كيف نجح السيسي في إلغاء دعم الوقود؟

23 يوليو 2019
الصورة
السيسي رفع أسعار الوقود 5 مرات (العربي الجديد)
في الخامس من يوليو/تموز 2019، رفع النظام الحاكم في مصر أسعار الوقود وغاز البوتاغاز بنسب تتراوح ما بين 16% و30%. وفي اليوم التالي مباشرة أصدر رئيس مجلس الوزراء قرارا، نُشر في الجريدة الرسمية، يقضي بربط سعر البيع المحلي للمنتجات البترولية بمتوسط السعر العالمي لخام برنت وسعر صرف الجنيه مقابل الدولار وتكلفة خدمات التشغيل، مع استثناء البوتاغاز والوقود المستخدم في قطاعي الكهرباء والمخابز.
بهذه الإجراءات يصبح الجنرال السيسي هو "الرئيس" المصري الوحيد الذي يرفع أسعار المنتجات البترولية خمس مرات في خمس سنوات، منها أربع في عامين ونصف فقط، وهو أيضًا "الرئيس" الوحيد الذي حرر سعر هذه المحروقات وربطها بالسعر العالمي.

رفع الدعم نهائياً عن الوقود والكهرباء كان أهم اشتراطات صندوق النقد الدولي التي فرضها على مصر في 2016 خلال خطة مدتها ثلاث سنوات، وتنتهي في منتصف 2019، للحصول على قرض بقيمة 12 مليار جنيه، بالإضافة إلى تحرير سعر صرف الجنيه وفرض ضريبة القيمة المضافة، وتخفيض أعداد موظفي الجهاز الإداري بالدولة.
الأهم من تحقيق السيسي اشتراطات الصندوق في رفع الدعم عن الوقود، هو نسبة الزيادة الكبيرة التي كان يفرضها في كل مرة حتى وصلت في النهاية إلى 520%، بالمقارنة بأسعار 2013. فزاد سعر اللتر من السولار، وهو الأكثر استخدامًا، من 90 قرشا إلى 6.75 جنيهات، بنسبة 650%.

وزاد سعر اللتر من بنزين 80 أوكتين، وهو ما يطلق عليه وقود الفقراء، من 80 قرشا للتر إلى 6.75 جنيهات، بنسبة 740%. وزاد سعر اللتر من بنزين 92 أوكتين من 1.85 جنيه إلى 8 جنيهات، بنسبة 330%. وزاد سعر أسطوانة البوتاغاز المعدة للاستهلاك المنزلي من 8 جنيهات إلى 65 جنيها، بنسبة أكثر من 700%. 

رفع الدعم كاملًا
حاول النظام تصوير الزيادة في أسعار الوقود على أنها رفع جزئي للدعم وأنها الزيادة الأخيرة، للتخفيف من الاحتقان الشعبي، لكن الزيادة الجديدة قضت تماما على دعم البنزين بأنواعه والغاز الطبيعي، ولم يتبق إلا دعم محدود على السولار وأسطوانات البوتاغاز المخصصة للاستهلاك المنزلي.
تكتفي مصر من المنتجات البترولية بنسبة 65%، ومن أسطوانات البوتاغاز بنسبة 50%.
وتبيع الحكومة المنتج الوطني من المشتقات البترولية للمواطن المصري في السوق المحلية بنفس الأسعار الدولية التي يشتري بها الكميات المطلوبة لسد العجز، مضافًا إليها مقابل تكاليف الشحن البحري وإعادة التعبئة في مصر وتكاليف النقل والتوزيع وضريبة القيمة المضافة.

يحقق قطاع البترول من خلال الهيئة المصرية العامة للبترول أرباحًا مبالغا فيها على حساب المواطن المصري، ناتجة عن الفروقات السعرية بين تكلفة الإنتاج والبيع بالسعر العالمي. وستدفع الهيئة ضرائب عامة عن هذه الأرباح قيمتها 41.8 مليار جنيه، وضريبة القيمة المضافة على السلع البترولية تؤول جميعها للموازنة العامة للدولة.
في 2012، كان سعر برميل البترول في السوق العالمي حوالى 120 دولارا للبرميل. وكان سعر السولار والبنزين 80 أوكتين في السوق المحلي 90 قرشا للتر. وكان دعـم المـواد البتروليـة فـى مـشروع موازنـة 2012/2013 نحـو 100 مليار جنيـه، ما يعادل 16.1 مليار دولار في هذا التاريخ.

وفي 2019، انخفض سعر برميل البترول في السوق العالمي إلى 60 دولارا للبرميل، أي نصف ما كان عليه السعر في 2012. ورفعت الحكومة سعر السولار والبنزين 80 أوكتين 7 مرات حتى وصل إلى 6.75 جنيهات للتر. وكان من المتوقع أن تنخفض قيمة الدعم إلى 1.1 مليار دولار، بعد انخفاض السعر العالمي للبرميل وزيادة سعر البيع في السوق المحلي، ولكن الحكومة سجلت دعـم المـواد البتروليـة فـى مـشروع موازنـة 2019/2020 بقيمة 52 مليار جنيـه، ما يعادل 3.1 مليارات دولار، وبذلك يتضح حجم المغالطات المحاسبية في بند الدعم الموجه للمنتجات البترولية.

حيل السيسي
تجادل مدرسة الواقعية السياسية بأن إجراءات رفع الدعم يجب ألا تتزامن مع واقع سياسي غير مستقر كما هو الحال في دول الربيع العربي. بينما يرى أنصار نظرية "تبرير السلطة" أن حاجة الناس إلى بعض الضرورات الأساسية مثل الحاجة إلى بقاء الدولة والاستقرار، يمكن أن تكون حافزًا لتقبل "الإصلاحات" الجديدة واعتبارها جيدة ومشروعة وحتى مرغوبة.
توم مورينهوت، وهو باحث في معهد الدراسات الدولية والتنمية بجنيف، ومتخصص في سياسات إصلاح دعم الطاقة في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كتب بحثًا نشرته جامعة كامبريدج تحت عنوان: "إصلاح دعم الوقود في مصر في سياق عقد اجتماعي متغير"، ويقول فيه إن "أول إجراء للجنرال السيسي في منصب رئيس الجمهورية كان تخفيض دعم الوقود في الفترة من منتصف 2014 إلى منتصف 2016".

وبعد مرتين من رفع الأسعار، انخفضت شعبية السيسي لأن تأثير رفع الأسعار كان مؤلماً على الأسرة المصرية والتجار. وبحسب مورينهوت، فقد راوغ السيسي بتغيير الحكومة بالكامل في 2015 لامتصاص غضب الجماهير الحانقة على سياساته بزعم تفشي الفساد في الحكومة. بعد ذلك استخدم السيسي التكتيكات القمعية للقضاء على المعارضة الداخلية المحتملة قبل رفع الأسعار.
في أغسطس/آب 2016، كان السيسي على موعد مع جولة كبيرة لرفع أسعار الطاقة من جديد للحصول على قرض عاجل من صندوق النقد الدولي.

وشملت الجولة كذلك فرض ضريبة القيمة المضافة وتعويم الجنيه المصري. أدت هذه الإجراءات إلى ارتفاع التضخم بدرجة لم تشهدها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، ما زاد من تدني شعبية السيسي بسبب توقيت رفع الدعم في دولة تعيش إعصارا اجتماعيا سياسيا. 
وبحسب مورينهوت، فقد استخدم السيسي نظرية "تبرير السلطة" في تمرير "إصلاحات" دعم الوقود من خلال مساومة الناس على الأمن والاستقرار والوعود بالتنمية وانتعاش الاقتصاد والرفاه بعد مدة قصيرة من الزمن في مقابل تقبل إجراءات إلغاء الدعم على الوقود والطاقة.

استخدم النظام البطش الأمني والقمع وتكميم الأفواه من أجل فرض الوضع الجديد للأسعار، واعتقل معارضين سياسيين وليبراليين ويساريين بالتزامن قبل قرار رفع الأسعار واتهمهم جميعًا بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، رغم تأييدهم للانقلاب العسكري.
الأجهزة الأمنية اعتقلت أدمن صفحة "أنا آسف يا ريس" المؤيدة للرئيس المخلوع مبارك على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" بعد ساعات قليلة من نشر مقطع مصور لمبارك يقول فيه: "إنه لا يستطيع رفع الدعم عن السولار والبنزين لأن الأسعار هاتغلى، والمواطن الغلبان لا هايلاقي ياكل أو يلبس أو يتعلم".

تداعيات اقتصادية
رصدت الوكالة الدولية للطاقة تأثير زيادة أسعار الوقود على الناتج المحلي الإجمالي للدول التي انتهجت سياسات تخفيض الدعم. وقالت الدراسة إنه بمجرد رفع أسعار الوقود، ترتفع أجرة النقل والموصلات، فتزيد أسعار كل شيء تلقائيًا لمجرد زيادة الأجرة، لأن الأجرة لها تأثير في كل شيء. وأكدت الدراسة أن لزيادة أسعار الوقود تأثيرا سلبيا على الاقتصاد الكلي للدولة، فينخفض معدل الإنتاج وتزيد مستويات الأسعار ويتراجع معدل النمو الكلي للدولة على المدى الطويل.

وكشفت الدراسة عن أن ارتفاع أسعار النفط كان له تأثير سلبي على أداء الاقتصاد الصيني وتراجع معدل نموه باعتبار الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط بعد الولايات المتحدة الأميركية. الفكرة هي أن الدول النامية تستخدم ضعف كمية البترول التي تستخدمها الدول المتقدمة لإنتاج وحدة واحدة من الإنتاج الاقتصادي، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج وانخفاض كميته، وبالتالي تراجع الميزة التنافسية لصادرات الدول النامية.
زيادة تكلفة الوقود في مصر خلال السنوات الخمس الماضية أدت إلى زيادة تكلفة المنتج المحلي وانخفاض كمية الإنتاج فأضرت بالقدرة التنافسية للمنتجات المصرية التقليدية، ولم تنمُ الصادرات غير البترولية بالقدر المأمول.

على سبيل المثال، في يونيو/حزيران 2018، رفعت الحكومة أسعار المازوت بنسبة 66%، والسولار بنسبة 50%، فقررت الجمعية العامة لأصحاب مصانع طوب البناء زيادة الأسعار بنسبة 45%. وارتفع سعر أحد أنواع الطوب من 450 جنيها لكل ألف طوبة، إلى 650 جنيها. وبررت الجمعية القرار بأن المازوت يمثل 45% من تكلفة مدخلات الإنتاج، والسولار بنسبة 20%. 
ولكن بعد أسابيع قليلة من القرار، ارتفع سعر الطوب عدة مرات حتى وصل إلى 920 جنيها لكل ألف طوبة، يعني أكثر من الضعف، وقال أصحاب المصانع إن زيادة سعر السولار رفع تكلفة نقل الخامات والمعدات داخل المصنع وضاعف تكلفة نقل الطوب من المصانع في الأقاليم إلى القاهرة. وتسبب القرار في زيادة تكلفة بناء العقارات الجديدة، وفي تراجع أعداد المشترين للوحدات السكنية، ما أدى، مع أسباب أخرى، إلى خسارة كثير من العاملين لوظائفهم في هذا المجال الحيوي.

تداعيات اجتماعية
تراجع الإنتاج يزيد تعثر المصانع، ما يدفعها إلى الاستغناء عن جزء من العمال لتقليل نزيف الخسائر، وبالتالي ترتفع معدلات البطالة، وتزيد أعداد الفقراء، والتي وصلت إلى 60% من المصريين وفق إحصائية للبنك الدولي في مايو/أيار الماضي، وسوف تتدهور مرة أخرى الحالة الاقتصادية لكثير من الأسر بعد موجة الأسعار الأخيرة.
عندما يزيد الفقر تتآكل الطبقة الاجتماعية المتوسطة، والتي تعتبر علامة على استقرار المجتمع، فتزيد الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالفقر، مثل العنف الأسري والتفكك الأسري والطلاق، وهو ما تؤكده إحصائيات محاكم الأسرة. هذه الجرائم الاجتماعية تهدد السلم الأهلي، وتضرب الاستقرار في المجتمع.