رمضان فلسطين... قطايف بلا ناس

23 ابريل 2020
الصورة
لا أحد في السوق (العربي الجديد)
+ الخط -
ما من علامات أو تفاصيل تعكس الابتهاج بحلول شهر رمضان المبارك في القدس المحتلة والضفة الغربية. وما زال المقدسيون يواجهون خطر وباء كورونا وتصعيد الاحتلال الإسرائيلي. ساحة الغزالي التي شهدت معركة البوابات الإلكترونية قبل نحو ثلاث سنوات تبدو مهجورة تماماً، على عكس ما تكون عليه في العادة قبل حلول الشهر الفضيل. لا شيء سوى حفر صغيرة تسبّبت بها الجرافات الإسرائيلية عند مدخل كاراج تديره دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، في حين غادر جنود الاحتلال نقطة تمركزهم عند بوابة المسجد الأقصى في منطقة باب الأسباط، حيث لا يطأ تلك الساحة إلا القليل من المقدسيين الذين غادروا منازلهم مكممي الأفواه لتفادي الإصابة بفيروس كورونا الجديد.

أما حي باب حطة في البلدة القديمة، حيث هناك بوابة تؤدي إلى الأقصى، فقد تركت هناك عربة لإعداد القهوة السادة تعود لعائلة الرازم المقدسية التي اعتاد أبناؤها تقديم القهوة لرواد المسجد الأقصى بعد انتهاء صلاة التراويح. وانسحب جنود الاحتلال من نقطة التفتيش الدائمة المقامة عند البوابة، ولم يبق سوى عنصرين عند مدخل باب الملك فيصل (من أبواب المسجد الأقصى).

أما ساحة الأناشيد والسهرات الرمضانية عند مدخل باب حطة، فلا وجود لها، بخلاف ما كان يحصل قبل شهر رمضان، بينما يبدو المشهد أكثر كآبة في حي باب حطة ذاته، الحي المقدسي الأشهر على الإطلاق في زينته الرمضانية التي اختفت تماماً هذا العام بسبب جائحة كورونا.

لا زينة

كانت لجنة شباب حي باب حطة قد نشرت بياناً أعربت فيه عن حزنها العميق بسبب عدم قدرتها هذا العام على تزيين الحي بمناسبة الشهر الفضيل، نتيجة انتشار فيروس كورونا. لكن الناشط في الحي محمود الباسطي يعرب لـ"العربي الجديد" عن ثقته بأن أهالي باب حطة سيكتفون بوضع الزينة في بيوتهم وعلى النوافذ وأسطح المنازل.

في الحي ذاته، يقطن المنشد المقدسي الشهير محمد سدر (أبو عمار). في مسجد الشيخ مكي قرب حارة السعدية المقابل لمدرسة القادسية، التقته "العربي الجديد" وقد بدا عليه الحزن لأنه لن يتمكن هذا العام من رفع الأذان في المسجد الأقصى، أو إقامة حلقات الغناء والأناشيد الدينية، هو الذي يُجيد تلاوة القرآن بأصوات أشهر مقرئيه أمثال عبد الباسط الصمد، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي. أمنيته الوحيدة هي فتح أبواب الأقصى، وعودة البلدة القديمة بحلتها الرمضانية الجميلة.



وعلى الرغم من قرار إغلاق المساجد، لم يتوقف أبو عمار عن ارتياده والصلاة فيه. لكن يبدو متأثراً بسبب عدم قدرته على الوصول إلى المسجد الأقصى الذي يبعد عن منزله عشرات الأمتار للصلاة فيه.

أسواق خاوية

المشهد الصامت يسيطر على طريق المجاهدين مروراً بمنطقة باب الغوانمة ونفق البراق الذي افتتحه الاحتلال في عام 1996 على امتداد الحد الشمالي من المسجد الأقصى. وما من أحد على مدرج الطريق المؤدي إلى حارة السعدية، ولا وجود للراهبات والرهبان. يسود الصمت المكان، لينتهي بك المطاف إلى شارع الواد الذي يصل بين باب العامود والمسجد الأقصى.
شارع الواد هو شريان حركة الناس والمصلين، لكنه هذا العام بات خاوياً إلا من البؤر الاستيطانية. توجد فيه أيضاً نقطة تفتيش لحرس الحدود الإسرائيلي تستفز الشبان والفتية، الذين يفضلون تسمية شارعهم بشارع الشهيد مهند الحلبي، الذي فجّر معركة السكاكين عام 2015.

قبل الوصول إلى نهاية الشارع، نلتقي بالمقدسي سعدي الشلودي، وهو من الوجوه المألوفة في البلدة القديمة من القدس، والذي شاطر الآخرين من أبناء مدينته الحزن على ما يجري، فلا زينة وقد خلت الأسواق والحارات من روادها، ومن آلاف المواطنين الذين يرتادونها للتسوق قبل حلول شهر رمضان.

واختار ياسر الزغير، الذي يملك متجراً لبيع المصاحف ومصابيح رمضان أن يبقى متجره بلا إضاءة أو حتى وضع الأناشيد الوطنية والدينية. بينما جلس الشيخ أمير النابلسي في مطعمه الصغير من دون أن يستقبل أياً من زبائنه. المشهد حزين وكئيب جداً. ما من أحد في الأسواق، علماً أن رمضان هو شهر البركة الوحيد الذي تنتعش فيها الحركة التجارية، كما يقول لـ "العربي الجديد". ويؤكد أن "الحياة هنا متوقفة تماماً، ونرجو من الله أن يزيل هذه الغمة".

تدابير للأوقاف في الأقصى

توقّف الحياة بدا واضحاً في حي الجالية الأفريقية المتاخم للمسجد الأقصى، ومقر دائرة الأوقاف الإسلامية. وحين وصلنا إلى هناك، كان باب الناظر مغلقاً، ولم يصادفنا أي من حراس الأقصى. ولجأنا إلى مقر دائرة الأوقاف، حيث استقبلنا المدير العام للدائرة الشيخ عزام الخطيب، ومدير المسجد الأقصى، الشيخ عمر الكسواني.



يتحدث الشيخ الخطيب عن تدابير الأوقاف خلال الشهر الفضيل، ويقتصر الوجود في المسجد على الحراس والموظفين والأئمة فقط، عملاً بإجراءات وتدابير الوقاية من الفيروس، التي تمت بموافقة المرجعيات الدينية والطبية. لكن الخطيب يؤكد أن الدائرة ستقدم ومن خلال "تكية خاصكي سلطان"، الوجبات الرمضانية للعائلات المعوزة والفقيرة داخل البلدة القديمة وخارجها، وفق تدابير تضمن سلامة الجميع.

أما الشيخ الكسواني، فأعرب عن أمله بالتخلّص من الفيروس لتعود الأمور إلى ما كانت عليه وتفتح أبواب الأقصى، مؤكداً على حديث الشيخ الخطيب: "نشعر بالألم من جراء هذا الإغلاق، لكن هي تدابير مؤقتة، ومصلحتنا حماية مواطنينا وضمان سلامتهم".

قطايف

بخلاف ما شهدناه في المناطق التي تجولنا فيها داخل البلدة القديمة، لاحظنا بعض الحركة. كما أن بعض المحلات كانت مفتوحة في سوقي العطارين وخان الزيت، منها محل الشيخ قاسم للبهارات والتوابل، ومطعم قرش للكباب، ومحلات لبيع الحلويات مثل محلات جعفر للكنافة، وقد شرع أصحابها بإعداد العدة لصناعة القطايف خلال شهر رمضان. وتنشط محلات بيع الدجاج واللحوم التي بدأت تستقبل بضائعها وتخزنها في الثلاجات استعداداً للشهر الفضيل.

بشكل عام، كانت المشاهد كلّها تعلن عن قدوم شهر رمضان، لكن المقدسيين سيفتقدون فرحة الشهر الفضيل وبركته. ويقول المقدسيون إنه الشهر الوحيد الذي تنتعش فيه حركة التجارة، وحركة عشرات بل مئات الآلاف من الفلسطينيين من القدس وضواحيها، ومن الضفة الغربية، ومدن الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948. ولن يكون في مقدور هؤلاء المشاركة في صلاة التراويح في المسجد الأقصى.



وهذا العام أيضاً، سيفتقدون لذة القطايف من محلات الحاج دعنا عند مدخل سوق اللحامين، ومحلات الأرز في شارع السلطات سليمان، أو شراء الفلافل والحمص من مطعمي أبو حسن أبو غربية، وأبو علي في شارع صلاح الدين، ولن يكون بالإمكان شراء عصائر رمضان كالخروب والتمر الهندي، والعرق سوس، التي تشتهر بها عائلة سمّيرة المقدسية.

الضفة الغربية

استعانت سها عمر (42 عاماً) بزينة مضاءة علقتها على نوافذ بيتها المطل على الشارع الذي تسكن فيه في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، ابتهاجاً بحلول شهر رمضان، في الوقت الذي تكاد تختفي فيه المظاهر الاحتفالية الخاصة باستقبال الشهر الفضيل، في ظل انشغال الفلسطينيين بجائحة كورونا وانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية.

تقول عمر لـ "العربي الجديد": "على الرغم من كل شيء، سنفرح برمضان ونعمل ما بوسعنا لنشر الفرح والأجواء الإيمانية والابتهاج في نفوس المحيطين بنا. اعتدت كل عام على تعليق الزينة المضاءة حتى يفرح أطفالي، ويهيئوا أنفسهم للصيام والعبادة".

منذ مدة، كانت سها تخطط لأن تكون أيام رمضان مميزة ومختلفة عن بقية الأيام. عادة ما تبدأ مع عائلتها أداء صلاة الفجر في المسجد. بالنسبة إليها، "لا طعم لرمضان من دون الانتقال من مسجد إلى آخر والاستماع إلى مقرئين والتجول في حارات البلدة القديمة في نابلس وحضور الأمسيات الرمضانية". لكنها تتحسر على كل ذلك الآن. على الرغم من ذلك، تؤكد أنها ستتجاوز المحنة وتعيش رمضان بكل نشاط وحيوية.

ودرجت العادة أن تتنافس مؤسسات نابلس وعائلاتها في تزيين الأحياء القديمة، وتنظيم الفعاليات والأنشطة الرمضانية المختلفة، مثل "السوق نازل" و"الحكواتي"، إضافة للإفطارات الجماعية، بالتزامن مع برنامج ديني مكثف، في مختلف المساجد التي تكون عامرة بالمصلين، والدروس والمواعظ لمجموعة من الأئمة والشيوح، لكن كل ذلك سيتوقف نظراً للحالة الراهنة.
يقول موظف العلاقات العامة في بلدية نابلس علاء الجيطان لـ "العربي الجديد": "إن حالة الطوارئ وما ترتب عليها من تعليمات حتمت على البلدية إعادة التفكير بالتجهيزات التي تسبق استقبال الشهر الفضيل، بحيث تتوافق والإجراءات الطبية والوقائية اللازمة، ومنع كل ما من شأنه تجمهر الناس واحتشادهم في مكان واحد".



ووفق الجيطان، ستفكر البلدية بوسائل بديلة، مع المحافظة على خصوصية هذا الشهر الروحانية، مثل إضاءة فانوس رمضان الضخم، والمسابقات والأمسيات التي تنفذها المراكز الثقافية التابعة للبلدية، إذ يمكن التواصل مع الجمهور إلكترونياً. "كلها أفكار تهدف إلى الدمج بين تهيئة الأجواء لاستقبال رمضان والحفاظ على صحة المواطنين".

أما أحمد القطب، وهو صاحب محل لصنع وبيع القطايف، فقد عبّر عن حزنه لما تمر به البلاد من أوضاع صعبة، انعكست على مختلف مناحي الحياة. ويقول لـ"العربي الجديد": "نعمل في إعداد القطايف منذ خمسين عاماً تقريباً، ويتضاعف الإقبال على محلّنا خلال الشهر الفضيل، لكنني كغيري من الباعة سألتزم بالتعليمات. صحة الناس أهم من كل شيء، لكننا سنواصل إعداد القطايف وتأمينها للناس لتناولها بعد الإفطار الدسم كتقليد رمضاني مميز".