرَّدين داخلياً وعاطلين من العمل.

خلاصة القول إنّه حتى وإن حاول العراق أن يبقى محايداً، فإنّ التصعيد بين مؤيديه الرئيسيين، أميركا وإيران، سيؤدِّي إلى وقف تدفُّق الموارد الأجنبية إلى العراق وإيذاء النازحين نظراً لافتقار كل من إيران والولايات المتحدة إلى الرغبة لتمويل المنظمات الإنسانية غير السياسية، في الوقت الذي تخوضان فيه معركة سياسية على المسرح الدولي.

وسيفاقم التنافس بين الولايات المتحدة وإيران على العراق من معاناة النازحين والمشرَّدين داخلياً العالقين بين ناري فقدان إعادة توطين اللاجئين والمساعدات من الولايات المتحدة وخسارة الواردات الاقتصادية والطاقة من إيران.

لذلك يجب على كل من إيران والولايات المتحدة نقل خلافاتهما خارج العراق واتِّباع سياسات تخفِّف من حدّة المشاكل التي يعاني منها حليفهما المشترك العراق.