لهذه الأسباب تحولت ثروة فنزويلا إلى نقمة على شعبها

30 يناير 2019
الصورة
صفوف الفقراء لا تنتهي في كراكاس (Getty)
+ الخط -
كيف تحولت دولة تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم إلى دولة تضم ملايين الفقراء، ولماذا لم تصبح فنزويلا التي لا تقل في ثرائها عن دول الخليج النفطية دولة ثرية، إذ تملك احتياطات نفطية مؤكدة هائلة تقدر بأكثر من 300 مليار برميل وظلت لفترة طويلة تقارب العقدين تنتج أكثر من 3.5 ملايين برميل يومياً من النفط وبكلف منخفضة؟
سؤال يطرح نفسه أمام العالم وهو يشاهد فنزويلا تتمزق وربما تواجه حرباً أهلية في أية لحظة تزيد من معاناة شعبها الفقير، إذا لم يتم التوصل لتسوية الأزمة السياسية الاقتصادية التي تستفحل يوماً بعد يوم، خاصة بعد التدخل الأميركي الأخير ودعم زعيم المعارضة خوان غواديو رئيساً للبلاد.

مشكلة فنزويلا لم تكن يوماً من الأيام الموارد المالية، ذلك أن إنتاج النفط فيها يفوق العديد من دول منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك"، وفي بعض الأوقات التي ارتفع فيها سعر النفط لأكثر من 147 دولاراً للبرميل حققت دخلاً نفطياً فاق أكثر من 100 مليار دولار.
كما تملك فنزويلا كذلك احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي تقدر بنحو 148 تريليون قدم مكعبة وهو ما يعادل 2.7% من الاحتياطات العالمية للغاز.

يضاف إلى ذلك، فإن كلفة إنتاج برميل النفط ليست كبيرة مثل روسيا مثلاً، فهي تراوح بين 6 إلى 8 دولارات، وبالتالي فإن شركة النفط الفنزويلية يمكنها تحقيق أرباح كبيرة من استغلال الاحتياطات النفطية.
ومن هنا، فإن هذه المقومات كان يمكن أن تحول شعب فنزويلا إلى أغنى شعب في أميركا الجنوبية، وتجعل من البلاد واحة للرخاء والاستقرار السياسي. ولكن داء العظمة ووهم الثورات، جعل الرئيس السابق هوغو تشافيز، يفكر في إحياء الشيوعية التي أفل نجمها عالمياً في أميركا الجنوبية، تحت مسمى الثورة البوليفارية.

هذه الثورة التي بدأها في عام 1998، حينما انتخب رئيساً للبلاد وامتدت إلى خلفه الحالي نيكولاس مادورو، كانت الأداة الهدامة لضرب البنى التحتية في فنزويلا وتدمير الاقتصاد وتفكيكه لدرجة أفقرت الفنزويليين وأجبرت الملايين على الهجرة إلى الدول المجاورة مشياً على الأقدام هروباً من بلادهم ولأجل البقاء.
في هذا الصدد، يقول مركز نشر المعرفة الاقتصادية الذي يعرف اختصاراً بـ "سيديس"، وهو معهد فنزويلي، أن ثورة تشافيز- مادورو أفلست معظم الشركات الفنزويلية التي كانت قائمة قبل الثورة والبالغة 2500 شركة.

ويشير "سيدس" إلى أن فنزويلا ظلت رغم عوائد البترول الضخمة تفتقر إلى الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وطرق ومياه عذبة وكهرباء.
وتقول دراسة أجرتها جامعة فنزويلا في العاصمة كراكاس إن الفقر المدقع في فنزويلا، بلغ 23.6% من عدد السكان، وأن إجمالي عدد الفقراء في البلاد بلغ 87%.

ولاحظت الدراسة أنه في عقدين من الزمان تحولت شركة النفط الوطنية الفنزويلية التي كانت من أكثر الشركات كفاءة في العالم من حيث الإدارة والتشغيل والربحية إلى شركة شبه مفلسة. وكانت الشركة حتى عام 1998 تنتج 3.5 ملايين برميل يومياً، ثم تدهور الإنتاج تدريجياً ليصل إلى 1.3 مليون برميل حالياً، فكيف حدث هذا الانهيار؟
تقول الدراسة إن الكارثة التي حلت بالشركة تمت تحت مسميات الاشتراكية والولاء للأيديولوجية البوليفارية.

وشرعت كل من حكومة هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو منذ عام 1999، بعزل وتسريح المهندسين والخبراء ذوي الكفاءة من مناصبهم في الشركة وتعيين كوادر سياسية مكانهم تحت عباءة الولاء للثورة البوليفارية، التي أطلقها الرئيس تشافيز مؤسس ما يسمى "الجمهورية الخامسة" في فنزويلا، وذلك ضمن تطبيق السياسات اليسارية والحركة الاجتماعية والتي حل محلها الحزب الاشتراكي الموحد في فنزويلا في عام 2007 تحت قيادة الرئيس الحالي مادورو.
وبسبب إحلال الولاء والكوادرالحزبية مكان ذوي الخبرة، تم توظيف مئات الآلاف فقط بسبب الولاءات، ما أدى إلى تدهور إنتاجية الشركة وماليتها، حيث اضطرت لاحقاً للخفض التدريجي للموظفين والعمال من 250 ألف موظف إلى 140 ألف موظف في عام 2017.

وخلال سنوات حكم الرئيسين تشافيز ومادورو، تعرضت الشركة النفطية لنهب كبير من قبل الكوادر الحزبية وكبار القيادات في الدولة والجيش، وسط انعدام الرقابة والمساءلة. 
وكانت النتيجة اختفاء 12 مليار دولار من أموال الشركة خلال هذا العقد ثم اختفت مبالغ أخرى بالتدريج. 

وترى الدراسة أن معظم هذه الأموال حوّلت إلى حسابات خارجية لمصلحة كبار القيادات الحزبية في الثورة البوليفارية تحت غطاء تمويل نشاطات حزبية. وبالتالي ما دامت نشاطات حزبية فإنها لا تخضع للمساءلة. 
وعانت الشركة خلال عقدين من الزمان ارتفاع كلفة التشغيل وانخفاض الإنتاجية واستخدام أموالها لأغراض سياسية، وهو ما أدى في النهاية لارتفاع مديونيتها إلى 34 مليار دولار.

واضطرت الشركة الفنزويلية تحت سياسات مادورو إلى بيع نفطها في صفقات تسليم مستقبلية وبأسعار بخسة للشركات الصينية وصلت في بعض الأحيان إلى 20 دولاراً للبرميل في العام الماضي.
وبالتالي انعكس تدهور أوضاع النفط على موازنات الحكومة، حيث ارتفعت مديونيتها الخارجية إلى نحو 35 مليار دولار وتقدر خدمتها بنحو خمسة مليارات دولار سنوياً، بينما تعانى موازنة الحكومة من عجز يصل إلى نحو ستة مليارات دولار سنوياً. ورغم أن هذا المبالغ ليست كبيرة، ولكن من الصعب توفيرها لدولة معزولة وتدار بنمط مركزي أوتوقراطي.

المساهمون