المقاطعة في المغرب تُعيد الاعتبار إلى المستهلك

06 فبراير 2019
الصورة
من الاحتجاجات على أسعار شركة الحليب (فرانس برس)

فاجأت حملة المقاطعة التي شهدها المغرب العام الماضي، الأوساط السياسية والاقتصادية، التي سعت إلى تطويق الأزمة التي نجمت عن احتجاج مستهلكين من ارتفاع الأسعار، رغم مستوى التضخم الرسمي المنخفض.

واستهدفت المقاطعة، بشكل خاص، شركات "سنترال دانون" و"أولماس" و"أفريقيا"، الرائدة في إنتاج الحليب والمياه المعدنية والوقود، حيث تواصلت الدعوات التي انطلقت في إبريل/ نيسان الماضي، رغم الدعوات بوقفها التي عبر عنها وزراء وفاعلون اقتصاديون.

واستثمر المقاطعون وسائط التواصل الاجتماعي، منذ 22 إبريل/ نيسان الماضي، ما فأجا السلطات العمومية والمهنيين، الذين سعوا إلى احتواء غضبة "الفيسبوكيين"، بالإعلان عن تدابير لإحداث نوع من المصالحة.

لقد استنفرت المقاطعة الحكومة، التي سعت إلى تطويق الأزمة، عبر التشديد على الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر، بخاصة أن ذلك تزامن مع صدور تقرير من البرلمان حول المنافسة في سوق المحروقات، والذي خلص إلى تحقيق شركات توزيع الوقود أرباحاً تصل إلى 1.7 مليار دولار منذ تحرير سوق السولار والبنزين.

وتسبب انضمام وزير الشؤون العامة والحكامة، لحسن الداودي، لوقفة احتجاجية نظمها عمال في شركة "دانون" تنديدا بالمقاطعة أمام البرلمان، في تقديم استقالته، التي لم تقبل، بينما وجد وزير الاقتصاد والمالية السابق، محمد بوسعيد، نفسه في مرمى سهام المنتقدين، بعدما وصف المقاطعين بـ"المداويخ".

وتعهد رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، في سياق النقاش حول المقاطعة، باتخاذ تدابير من أجل تخفيف الضغط عن الأسر، بينما وجهت انتقادات للوسطاء، الذي يرى العديدون أنهم يتسببون في غلاء الأسعار.

وقد تضررت الشركات المستهدفة بالمقاطعة، حيث أعلنت شركة "سنترال دانون" عن خسارة ما بين 25% و30% من رقم المعاملات في العام الحالي، ما كبدها خسارة وصلت إلى 50 مليون دولار، بعد أرباح في حدود 12 مليون دولار في عام 2017.

وكانت الشركة المدرجة في بورصة الدار البيضاء قد سعت إلى محاصرة الخسائر التي نجمت عن المقاطعة، حيث أعلنت منذ الصيف الماضي، عن التخلي عن أرباحها مع الحفاظ على تلك التي يحققها الباعة ومربو الأبقار، مع السعي لخفض سعر الحليب الذي كان هدفا للمقاطعة.

وإذا كانت شركة الوقود "أفريقيا"، لم تكشف عن حجم تأثير المقاطعة على نشاطها، فإن شركة "أولماس" المدرجة في البورصة، أعلنت منذ الصيف، عن تكبدها خسائر جراء المقاطعة التي استهدفت مياه "سيدي علي" المعدنية التي تنتجها.

وزجت المقاطعة بالمستثمرين في حالة من الانتظار، وانعكس ذلك على العديد من القطاعات، هذا ما يؤكده أحد المهنيين، الذي يشير إلى أن سوق الإعلانات عرف ركودا كبيرا في الصيف الماضي، بسبب تخوف الشركات من أن تكون هدفا للمقاطعة.

وساهمت المقاطعة في إعادة بعث مجلس المنافسة، الذي ظل مجمدا لمدة أربعة أعوام، حيث اعتبر رئيسه السابق، عبد العالي بنعمور، أنه لو كان يشتغل لما حدثت المقاطعة، حيث كان سيتدخل من أجل رصد وضعية المنافسة في أسواق المنتجات المستهدفة بالمقاطعة.

ويذهب الاقتصادي محمد الشيكر، إلى القول إن حركة المقاطعة بالمغرب كشفت عن طرق جديدة للاحتجاج، يمكن أن تتشكل خارج الأطر الكلاسيكية، مشيرا إلى أن المقاطعة وحركة السترات الصفراء بفرنسا وقبلهما احتجاجات الربيع العربي، أكدت أن الحكومات أضحت تتعاطى مع طرق جديدة للاحتجاجات بدون قيادة أو ناطقين رسميين.

ويعتقد بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، أن قانون حرية الأسعار والمنافسة يمنع التدخل من أجل تحديد أرباح الشركات، لكنه يرى أنها يمكنها العمل على تفعيل آليات المراقبة التي تمنع الاتفاقات بين المنتجين والموردين والاحتكار.

ويرى أن المقاطعة ساهمت في بروز المستهلك كفاعل حاسم في السوق، فقد أصبح حريصا على الحصول على منتجات وخدمات بأسعار تستحضر قدرته الشرائية، وتتوفر فيها شروط الجودة التي تراعي صحته.