حملات المقاطعة... سلاح الجزائريين لمواجهة ارتفاع الأسعار

06 فبراير 2019
الصورة
"خليها تصدّي" حملة استهدفت غلاء السيارات (فرانس برس)
+ الخط -
استفحلت في الجزائر أخيراً حملات مقاطعة شراء العديد من المنتجات، كرد فعل من المواطنين على القفزات الكبيرة التي شهدتها الأسعار، خصوصًا بعد تراجع قيمة الدينار، إضافة إلى تجميد الاستيراد سنة 2018، ما أثر على ميزان العرض والطلب.

وكانت لحملات المقاطعة نتائج إيجابية، إذ جعلت الجزائريين يتبنّون "المقاطعة" كشكل من أشكال الضغط على الحكومة والتجار على السواء.

"دعها للصدأ"

سوق السيارات كان مسرحا لأكبر عملية مقاطعة تشهدها الجزائر في السنوات الأخيرة، حيث جاءت حملة المقاطعة عقب زلزال "التلاعب بالأسعار" من طرف متعاملي السيارات عقب كشف الحكومة عن الأسعار الحقيقية للسيارات المُعلن عنها مقارنة بأسعار البيع التي تتجاوز بنسبة 25% السعر المُصرح به من الحكومة.

وأطلق ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي حملة تحت وسم "خليها تصدي" أو "دعها للصدأ"، تحث الجزائريين على مقاطعة شراء السيارات المجمعة من طرف العلامات العالمية على أراضي الجزائر، ولقيت تجاوبا كبيرا في الشارع، حيث تراجع العديد من المواطنين عن شراء السيارات بعد تفجر فضيحة "التلاعب بالأسعار".

وسرعان ما استجابت العلامات المعتمدة في الجزائر لضغط حملة المقاطعة وخفضت أسعار السيارات.

الخبير الاقتصادي فرحات علي، قال لـ"العربي الجديد"، إن "مثل هذه الحملات ورغم أنها لا تتسم بالرسمية، إلا أن ذلك لا يلغي أهميتها، لأن الزبون في كل بلدان العالم هو الذي يتحكم بالسوق، وما دام يتمتع بوعي استهلاكي يمنعه من الرضوخ للمتعاملين الاقتصاديين، فبإمكانه التحكم بقانون العرض والطلب، وبالتالي التحكم بطريقة غير مباشرة ببورصة الأسعار".


وأكد الخبير الاقتصادي وجود مبالغة كبيرة في أسعار السيارات المجمعة محلياً، "والتي أصبحت أغلى حتى من أسعارها في بلد العلامة الأصلي، وبالتالي أصبح الأمر يشبه إلى حد كبير شبكات تتاجر بالسيارات وتحتكرها وتتحكم كما تشاء بهامش الربح من دون أي رقابة حكومية، وهو ما يدخل في خانة النصب والاحتيال".

خليه للقردة (دعه للقردة)

حمى مقاطعة المنتجات في الجزائر، باتت سلاحا بيد الجزائريين سرعان ما يلوحون به عند تجاوز الأسعار الخطوط الحمراء، كما حدث نهاية السنة الماضية مع "الموز"، الذي وصل سعر الكيلوغرام الواحد منه إلى زهاء 8 دولارات (ما يعادل 800 دينار جزائري).

أمر دفع بالمنظمة الجزائرية لحماية المستهلك إلى إطلاق حملة لمقاطعة الموز، حيث كشف رئيس الجمعية مصطفى زبدي أن "الحملة كانت استجابة لطلبات المستهلكين عبر عدد كبير من صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وكانت الاستجابة كبيرة، وصدى الحملة كان قوياً لدرجة أن الحكومة قررت التدخل ومنح رخص استيراد استثنائية لاستيراد الموز لإحداث توازن في الأسواق".

وأضاف زبدي في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "احتكار مجموعة من المستوردين لسوق الموز وتوزيعه هو سبب وصول أسعار الموز إلى 800 دينار، حتى أنه لدينا معلومات بأن بعض المستوردين باعوا الموز بالجملة بسعر 650 دينارا لتجار الجملة، وهو ما يتناقض مع القوانين، على اعتبار أن الدولة منحته امتياز الاستيراد وفق دفتر شروط، يلزمه بألّا يتجاوز السعر 180 دينارا".


الدجاج، السمك، الطحين

موضة حملات المقاطعة جعلت الجزائريين يشنون بين الفينة والأخرى، حملات تستهدف المنتجات التي ترتفع أسعارها في الأسواق، كأول رد فعل، حيث قاطع الجزائريون شراء عدة منتجات لمدة وجيزة، كانت كافية لإعادة الأسعار إلى وضعها الطبيعي، كما كان عليه الحال مع حملة "خليه بالريش" (دعه بريشه) التي استهدفت اللحوم البيضاء وعلى الخصوص الدجاج، حيث كبدت هذه الحملة مربّي الدجاج وباعة اللحوم البيضاء خسائر كبيرة، وهوت بالأسعار قرابة 30% خلال أقل من أسبوع، علماً أن نفس السيناريو حصل مع الأسماك.

فبعد تداول مقاطع فيديو لصيادين يلقون السمك في البحر بعد اصطياده، لإحداث استقرار في العرض والطلب، انطلقت حملات لمقاطعة شراء السمك، بخاصة "السردين" الذي فاق سعر الكيلوغرام الواحد منه 700 دينار (6.5 دولارات)، ما دفع بوزارتي الزراعة والصيد البحري والتجارة إلى التدخل ووضع فرق مراقبة في موانئ الصيد ودوريات في عرض البحر.



مواقع الاحتجاج الاجتماعي

واللافت اليوم في الجزائر، أن غالبية حملات المقاطعة تكون انطلاقتها من مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك، حيث يتم تداول وسوم المقاطعة وتصبح الأولى في "ترند"، وهذا ما ساعد في إنجاح العديد من الحملات.


الناشط جمال نورالدين قال إن "هذه الحملات تحوّلت إلى ثقافة ترسخت في ذهن المواطن الجزائري، وأصبحت سلاحا قويا في مواجهة المضاربين والمنتجين والمستوردين الذين رضخوا في بعض الأحيان إلى الحملة وخفضوا سعر المنتجات".

وأضاف لـ"العربي الجديد" أنه "لا يمكن إنكار دور مواقع التواصل الاجتماعي في ترسيخ المقاطعة في الثقافة الاستهلاكية للجزائريين. ففي الماضي القريب كانت هذه الحملات منعدمة، واليوم بفضل التطور التكنولوجي، أصبح الجزائريون يقولون كلمتهم في العالم الافتراضي وتترجم لاحقاً في الواقع، وهو أمر إيجابي".

ونبّه جمال نور الدين من خطورة استعمال الحملات لتصفية حسابات بين المتعاملين الاقتصاديين، كما حدث مع المياه المعدنية، حيث أطلقت حملة لمقاطعة شراء إحدى العلامات، ليتضح في النهاية أنها كانت حملة ملفقة سوّقتها إحدى العلامات الموجودة في السوق الجزائرية".

دلالات