البندقية بخطر: وداعاً للمدينة التي نعرفها

روما
العربي الجديد
08 يوليو 2019
تستقطب مدينة البندقية الإيطالية، سنوياً، عدداً كبيراً من السياح، من مختلف بلدان العالم. تجذبهم فيها أبنيتها التي تتمركز على الماء بالكامل، وتاريخها الذي يعود إلى قرون، إلا أنّ زيارة لها ستكشف أنها لم تعد صالحة للعيش كما كانت من قبل بسبب الازدحام، حيث زاد عدد السياح فيها عن عدد السكان. 

بلغ تعداد سكان المدينة ذروته في القرن الخامس عشر، ثم ارتفع مرة أخرى في سبعينيات القرن العشرين إلى مستوى مشابه لما كان عليه في القرن السادس عشر، إلا أنه لا يصل اليوم إلى ثلث ما كان عليه قبل 50 عامًا، ويبدو أن المدينة التي كانت في يوم ما أهم مدن البحر الأبيض المتوسط، لم تعد قادرة على كبح ارتفاع عدد السياح على حساب عدد السكان.

في وقت سابق من هذا الشهر، اصطدمت سفينة سياحية ضخمة بقارب مملوء بالسياح في البندقية، ما أسفر عن إصابة أربعة أشخاص بجروح، وسرعان ما بدأت الجمعيات المدنية والسكان يعيدون التذكير بما كرّروه لسنوات، وهو أن الممرات المائية صغيرة جدًا ومزدحمة، ولا يمكنها استيعاب السفن السياحية التي تظهر يوميًا في موسم الذروة، ولكن البندقية لا يمكنها إيقاف ذلك، لأنها أكثر شبهًا بمتحف من مدينة حديثة، واعتادت على الأموال التي تضخها السياحة، إذ تدفع سفينة كبيرة ما يصل إلى 30 ألف يورو يوميًا لترسو في الميناء.

أعلنت وزارة التنمية الإيطالية أن البندقية تمر بأزمة صناعية، إذ بدأت الصناعات التقليدية مثل الكيميائيات والصلب تختفي، وقال كلاوديو فيرنييه، الذي يرأس مؤسسة "بيازا سان ماركو للأعمال" ويدير متجرًا لبيع المثلجات: "تعاني المدينة من السياحة المفرطة، ولم يعد بإمكان الخدمات فيها مواكبة الطلب المتزايد على السياحة الرخيصة سريعة الإيقاع"، وفقًا لموقع "بلومبرغ".

تشير بيانات فنادق البندقية، إلى أن خمسة ملايين سائح زاروها عام 2017، مقارنة بـ2.7 مليون سائح في عام 2002، من دون الأخذ بعين الاعتبار آلاف الحجوزات على موقع تبادل المنازل العالمي Airbnb Inc، في الوقت الذي تقلص به عدد السكان إلى أقل من 60 ألف نسمة. كل شيء مكلف ويعاني سكان البندقية للغاية نتيجة ازدحامها بالسياح، إذ يضطرون للانتظار أكثر من 20 دقيقة لاستقلال وسائل النقل، على الرغم من أن أجرتها قرابة سبعة دولارات، كما صاروا يجبرون على الدفع لقاء ما يشترونه مثل السياح، بعدما تخلى العديد من التجار عن نظام التسعير القديم، الذي يفرض على الزائرين دفع المزيد مقابل الخدمات والطعام، ما يعني أن السكان المحليين يدفعون الآن الأسعار المرتفعة نفسها التي يدفعها السياح.


يلعب تغير المناخ دورًا إضافيًا في إبعاد السكان عن المدينة، إذ شهد عام 2018 ارتفاعًا في المد والجزر على مدى 121 يومًا، كما زاد منسوب المياه بمعدل 80 سنتيمتراً فوق سطح البحر، وتتسبب الفيضانات المتكررة بأضرار كبيرة في الطوابق السفلية من المنازل والمطاعم والمتاجر، وهو ما كان يحدث مرة واحدة في الشتاء، وصار يتكرر أكثر من مرة.

هكذا، دعت منظمة "إيطاليا نوسترا"، وهي أكبر مجموعة للحفاظ على البيئة في إيطاليا، إلى ضرورة وضع مدينة البندقية على قائمة الأمم المتحدة للمدن المعرضة للخطر، وأشارت المنظمة إلى أنه ينبغي حظر السفن السياحية من الاقتراب من الهور لتفادي وقوع كارثة بيئية. كان من المفترض أن ينفَذ مشروع لحل مشكلة الفيضانات، إلا أنه تجاوز الميزانية المقررة له، والتي بلغت 5.5 مليارات يورو، وتأخر عن جدوله الزمني إذ لن يكون جاهزًا قبل عام 2022 على الأقل. وأشار السكان المحليون إلى أن الفساد لعب دورًا في تأخر التنفيذ وتجاوز الميزانية والإخفاقات الفنية، وأجمعوا على أن السياسة والمال يقتلان مدينتهم.

وأكدت مارياريتا سينيوريني رئيسة منظمة "إيطاليا نوسترا"، التي ينص هدفها المعلن على الدفاع عن تراث إيطاليا الثقافي والطبيعي أن "البندقية فريدة من نوعها ولا يمكن أن نسمح بتدميرها أكثر مما هي مدمرة بالفعل"، وأضافت: "البندقية واحدة من المدن المعرضة للخطر في العالم"، معلنة عن قرار توجيه طلب إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" لوضع المدينة على قائمتها للتراث العالمي المعرض للخطر.