تونس: المقاطعة سلاح ضعيف في مجتمع استهلاكي بامتياز

06 فبراير 2019
الصورة
احتجاجات معيشية في تونس هذا الشهر (فرانس برس)

لم تسجّل منظمات ترشيد المستهلكين في تونس نجاحات كبيرة لحملات المقاطعة التي دعت إليها في مناسبات عديدة، بسبب سلوكات اجتماعية راسخة لدى المواطنين، قوامها "كل ممنوع مرغوب".

ولا يمنع ضعف استجابة المجتمع إلى دعوات المقاطعة، الجمعيات المدنية التي قادت حملات  مقاطعة سابقة استهدفت الخضار والألبان والصنوبر الحلبي ومشتقات الدواجن، من مواصلة عملها في تفعيل هذا الصنف من الأسلحة، للحد من موجات الغلاء وأشكال المضاربة والاحتكار.

رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك، سليم سعد الله، يقر بصعوبة تغيير سلوك مجتمع، وصفه بـ"المستهلك بامتياز". مؤكدا أن تحويل المقاطعة إلى سلاح ناجع ضد الغلاء والاحتكار يحتاج إلى عمل سنوات لتغيير السلوك وترشيد الوعي بضرورة التوقي الذاتي من ممارسات التجار المجحفة.

وقال سعد الله، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن المنظمة قادت في مناسبات عديدة حملات مقاطعة ضد سلع شهدت شططا في الأسعار أو عمد التجار إلى تجفيفها من السوق بغية المضاربة فيها، مؤكدا أن درجة الاستجابة لم تكن في بعض الأحيان بالقدر المطلوب.

واعتبر أن المستهلك التونسي تحكمه الالتزامات الإجتماعية تجاه كل المناسبات والأعياد التي يرتفع فيها نسق الاستهلاك، مضيفاً أن كثرة الطلب تجعل من السوق أرضية خصبة للتجار لزيادة الأسعار.

وأضاف أن المنظمة لا تفعّل سلاح المقاطعة في كل المناسبات، معتبرا أن هذه الآلية سلاح ذو حدين، ويمكن أن يعود بالضرر على منظومات إنتاج، في حال أبدى المستهلكون استجابة لحملات المقاطعة.

وقال إن الوقاية الذاتية سلوك يجب أن يدرّس في مناهج التعليم حتى يتعوّد عليه المستهلكون، مشيرا إلى أن ضعف الاستجابة إلى حملات المقاطعة لم يمنع من تسجيل نجاحات لحملات قادتها المنظمة، على مدى السنوات الماضية.

أنجح تجارب التونسيين مع المقاطعة كانت بمناسبة احتفلات بالمولد النبوي الشريف، في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، حين كثفت منظمة الدفاع عن المستهلكين (منظمة مدنية) الدعوات إلى مقاطعة "الصنوبر الحلبي"، المادة الأساسية التي تعد منها "عصيدة الزقوقو"، الطبق الرئيسي لإحياء ذكرى مولد النبي محمد.

وقادت منظمة الدفاع عن المستهلك حينها حملة المقاطعة، بعد ارتفاع سعر الصنوبر الحلبي إلى 3 أضعاف، ما تسبب في تهاوي السعر في ظرف قياسي، بعد استجابة واسعة لدعوات المقاطعة حينها.

ولا تزال منظمات ترشيد المستهلكين التونسية تسعى إلى ترسيخ ثقافة المقاطعة كسلاح ناجع لمواجهة الأسعار المرتفعة والاحتكار، مع توسيع دائرة المواد المستهدفة.

ويعد سلاح المقاطعة ثقافة استهلاكية جديدة وافدة على المجتمع التونسي الذي تعوّد على الإقبال المكثف على كل المواد الشحيحة في السوق أو ذات السعر المرتفع، ما يتسبب آليا في ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب.

بدوره، يقول المدير العام لمعهد الاستهلاك (حكومي)، طارق بن جازية، إن المقاطعة شبه غائبة في الثقافة الاستهلاكية لدى التونسيين، مشيرا إلى أن الدراسات التي قام بها المعهد، على مدار السنوات الثماني الماضية، أثبتت أن البعد الاجتماعي يغطى على الإكراهات الاقتصادية في حياة التونسيين ونمطهم الاستهلاكي.

وأفاد، في تصريح لـ"العربي الجديد"، بأن المجتمع التونسي مستهلك بامتياز، ما يجعل من بلورة ثقافة الاستهلاك أمرا صعبا، مؤكدا أن معدل نمو الاستهلاك السنوي في السنوات الثماني  التي تلت الثورة يتراوح ما بين 8% و9%، رغم الصعوبات الاقتصادية وغلاء الأسعار.


وقال بن جازية، في سياق متصل، إن الالتزامات الاجتماعية التي يفرضها التونسيون على أنفسهم تطغى على كل الإكراهات الاقتصادية، وتمنعهم من مسك أنفسهم أمام متطلبات المناسبات والأعياد التي يرتفع فيها نسق الاستهلاك.

وأكد أن كل زيادة في الطلب تسحب الأسعار نحو الأعلى، وتوفر مناخا مناسبا للمحتكرين والمضاربين لرفع الأسعار وفرض سطوتهم على الأسواق، داعيا إلى اشتغال المنظمات المهتمة بالمستهلكين والمجتمع المدني على تغيير الثقافة الاستهلاكية للتونسيين، ورفع نسبة الوعي وتفعيل أسلحة المقاطعة التي أثبتت جدواها في كافة دول العالم، بحسب قوله.