"دراما" الحرب التجارية... غزل صيني - أميركي وتوتر في أوروبا

27 اغسطس 2019
الصورة
تراجع حجم الصادرات الصينية الخاضعة للرسوم (فرانس برس)
+ الخط -
تحولت الحرب التجارية التي يخوضها رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب ضد أكثر من دولة وعلى رأسها الصين، إلى "دراما" قاسية جداً على الاقتصاد الدولي. ويُخضع ترامب الأسواق لتكتيكه التفاوضي، ما بين مديح يُغرق الصين ومسؤوليها ليلاً، والانقلاب على كلماته في الصباح التالي رافعاً سقف الأزمة بتصريحات نارية.

وما بين تهديد بفرض رسوم على صادرات السيارات الأوروبية، ومحاولات للذهاب نحو التفاوض. وما بين تصعيد الجبهة مع كندا والمكسيك، والذهاب نحو تسويات تجارية معهما، تضاف إلى ذلك مشاورات إغرائية لاتفاق تجاري حر مع بريطانيا واليابان.

كل ذلك يأتي وسط عقوبات اقتصادية ونفطية تطاول الصين وإيران، وتخض أسواق النفط الدولية. وعلى وقع "تغريدات" ترامب و"مزاجه"، تتقلب مؤشرات الاقتصادات العالمية صعوداً وهبوطاً، وتُحاصَر منافذ نهوضها من كبوتها. 

آخر فصول المفاوضات، غزل متبادل ما بين عملاقي الاقتصاد. الإثنين، قال ترامب إن مفاوضات التجارة مع الصين في "وضع أفضل كثيراً من أي وقت مضى"، وأضاف في رده على سؤال بشأن إمكانية تأجيل الرسوم المقرر فرضها على سلع صينية: "كل شيء ممكن".

وفي اليوم ذاته، صرح ترامب على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا بأنه يعتقد أن الصين تريد إبرام اتفاق تجاري بعدما اتصلت بمسؤولين تجاريين أميركيين، مبدية رغبتها في العودة إلى طاولة التفاوض.

وتابع: "الصين بلد عظيم... يخسرون ملايين الوظائف التي تذهب لبلدان أخرى. لو كنت مكانهم لوددت أن أبرم اتفاقاً". وأشاد ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ ووصفه بأنه "زعيم عظيم"، قائلا إن إمكانية إجراء المباحثات تشكل تطوراً إيجابياً جداً للعالم.

هذا التطور، جاء بعد إعلان ترامب ذاته يوم الجمعة، أن الولايات المتحدة ستزيد الرسوم الجمركية على واردات صينية بقيمة 250 مليار دولار إلى 30 في المائة من المعدل الحالي البالغ 25 في المائة بدءاً من أول أكتوبر/ تشرين الأول. على أن يتم رفع الرسوم الجمركية على بقية البضائع الصينية البالغة قيمتها 300 مليار دولار من 10 إلى 15 في المائة بدءاً من 15 ديسمبر/ كانون الأول.

وما بين الجمعة والإثنين، عاشت الأسواق الدولية تخبطاً ملحوظاً، امتدت آثاره حتى الثلاثاء، وسط ضغوطات متواصلة على الحركة التجارية الدولية، التي تقذف مستقبل الاقتصادات الكبرى إلى مسار الركود والانكماش.

تشرح وكالة "بلومبيرغ" الاقتصادية الأميركية، أن مبررات ترامب، الذي يطلق على نفسه لقب "رجل التعريفة"، في خوض الحرب التجارية، تقوم على أن الصين وشركاء تجاريين آخرين استغلوا منذ فترة طويلة الولايات المتحدة، وهي حجة تتمتع بدعم واسع النطاق بين المشرعين الأميركيين. ويشير إلى العجز التجاري (الفرق بين الواردات والصادرات)، كدليل على تفريغ التصنيع الأميركي من قوته.

ومنذ العام 2018 حتى اليوم، يتابع ترامب عملية زيادة الرسوم الجمركية، وهي ضريبة على الواردات، مشجعاً الشركات الأميركية العاملة خارج الولايات المتحدة والتي تضررت من الرسوم، لنقل الوظائف والإنتاج والمصانع إلى الوطن. إلا أن الصين ردت بمطالبها الخاصة، بما في ذلك رفع الولايات المتحدة عنها جميع الرسوم الجمركية إذا كان لا بد من إبرام صفقة.

ترهيب وترغيب

وتعنت ترامب لا يتوقف على الصين، إذ يلفت تقرير "بلومبيرغ" الذي نشر الثلاثاء، إلى أن ترامب أخرج الولايات المتحدة أيضاً من صفقة تجارية مقترحة مع اليابان وعشر دول أخرى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، واصفاً إياها بأنها غير عادلة للعمال الأميركيين، وبدأت بمباحثات مباشرة مع اليابان بدلاً من ذلك.

كذا هدد بفرض رسوم بنسبة 25 في المائة على ملايين السيارات المستوردة وقطع غيار السيارات من أوروبا واليابان، وأصر على إعادة التفاوض (وإعادة تسمية) اتفاق عام 1994 مع كندا والمكسيك المعروفة باسم نافتا.

ويبدو أن المرحلة المقبلة ستكون فيها أوروبا "في قلب الحدث"، إذ قال وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير الثلاثاء إن مفاوضات التجارة بين الولايات المتحدة وأوروبا ستكون صعبة، لكن تباطؤ الاقتصاد العالمي يعزز فرص توصل الطرفين إلى اتفاق.

وأبلغ ألتماير إذاعة دويتشلاند فونك الألمانية، أن "المحادثات المقبلة ستكون صعبة". وأضاف: "كنت في الولايات المتحدة في يونيو/ حزيران، وانطباعي هو أنه بالنسبة للإدارة الأميركية، فإن التوصل إلى حل يُعتبر أهم من الاستمرار في النزاع".

في المقابل، صرّح ترامب مساء الإثنين بأن الولايات المتحدة لا تعتزم فرض رسوم جديدة على السيارات الواردة من اليابان قريباً، ولكنه أكمل عبارته بـ "قد نفعل ذلك مستقبلاً". فيما كان أعلن الأحد أن الولايات المتحدة "قريبة جداً" من إبرام اتفاق تجاري ثنائي "كبير" مع اليابان.

وستقوم الولايات المتحدة بإلغاء الرسوم على سلع صناعية يابانية عدة، لكن الرسوم التي فرضتها على قطاع السيارات الياباني ستبقى مطروحة للنقاش في مفاوضات تالية، مع اعتبار ترامب عجز الميزان التجاري بين بلاده واليابان مشكلة.

وبموازاة ذلك، أكد ترامب الأحد احتمال التوصل "سريعاً" إلى اتفاق تجارة "كبير جداً" مع بريطانيا، وذلك عقب أول محادثات مباشرة مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون منذ تولي الأخير مهامه.

وكان الأخير حضّ ترامب السبت على إزالة "العوائق الكبيرة" التي تعترض الشركات البريطانية في الأسواق الأميركية، معتبرا أن هذه العوائق تهدد إبرام اتفاق للتجارة الحرة بين البلدين بعد بريكست. ويحاول جونسون إخراج بريطانيا من تكتل التجارة الحرة في الاتحاد الأوروبي، وسيكون إبرام اتفاق ثنائي مع الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من استراتيجية لندن الجديدة.

نتائج الحروب

ماذا حقق ترامب حتى الآن من حروبه؟ الجواب لا يتماشى مع طموحات ترامب، ولا مع تصريحاته التفاؤلية، إذ ارتفع العجز التجاري للولايات المتحدة إلى أعلى مستوى له في عشرة أعوام، وبلغ 621 مليار دولار في عام 2018.

ويقول خبراء اقتصاديون إن الحرب التجارية ساعدت بالفعل في توسيع الفجوة من خلال المساهمة في تباطؤ اقتصادي في الصين وأوروبا. وفي الوقت نفسه، فقد المزارعون الأميركيون أسواقاً كبرى ودخلاً مهماً، لأن الصين وشركاء تجاريين آخرين رفعوا الرسوم الجمركية رداً على إجراءات ترامب.

ويتمسك ترامب برأيه بأن الحرب التجارية تساعد الاقتصاد الأميركي، على الرغم من أن بعض الاقتصاديين يحذرون من خطر الركود. ونما الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في الربع الثاني من العام 2019 بنسبة 2.1 في المائة، أبطأ من 3.1 في المائة حققها في الأشهر الثلاثة الأولى من العام. وفي استطلاع لـ "بلومبيرغ"، توقع المحللون تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.8 في المائة في الربع الثالث، حيث إن السياسات التجارية لترامب وتباطؤ النمو العالمي يجعلان الشركات أكثر تردداً في الإنفاق والتوظيف.

من جهة أخرى، أظهر تحليل أجرته "بلومبيرغ" أن الواردات الأميركية لآلاف السلع الصينية التي شهدت فرض رسوم جمركية منذ يوليو/ تموز 2018، انخفضت بنسبة 26 في المائة على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2019. وفي نفس الفترة، تسارعت مبيعات تايوان وكوريا الجنوبية لمكونات الإلكترونيات، وشهدت فيتنام الواقع ذاته مع صناعة الأثاث، في إشارة إلى أن التعريفة الجمركية قد عجلت بتحول عدد من الصناعات إلى خارج الصين.

بالنتيجة، قد يخسر الاقتصاد العالمي 1.2 تريليون دولار من الإنتاج بحلول عام 2021 إذا تصاعدت الحرب التجارية، ويستند هذا التقدير إلى تعريفة بنسبة 25 في المائة على جميع أنواع التجارة بين الولايات المتحدة والصين، وانخفاض بنسبة 10 في المائة في أسواق الأسهم. لا بل إن بعض الاقتصاديين توقعوا حدوث ركود عالمي.

المساهمون