رمضان إيران... كورونا يطبق على طقوس الشهر

24 ابريل 2020
الصورة
الفيروس أغلق أبواب المساجد (فاطمة بهرامي/ الأناضول)

غداً السبت، تبدأ إيران احتفالها برمضان، بعدما سبقتها الدول الإسلامية والعربية بمعظمها. لكنّ هذا الشهر يحلّ مغايراً هذا العام، لا سيّما بعد تضرّر أهل البلاد من فيروس كورونا.

شهر رمضان هذا العام ليس كما الأعوام التي سبقته في إيران، تماماً كما هي الحال في البلدان الإسلامية الأخرى. فيروس كورونا الجديد لم يوفّر شيئاً إلا وطاوله، الصحة والاقتصاد والحياة الاجتماعية، بما فيها العادات والتقاليد وما إلى ذلك. هكذا وجد الإيرانيون أنفسهم يستقبلون شهر رمضان مختلفا عمّا اعتادوه.

وما يجعل رمضان في إيران أكثر تأثّراً بالوباء العالمي مقارنة ببقيّة الدول الإسلامية، هو أنّها شهدت تفشياً واسعاً للفيروس منذ التاسع عشر من فبراير/شباط الماضي، لتتصدّر قائمة تلك الدول لجهة الإصابات والوفيات قبل أن تحلّ تركيا مكانها في عدد الإصابات. لكنّ إيران ما زالت تحتلّ المركز الأول في إجمالي عدد الوفيات في تلك الدول، على الرغم من تراجعها في خلال الأسابيع الأخيرة، بحسب ما تفيد الأرقام الرسمية. وعكّر هذا التفشّي الواسع للعدوى أجواء استقبال رمضان، لا سيّما وسط القلق العام الذي يساور عموم الإيرانيين، فعشرات آلاف الأسر الإيرانية تعاني من حالة نفسية صعبة وأجواء حزن، إمّا لفقدانها أفراداً منها (نحو 5400 متوفّ) على خلفية كورونا، وإمّا لإصابة آخرين (أكثر من 80 ألفاً) وخضوعهم للحجر الصحي الإجباري. كذلك، فإنّ إصابة هؤلاء أجبرت بقيّة أفراد الأسر على الخضوع للحجر في منازلهم. يُذكر أنّ أكثر من 63 ألف مصاب سُجّل تعافيهم حتى الآن.

وعند الحديث عن تأثيرات كورونا على شهر رمضان في إيران، يمكننا رصدها في فترتَين، الأولى قبله والثانية عند حلوله. في ما يرتبط بالفترة الأولى، لا شكّ في أنّه تحت ضغط كورونا، أتت الأيام التي سبقت شهر رمضان على نحو غير عادي، إذ حُرم الإيرانيون إلى حدّ كبير من التحضير المعهود لهذا الشهر، وفقاً للعادات والتقاليد الاجتماعية التي اعتادوها، وذلك لسببين.

في انتظار من يشتري تموره (فاطمة بهرامي/ الأناضول)

السبب الأوّل هو أنّ الإيرانيين كبقيّة الشعوب المسلمة، يحضّرون لرمضان مسبقاً قبل نحو أسبوع من حلوله. وفي الماضي، بينما كانوا يستعدّون لاستقباله، كانوا يسألون عن تاريخ بدئه وتحرّي الهلال، إلا أنّ هذا العام فرض كورونا على بعض منهم، ليسوا قلائل، سؤالاً مدفوعاً بمخاوف من احتمال أن يُضعف الصوم مناعتهم في مواجهة كورونا. وقبل نحو أسبوعَين، راحت الاستفسارات الصحية والدينية تُطرح حول إمكانية الصوم في هذه الظروف، إلى أن أجازت المرجعيات الدينية الإفطار لمن لديه "خوف عقلائي" من أنّ الصوم قد يعرّضه لخطر الإصابة بالعدوى.

ومن التحضيرات التي تأثّرت بأزمة كورونا، التسوّق وشراء حاجيات الشهر. ففي الماضي، كان الأمر يحدِث حركة نشطة في الأسواق والشوارع الإيرانية، أمّا هذا العام فقد حدّ كورونا منها بشكل كبير، بعد فرضه أجواء مختلفة بسبب التدابير المشدّدة التي تقتضيها ظروف مكافحته. وأثّر الفيروس سلباً على طقوس استقبال أخرى، خصوصاً في بعض المناطق الإيرانية التي تتميّز بتقاليد رمضانية مسبقة قبل حلول الشهر، مثل المنطقة التركمانية في شرق البلاد، حيث يعمد التركمان قبل أسبوع إلى تنظيف البيوت والحارات، فيما تنظف الشابات التركمانيات في آخر جمعة قبل حلول رمضان بشكل جماعي مساجد حاراتهنّ. بالإضافة إلى ذلك، تحيك أسر عدّة سجادات صلاة يدوية من اللبّاد تُعرف بـ"نماز ليق" لإهدائها إلى المساجد.

كذلك طاول كورونا هذا العام تقليد "المصالحات" التمهيدي لاستقبال رمضان لدى التركمان الإيرانيين، وهو تقليد قديم ظلّوا متمسكين به على الرغم من تراجعه بسبب تطوّرات الحياة الحضرية الجديدة، فيأتون به قبل حلول رمضان بأيام. في خلاله، يقوم مخاتير الحارات الذين يسمّون "ياش أولي" بتوجيه الدعوة إلى أشخاص يقاطعون آخرين لنزاعات وخلافات ومشاكل بينهم، من دون معرفتهم، بدعوة الطرف الآخر، لتناول الشاي بغية إجراء مصالحة بينهم.



أمّا السبب الثاني الذي يجعل رمضان هذا العام مختلفاً أكثر من الأعوام الماضية بالنسبة إلى الإيرانيين بفعل كورونا، فهو مضاعفته تداعيات العقوبات الأميركية، الأمر الذي تسبّب في ظروف اقتصادية أكثر صعوبة من قبل ألقت بظلالها الثقيلة على أجواء الشهر قبل حلوله. فقد تراجعت قوّتهم الشرائية وفقد نحو أربعة ملايين شخص أعمالهم، بالتالي استشرت البطالة بشكل أوسع. ولعلّ انتحار شابة إيرانية في محافظة إيلام، غربي البلاد، في وقت سابق من الشهر الجاري، بسبب فقر عائلتها المدقع، يظهر مدى صعوبة الواقع المعيشي لأسر إيرانية كثيرة في هذه الأيام.

يُذكر أنّ نشاط الإيرانيين الاقتصادي كان يتراجع في أثناء رمضان للتركيز أكثر على طقوسه، لكنّ هذا العام وبما أنّ الأسواق والمحال التجارية كانت مغلقة أكثر من شهر قبل فتحها الأسبوع الماضي، فإنّ هذا النشاط سوف يتزايد في خلال رمضان الحالي للتعويض عن الخسائر التي مُنِيَ بها الإيرانيون منذ تفشّي فيروس كورونا، فضلاً عن أنّه لا يوجد هذا العام ما يستدعي خفض الأنشطة الاقتصادية في أثناء هذا الشهر بسبب تعطيل الطقوس الجماعية فيه للحؤول دون تفشّ أكبر للفيروس.

ومن التقاليد الاجتماعية الأخرى المتأثرة بكورونا، والتي تستقبل بها مناطق في إيران شهر رمضان منذ القدم وقد ظلّت تحافظ عليها بشكل أو آخر، خصوصاً مدينة شيراز، تقليد "كلوخ اندازان" (رمي الطين الجاف) الذي يمارسه إيرانيون في آخر يوم من شهر شعبان، فيخرجون إلى الطبيعة معاً لتحضير أنفسهم نفسياً وجسدياً لاستقبال الشهر ويحملون معهم أطعمة متنوّعة. كذلك يكسرون الطين، في سلوك يرمز إلى قتل الميول النفسية السيّئة والتبعية للنفس السيّئة. وورد في الكتب التاريخية أنّ الإيرانيين القدامى كانوا يقفون تجاه القبلة حين غروب الشمس في آخر يوم من شعبان، مردّدين "يا إلهي قد كسرنا الذنوب والأعمال السيّئة وجهّزنا أنفسنا للعبادة والصوم في شهر رمضان"، ثم كانوا يضربون الطين بالأرض ليتكسّر.

تسوّق قبيل رمضان (فاطمة بهرامي/ الأناضول)

أمّا في ما يتعلق بتأثيرات كورونا على مناسك رمضان الدينية والعادات الاجتماعية الخاصة به في أثناء الشهر في إيران، فإنّها كبيرة كذلك، إذ تطاولها كلّها وستحدّ منها ليلغي الفيروس طقوساً وعادات بأكملها. وفي السياق، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني في بداية هذا الأسبوع، استمرار إغلاق المقامات والمزارات الدينية في البلاد وتعطيل صلوات الجمعة والجماعة في داخل المساجد خلال رمضان، لا سيّما في الأسبوعَين الأوليَين من الشهر، على أن تقرّر اللجنة الوطنية لمكافحة كورونا لاحقاً بشأن بقيّة الشهر بحسب ظروف تفشي الفيروس.
وعليه، فإنّ كورونا قد ألغى كلّ الطقوس الجماعية في خلال الشهر، مثل مجالس قراءة القرآن في المساجد، خصوصاً المجالس النسائية في مناطق معيّنة، تجتمع خلالها النساء في المساجد لقراءة القرآن وأدعية رمضانية خاصة. كذلك ألغيت صلوات التراويح في مناطق أهل السنّة في البلاد. وفي حال تمديد إغلاق المساجد والمزارات الدينية في النصف الثاني من رمضان، فإنّه ستلغى أنشطة دينية جماعية أخرى تكتسب أهمية كبيرة مثل ليالي القدر التي تأتي بثلاث ليالٍ لدى الشيعة في إيران هي 19 و21 و23 من الشهر، ترتكز طقوسها على إقامة العزاء لاستشهاد الإمام علي. أمّا السنّة في البلاد فيقيمون الليالي العشرة الأخيرة من الشهر في المساجد.

وبالنسبة إلى التقاليد الرمضانية الاجتماعية التي من شأنها أن تتلاشى تماماً في خلال هذا العام، فيمكن الإشارة إلى إلغاء حفلات الإفطار الجماعي في المؤسسات والبيوت والمساجد والمواقع الدينية الأخرى والمطاعم المغلقة منذ نحو شهرَين، فضلاً عن التجمّعات العائلية الكبيرة في الليالي وحفلات الإفطار للفقراء.

وإلى جانب تأثّر هذه العادات التي تشترك فيها إيران بقومياتها وأعراقها المتنوّعة، فإنّ ثمّة تقاليد تخصّ منطقة من دون أخرى في البلاد ستطاولها آثار كورونا. على سبيل المثال، تقليد "كاسم سا" في محافظة لورستان، جنوب غربي البلاد، الذي تطبخ في خلاله النساء اللوريات أطعمة خاصة في منازلهنّ وتوزّعنها على الجيران والأقارب عند الإفطار والسحور. كذلك الأمر، سيتأثّر تقليد "الكريكعان" الرمضاني في المنطقة العربية في محافظة خوزستان، بأزمة كورونا، إذ إنّه تقليد جماعي يلبس خلاله الأطفال العرب أزياء محلية بعد الإفطار ويجوبون الأزقة والحارات مردّدين أهازيج وموزّعين الحلويات. وسيلقي كورونا بظلاله كذلك على تقليد "صلة الأرحام" أو عادة إجراء المصالحات بين الأسر وأفراد يقاطعون بعضهم بعضاً على خلفية خلافات بينهم، في خلال ليالي رمضان وفي عيد الفطر، في محافظتَي كوردستان وقم تحديداً ومناطق من محافظة طهران.



تجدر الإشارة إلى أنّ تأثيرات كورونا على رمضان في إيران لن تقتصر على الجوانب الدينية والاجتماعية الخاصة بالشهر، بل تتجاوز ذلك لتطاول ما هو سياسي في هذا الإطار كذلك، من قبيل مسيرات "يوم القدس العالمي" في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان. من المرجّح أنّها سوف تُلغى بسبب حظر التجمّعات الكبيرة في البلاد.