في تبرير جريمة الغاز الإسرائيلي

20 فبراير 2018
الصورة
قوارير ستُملأ غداً بغاز إسرائيلي (خالد الدسوقي/ فرانس برس)


بدلاً من الاعتراف بجريمة صفقة استيراد الغاز الطبيعي من دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل والخجل منها، باعتبار أن الاتفاق الموقع بين الجانبين المصري والإسرائيلي هو أول حالة تطبيع اقتصادية بهذه الضخامة منذ توقيع معاهدة السلام في عام 1979، راحوا يبحثون عن مسوغات لتبرير هذه الجريمة البشعة، بل وصلت "البجاحة" ببعضهم إلى أن يردّد المقولة المصرية الشهيرة" نعم.. هو تطبيع مع إسرائيل.. هل أحد له شوق في شيء"، في إشارة إلى الكلمة الدارجة "حد ليه شوق في حاجة".

من بين المبررات الواهية التي ساقها هؤلاء أن الحكومة لا علاقة لها بصفقة استيراد الغاز الإسرائيلي، وأن الحكومة سبق أن نفت إقدامها على مثل هذه الخطوة طوال السنوات الأربع الماضية.

ونسي هؤلاء أن الحكومة نفسها هي من "هندست" للصفقة المشؤومة وأشرفت عليها من الألف إلى الياء ومهّدت لها، فقد أقرت الحكومة مشروع قانون ينصّ على السماح للقطاع الخاص باستيراد الغاز من الخارج وبيعه وتسويقه في السوق المحلية، وقدّمت القانون إلى البرلمان لتمريره، كما أشرفت على الاجتماعات التمهيدية للصفقة ووفرت لها الدعم المالي والمعنوي.

والأهم من ذلك أنه لا يمكن لأي شركة خاصة القيام بأي عملية استيراد إلا بعد الحصول على موافقة الحكومة حسب اللائحة التنفيذية للقانون الذي تم إقراره قبل أسبوع فقط.

ومن بين المبررات أيضاً أن القطاع الخاص، وليس الحكومة، هو من سيستورد الغاز الإسرائيلي لإعادة تصديره للخارج بعد إعادة معالجته وتسييله.

ونسي هؤلاء أن ارتفاع قيمة الصفقة وزيادة كلفتها المالية يجعلان من الصعب إعادة تصدير الغاز المستورد وبيعه لدول تستطيع شراء الغاز من مصادر مباشرة وبأقل من نصف السعر، خاصة الغاز الروسي.

ومن بين مبررات المدافعين عن الصفقة المشؤومة أن الشركة التي أبرمت صفقة الاستيراد هي شركة خاصة لا علاقة للحكومة بها، لكن لم يقنعنا "المبرراتية" كيف أن شركة خاصة مؤسسة حديثاً وغير معروفة تمتلك أرصدة مالية تقدر بـ 15 مليار دولار هي قيمة صفقة واحدة؟

وكيف أن شركة خاصة وليدة تبرم اتفاقاً بهذا الحجم والضخامة بدون أن تبرم من الباطن اتفاقاً مع الحكومة لشراء ما تستورده من غاز إسرائيلي، وكيف لشركة خاصة تضخ هذه الأموال في صفقة واحدة بدون أن تكون متأكدة من ربحيتها وتسويقها؟

لم يقل لنا هؤلاء "المبرراتية": من أين ستأتي شركة عملاقة مغمورة بأموال تبلغ قيمتها 265 مليار جنيه مصري لسداد الالتزامات المالية المستحقة لشركات إنتاج الغاز الإسرائيلية، ومن سيشتري الغاز من هذه الشركة، خاصة إذا ما كان من إسرائيل، وما علاقة الحكومة بالشركة؟

أما أخطر تبرير ساقه هؤلاء التعساء فهو أن المصالح الاقتصادية والمالية هي التي تحكم علاقات الدول، وأن مصر تسعى إلى أن تتحوّل إلى مركز إقليمي للطاقة، وأن سوق الغاز أصبح متاحاً ومحرراً أمام أي شركة خاصة، مصرية أو أجنبية، للقيام بأي صفقات بدون أي قيود حتى ولو كان الاستيراد من إسرائيل.

بل ويذهب هؤلاء إلى أنه لا مانع من استيراد الغاز حتى ولو من عدو تاريخي طالما يحقق مصالح لمصر، ومنها توفير الطاقة للمصانع والمنازل والمحال التجارية والمنازل ومحطات توليد الكهرباء، وأنه يجب وضع حل جذري لأزمة نقص الطاقة وانقطاع الكهرباء حتى ولو جاء الحل من دولة الاحتلال.

 لكن هؤلاء نسوا أن مصالح مصر لا يمكن أن تكون مع عدوها في أي وقت، وأنه من وجهة نظر الأمن القومي البحتة فإنه من الأخطاء الاستراتيجية ربط أمن الطاقة في مصر بدولة الاحتلال التي يمكنها إغلاق "حنفية" تصدير الغاز لمصر في حال وجود خلافات بين البلدين.

وفي ظل مواجهة رأي عام غاضب، لم يقل لنا المدافعون عن هذه الصفقة المشؤومة: هل ضاقت الدنيا على القطاع الخاص المصري ليستورد غازاً من عدو يناصب المصريين العداء منذ تأسيس دولته في عام 1948، ألا توجد بدائل أخرى، منها الغاز الجزائري والعراقي والروسي مثلاً، ما مصير الشركات الإنتاجية والمصانع التي ستتم تغذيتها بالغاز الإسرائيلي؟

هل يقف المصريون مكتوفي الأيدي تجاه هذه المصانع، ألا تتوقع هذه المصانع مقاطعة منتجاتها في حال الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، ولماذا الصمت الحكومي في مصر تجاه الصفقة والتعامل معها على أنها طفل لقيط مقابل الاحتفالات التاريخية التي تقام في تل أبيب منذ صباح أمس والتي توّجها نتنياهو حينما قال إن إسرائيل اليوم في عيد؟

أخطر الأمور التي لم يتطرق إليها "المبرراتية": أين الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي الذي تحدثت عنه الحكومة قبل أقل من شهر، كيف نستورد الغاز ولدينا أكبر حقل في منطقة الشرق الأوسط، وأين حقل ظهر العملاق والحقول المكتشفة في المياه الإقليمية المصرية والصحراء الغربية والشرقية؟


أفهم سر الحفاوة الإسرائيلية الكبير بالصفقة التي تنتزع 15 مليار دولار من جيوب دافعي الضرائب في مصر لمصلحة رفاهية الشعب الإسرائيلي والإنفاق على الصحة والتعليم والمواصلات والطرق في دولة الاحتلال، وربما يخصص جزء من قيمة الصفقة والصفقات الأخرى المتوقعة لتمويل حرب تشنها إسرائيل في المستقبل.

لكن لا أفهم منطق "المبرراتية" الذين يدافعون عن صفقة قادمة من عدو لا يريد الخير لمصر حتى ولو كان نظامها حليفاً له، ولا أفهم كذلك سر صانع القرار في مصر الذي ربط أمن الطاقة المصري بغاز إسرائيل الذي يعد في الأصل غازاً مصرياً سطت عليه دولة الاحتلال في غفلة من النظم الحاكمة أو بالتواطؤ معها.