قباب إيكولوجية... فسحة شمالي تونس للاستراحة وسط الطبيعة

21 يونيو 2019
الصورة
هنا يأخذ الناس قسطاً من الراحة (العربي الجديد)

في باجة، حيث الينابيع والأودية والأراضي الخضراء الشاسعة والغنية بأشجار الكلتوس والصنوبر والزيتون، التي جعلتها من بين أكثر المناطق خضرة في شمال تونس، اختار حمدي بن فرج بناء أول قباب إيكولوجية لاستقبال الزوار، سواء كانوا تونسيين أم أجانب.

لم تكلّفه تلك القباب الكثير من المال أو الوقت، فقد شيّدها خلال أسابيع بمواد طبيعية من الطين والقش وبعض الحجارة، وفيها غرف صغيرة بعضها يتسع لشخصين وبعضها لثلاثة أو أربعة أشخاص، لها قباب ونوافذ صغيرة للتهوية، جهّزت بستائر من الأقمشة محلية الصنع، ومفارش من "الكليم" و"المرقوم" التونسي التقليدي. حتى إن أثاثها وديكورها من الخشب والطين.
اختار تجهيزها ببعض الأواني المصنوعة من الخزف أو النحاس أو الخشب. كل شيء في المكان يوحي بأنّك في مكان بني منذ سنوات طويلة، أو أنّك في أحد تلك البيوت القديمة في زمن السبعينيات، والتي كانت تسكنها بعض العائلات في الأرياف التونسية، لأنّ كلّ شيء فيها طبيعي وبسيط.
هذه فكرة القبة الإيكولوجية التي يُعتمد في بنائها على كلّ ما هو طبيعي. واختار حمدي بن فرج تشييدها في ذلك المكان، لتكون قبلة للسياح الأجانب والزوار التونسيين، لا سيما الشباب ممن ينظمون رحلات داخلية، أو المغرمين بالتخييم في الغابات والمناطق الخضراء، بحسب ما يقول حمدي لـ "العربي الجديد".
يضيف أنّه يستقبل على مدار السنة زواراً من مختلف الجهات التونسية، لا سيما خلال العطلة الأسبوعية. كلٌّ يحمل خيمته الصغيرة للبقاء يومين في المكان. يجتمعون في حلقات بعيداً عن كلّ المقومات الحضرية. الطعام طبيعي يطهى على الحطب، كما تتوفر الأغطية والمفارش. حتى المغرمون باليوغا، والذين يفضلون ممارستها في المناطق الطبيعية في جو بعيد عن أي صخب، باتوا يتوافدون بشكل كبير إلى المكان، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة.

لم يواجه حمدي أية مشاكل في بناء تلك القباب في منطقته. ونجح في بنائها من خلال إمكانيّات بسيطة ودعم من الأصدقاء، خصوصاً أنّه قريب جداً من وسط مدينة باجة والطرقات التي تؤدي إلى قبابه.

قبة ايكولوجية 3/مجتمع 


أمين الزين (36 عاماً)، شاب آخر من منطقة جبل السرج في محافظة سليانة، حصل على تكوين في السياحة الإيكولوجية والمشاريع الصديقة للبيئة منذ سنوات. فكّر من جهته في تشييد قبّة صديقة للبيئة للتشجيع على السياحة في تلك المنطقة البسيطة والجميلة. وفي عام 2017، شيد أول قبة على سفح جبل السرج، قرب مغارة عين الذهب في محافظة سليانة، من التربة البيضاء والتبن، برفقة مجموعة من أصدقائه وبتمويل بسيط. حتى إنّ تجهيزها لم يختلف عن باقي القباب الإيكولوجية. كان كل شيء فيها محلي الصنع وتقليدياً جداً وبسيطاً، ويضفي عليها طابعاً تونسياً خاصاً.

في عام 2008، تخرّج أمين من الجامعة. لكنّه بقي عاطلاً عن العمل لسنوات عدة، نظراً لغياب فرص العمل في منطقته، على غرار باقي المناطق الداخلية. اختار البقاء في منطقته في مقابل بناء بعض القباب البسيطة التي تلقى قبول العديد من الأشخاص المغرمين بالرحلات الجبلية أو التخييم في المناطق الزراعية، لا سيما وأنّ الجبل يقع على مقربة من كهف عين الذهب الذي يستقبل زواراً من مختلف الجهات التونسية على مدار العام.
رفيق المحمودي من الشباب المغرمين بالرحلات الداخلية والتخييم في أماكن جبلية أو صحراوية عدة. يقول لـ "العربي الجديد" إنّه نظم رحلات عدة إلى المنطقة، حيث شيد أمين الزين قبّته. تبدأ رحلة الشباب عبر السير كيلومترات على الأقدام في تلك المنطقة الجبلية لاكتشاف المكان، لينتهي بهم الأمر إلى تلك القبة، التي تستقبل العشرات منهم، في وقت يبيت آخرون في خيمهم الصغيرة هناك.

لكن بعد بضعة أشهر، واجه أمين مشاكل عدة من قبل السلطات الجهوية، وأغلقت القبة بدعوى عدم حصولها على ترخيص، وغياب كراس شروط ينظّم القطاع ونشاط القباب الإيكولوجية، إضافة إلى عدم وجود طرقات تسهل وصول الزوار إلى المكان. وحاول أمين طيلة أسابيع إيجاد حلول مع السلطات المحلية والوطنية، لكن من دون جدوى. وحاول الانتحار رفضاً لإغلاق ذلك المشروع الذي مثل بالنسبة إليه حلماً كبيراً منذ سنوات، لا سيما وأنّه وفر له مورد رزق بسيطاً.

قباب إيكولوجية 2/مجتمع 


تضامنُ المجتمع المدني والرأي العام مع أمين دفع وزير السياحة، روني الطرابسي، إلى استقبال الشاب لإيجاد حلّ والسماح له بمواصلة العمل إلى حين إيجاد صيغة لتنظيم هذا النشاط، الذي يعدّ سياحياً طالما أنّه يستقبل زواراً من مختلف الجهات وحتى بعض السياح الأجانب.
في المحافظة نفسها، وتحديداً في منطقة برقو، بدأ ربيع زروق منذ فترة في تشييد بعض القباب في منطقته الجبلية. يقول لـ "العربي الجديد" إنّه اطلع على السياحة الإيكولوجية والسياحة الزراعية منذ مدّة، وفكر في تشييد قباب في جهته التي تستقبل هي الأخرى العديد من الزوار أسبوعياً. لم يجد في البداية دعماً أو تمويلاً كافياً لمشروعه، مضيفاً أنّ البنك الدولي آمن بفكرته ووافق على تمويله. على صعيد آخر، يشير إلى أنّ منطقته تتميز بعدّة ميزات، مثل توفر عيون المياه العذبة. وأكبر دليل هو تمركز العديد من مصانع تعبئة المياه في الجهة، إضافة إلى تنوع الغابات الذي تتميز به الجهة، وقربها من كهف عين الذهب، وهي منطقة سياحية يتوافد إليها التونسيون والأجانب. كما أنّ الأرض التي شيّدت عليها القبّة الإيكولوجية تقع قرب منطقة توجد فيها آثار رومانية.

القبّة التي شيّدها ربيع تختلف قليلاً عن بقية القباب، إلا أنّها تحمل الطابع نفسه. كلّ شيء فيها مستمد من الطبيعة، لا طلاء ولا إسمنت. كلّ شيء فيها طبيعي من طين وقش وتبن، وتُبنى بطرق تقليدية تشبه البيوت القديمة، وتحافظ على الدفء في الشتاء والبرودة صيفاً.